يعتمد الإسلاميون في مقولتهم تلك ، على الآيات الأولى من سورة الإسراء ، وتفسيرها تفسيرا قدَرَيًا جبْريًا ، مع أن اليهودية قد ألغاها ربُّ العالمين ، شكلا ، وموضوعا ، منذ عدم قبولهم بالمسيح بن مريم ، آية ، وعبدا ، ونبيا ، ومعدلا لبعض تشريعات التوراة ، وتصحيح التحريف اليهودي لرسالة موسى ، إذ فقدت على يد الأحبار النور والهدى ، وتحولت إلى رسالة فاقدة لبعدها الإنساني ، وقد أضافوا إلى معاندتهم للمسيح ، اتهامه بأنه دجال ، والطلب من الحاكم الروماني هيردوتس صلبه ، وهو الحاكم الذي قام أيضا بقطع رأس النبي يحيى ( يوحنا المعمدان ) عند المسيحيين ، وهذا العمل هو الإفساد الثاني الذي حذرهم منه رب العالمين 0
نص الآيات التي يدعي الإسلاميون تعلقها بالوجود اليهودي الآني
بسم الله الرحمن الرحيم
{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا أنه هو السميع البصير * وآتينا موسى الكتاب وجعلنا هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا * ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا * وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا * ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا * إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدجلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تبتيرا * عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا * }
بعد هذه الآيات تأت الآية التالية { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا } إن وجه النظم بين هذه الآية ، والآيات التي قبلها بقوله تعالى { عسى ربكم أن يرحمكم } فتكون رحمتهم باتباع القرآن ، ويمكن أن يكون وجه النظم يتصل بقوله تعالى { وآتينا موسى الكتاب } والوجه كيف أقررتم بالكتاب الأول ، ورفضتم الإقرار بالكتاب الثاني ، ويمكن الذهاب إلى وجه ثالث بالربط وهو صدر السورة { سبحان الذي أسرى بعبده } كأنه تعالى قال أسرى بعبده ، وآتاه الكتاب الذي هذا صفته 0
إن هذه السورة ، وهذه الآيات ، لم تأت لترسم ملامح ما يحدث من بني إسرائيل ، بعد رسالة نبي الهدى مجمد بن عبد الله ـ صلوات الله عليه ـ وإنما ترسم صورة ما جرى من بني إسرائيل من مخالفات ، وما جرى لهم بسبب هذه المخالفات ، من الاندثار إلى يوم القيامة ، إنَّ بني إسرائيل لا وجود لهم اليوم ، وإنما لبقاياهم ـ مع التحفظ على كلمة بقاياهم ـ دولة علمانية ، فيها زمر متدينة بقيم من بقايا يهودية فاسدة ، لقد نشأت هذه الدولة بفعل الغرب كما مر ، والآيات تتلى علينا ـ معشر المسلمين ـ تحذيرًا من السير على سننهم 0
الدليل على هذا القول
1.إن معنى قضى الواردة بقوله تعالى { وقضينا } هو أعلم وأخبر ، ذلك أن كلمة قضى متعددة المعاني فهي: 1- فصل الأمر على إحكام ، ومن يفصل الأمر على هذا الوجه فهو القاضي ، ولذلك مشروط في قضاة المحاكم: الفهم ، والتقوى المانعة من الانحراف في إصدار الأحكام ، وبهذا يكون قاضيا عدلا 2- قضى بمعنى خلق وأحدث ، كما قال تعالى فقضاهن سبع سماوات 3- قضى تعني أوجب الأمر ، قال تعالى: وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا 4- المعنى الذي ذكر في أول الكلام ، وهو أعلم وأخبر 0
2.إن هذا الإعلام كان لبني إسرائيل ، أيام أنبيائهم في الكتاب ، أي في واحد من الكتب التي نزلت عليهم ، تحذيرا من الدخول في الفساد في ذلك الزمن ، وليس في الزمن الآتي ، إن تتبع التسلل الزمني للكتب التي أنزلت على العبريين هي: 1- صحف إبراهيم يسمي اليهود عصر إبراهيم واسحق ويعقوب ( إسرائيل ) ويوسف ، واستقرار بني إسرائيل في مصر بعصر الآباء ويمتد زمن هؤلاء من 1800-1550 ق0م ، وهذه الفترة هي فترة قبيلة صغيرة جدا رحلت من أور في العراق ، مستقرة أخيرا في مصر ، مارة بالخليل وبئر السبع ، من أرض كنعان 2- التوراة على موسى وهو زمن موسى وخلفائه من 1550 - 1220 ق0م وهذا الزمن هو زمن خروج بني إسرائيل ، من مصر إلى الأرض المقدسة ، بقيادة موسى عليه السلام ، نحو الأرض المقدسة ، وهي أرض لم تكن خالية من السكان ، بل فيها أهلها وهم الكنعانيون ، وكانت الرحلة على موسى شاقة ، لتذبذب بني إسرائيل وشدة الرعب من مقابلة الأخطار ، والخوف الشديد من المستقبل ، وقد عانى موسى بهذه الرحلة كثيرا ، ولا يعترض على تكليفهم من قبل الله تعالى دخول الأرض المقدسة ، إذ في الإمكان استيعابهم فيها لأن المعمورة آنذاك كانت في خلخلة سكانية ، كما هو معلوم ومشهور 3- الزبور على داود ، هذه هي الكتب التي ذكرها القرآن ، وهذا الزمن لا يبدأ من داود ، وإنما بدايته الأحبار من حوالي 1220- 933 ق0م ، وبموت سليمان دخل اليهود إلى عهد الانشقاق وامتد هذا الزمن من 933 - 721 إلى زوال مملكة الشمال ، ليأتي آب587 ق0م لتسقط أورشليم على يد نبوخذ نصر الكلداني ، ويحدث السبي البابلي ، وهذا هو نهاية الفساد الأول0
3.أن كلمة { إذا } الواردة في الآيتين ، لا تفيد الزمن المستقبل فقط ، فهي من حيث اللسان تقع على معان متعددة ، ولو قيل أن المراد منها الزمن المستقبل ، لوجب الصيرورة إلى أن الإفسادين لم يحدثا ، وهذا لم يقل به دعاة إسقاط الآيتين على الواقع السياسي المعاصر 0
4.ينص صدر الآية السادسة الفاصلة بين الآيتين بما يلي { ثم رددنا لكم الكرة عليهم } فالآية تنص عن رد في الماضي ، وليس عن رد في المستقبل ، لقد حدث هذا الرد في الماضي بمساعدة كورش الفارسي ، إذ أصدر منشورًا سنة 538 ق0م يسمح ليهود بابل العودة إلى أورشليم ، تحت قيادة شِشْبَصَّر الذي أعاد بناء المذبح ، ومن 520- 521 أعاد زربابل حاكم اليهود مع يشوع كبير الكهنة بناء الهيكل 0
5.إن مرتكز القائلين بأن الفساد متعلق بواقع الدولة العبرية الحاضر ، هو قوله تعالى { عبادا لنا } ذلك أنها تعني في رأيهم أنهم أهل عبادة ، ومثل هذا القول يعتبر فهما ، وليس تصريحا فلا يصمد أمام النقاش ، فهل يخرج الكافرون والفاسقون عن كونهم عبادا له تعالى ؟ لقد ورد في القرآن الكريم كلمة عباد ، مضافة إليه تعالى كثيرا: وردت { عبادنا } 12 مرة وقد وردت { عباده } 34 مرة ، و { عبادي } 17 مرة ، فمثلا وردت { وهو القاهر فوق عباده } أليس المراد كما هو واضح أن كلمة عباده تعني الخلق: المؤمن: والفاسق ، والكافر ، على السواء ؟
6.إن قوله تعالى { بعثنا عليكم } مثل قوله آية 83 من سورة مريم { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا } فهل يجوز المساواة بين إرسال الأنبياء للدعوة إلى سبيل ربها ، وبين إرسال الشياطين للهدف الظاهر بالآية ؟ إن مثل هذا القول ليس قولا لعاقل فالمراد من إرسال الشياطين ، التخلية بينهم وبين الكفار ، مع نفي العجز عنه ، فالإرسال ورد لا على ظاهره ، بل على سبيل التوسع ، أي على المجاز ، وهذا ما يعرفه كل متمكن باللسان العربي ، فالله عدل ، فلا بد من نفي الظلم والعبث عنه 0
7.إنَّ { بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد } فالعباد هؤلاء أصحاب شوكة ، وليس شرطا أن يكونوا أصحاب تقوى ، والمسلمون كلهم يصدقون أن الله يسلط عليهم ، من لا يخافه ولا يرحمهم ، تسليط تخلية ، فلماذا يرفضون ذلك على بني إسرائيل ؟