محمد صادق الصدر - وهو ابن عم باقر ويسمى الشهيد الثاني - كان أبرز تلاميذ محمد باقر الصدر بيد أنه كان أكثر تطرفًا، وأقل درجة علمية، وإذا كان محمد باقر الصدر يمثل تيار الإسلام السياسي الشيعي في صيغة شبيهة بجماعة الإخوان المسلمين المصرية، فإن محمد صادق الصدر هو أقرب إلى الصورة الراديكالية التي تمثلها جماعة «الجهاد» المصرية. حين قتل محمد باقر الصدر كان ابن عمه رهن الإقامة الجبرية، ولم يطلق سراحه حتى وفاة المرجع أبو القاسم الخوئي (1992) ، هنا قاد التدخل السياسي إلى أسوأ ما نشهده في العراق اليوم، فقد عمد صدام حسين إلى إطلاق سراح الزعيم الديني المتطرف محمد صادق الصدر لاعتقاده بأن الأخيرسيكون بوسعه مواجهة الحوزة الدينية في النجف والتي بدأت تتعاطف مع شبابها الذين قادوا محاولة الانقلاب الشيعية على نظام صدام حسين بعد حرب الخليج (1991) . لم يكن أحد بالكاد يعرف محمد صادق الصدر لا في الحوزة ولا في خارجها، وإذا كانت أفكاره راديكالية ومعارضة للحوزة فإن نظام صدام كان يأمل في أن يتسبب دعمه غير المباشر في تقويض قوة الحوزة الدينية، والاعتراض على أحقية آية الله علي السيستاني - وهو إيراني - بالمرجعية بوصفه فارسيا محتمل الولاء لثورة الخميني، ولهذا انطلق محمد صادق الصدر في مشروع معارضة للحوزة التقليدية، والتي بات يسميها «الحوزة الصامتة » ،وأعلن من جانبه تأسيس «الحوزة الناطقة» والتي تعني الحوزة التي لا تقتصر على فتاوى العبادات فقط بل تتدخل في السياسة والشؤون الاجتماعية ويكون لها دور أكبر في قيادة الطائفة، مع مرور الوقت بدأ محمد صادق الصدر في مهاجمة المراجع التقليديين مثل آية الله علي السيستاني. لم يكن صادق الصدر ليستطيع التأثير على الحوزة العلمية في النجف، ولا أتباع المراجع التقليديين، ولهذا توجه بخطابه نحو الفقراء والمهمشين في الجنوب العراقي، وبات يوثق علاقاته بالقبائل المعدمة، بل ومد يده نحو العراقيين من أصول غير عربية ممن يحسّون بالتمّييز، وعبر استخدام خطاب طبقي وثوري ضد أمريكا والغرب، وضد نظام البعث، بل وضد الحوزة النجفية والعائلات المتعلمة الغنية استطاع محمد صادق الصدر صناعة جمهور جديد من المهمشين والفقراء، وأصبحت خطبه النارية وانتقاداته اللاذعة، وفتاواه المتطرفة منفرة للجميع، ولكنه في ظرف ست سنوات بات الزعيم الشيعي بلا منازع، وأصبح لوحده المرجعية العراقية. ولشرح الوضع الذي أحدثه صعود محمد صادق الصدر نسوق طرفة وقصة كانتا رائجتين في العراق وقتها، أما القصة فتقول ان رجلًا ذهب ليستفتي من السيد محمد صادق الصدر فسأله عن سعر الطماطم؟ .. فأجابه صادق الصدر بتفصيل يكشف عن متابعته الدقيقة لهموم الناس المعيشية، وهذه القصة كانت تروى لدلالة على الارتباط الشعبي بالطبقة الشيعية الكادحة الذي أحدثته حركة الصدر. أما الطرفة فكانت تقول ان شخصًا أهدى لآية الله السيستاني وسادة نوم كتب عليها «تصبح على خير» للدلالة على بعده عن حياة أبناء الطائفة واعتزاله عنها.
استيقظ نظام صدام حسين في وقت متأخر، صحيح أن محمد صادق الصدر قد قضى على قوة الحوزة النجفية، ولكنه بات يشكل تهديدًا أكبر مما كان الوضع عليه عام 1991. أحد الأمثلة التي تشرح التطرف الذي لجأ إليه والد مقتدى الصدر هو دعوته إلى اعتبار نفسه «ولي أمر المسلمين» وهو إعلان فتح عليه ثلاث جبهات معارضة وهي: حزب البعث، والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي الذي اعتبر ذلك خروجًا على سلطته السياسية والدينية، وكذلك مراجع الحوزة الذين اعتبروه اغتصابًا للولاية من دونهم. قرر صدام اغتيال صادق الصدر وولديه (1999) ، وعلى إثر ذلك قامت ثورة شعبية حقيقية أوقفها النظام لبعض الوقت بالقمع العسكري وإغلاق مكاتب الصدر.
بسقوط نظام صدام حسين عبرت عناصر «فيلق بدر» - 2000 مقاتل - من إيران إلى العراق وأعاد آل الحكيم فتح مكاتبهم في المدينة المقدسة، وشهدت الحوزة العلمية بالنجف حيث مرقد الإمام علي صراعًا حول الزعامة، فقد عاد إليها عبد المجيد الخوئي ابن المرجع السابق - وهو شيخ ديني موال للغرب - وأعاد مقتدى الصدر فتح مكاتب والده هناك، وفي ظرف أسابيع بدأت العائلات الثلاث تصفية الحسابات فيما بينها واتهام بعضها بالخيانة والعمالة إما لإيران، أو للنظام السابق. أوعز مقتدى الصدر لأتباعه فاقتحموا مرقد الإمام علي واغتالوا عبد المجيد الخوئي العائد لتوه من لندن، وأخرج المظاهرات التي وصفت محمد سعيد الحكيم بأنه موال لطهران وعميل جديد للأمريكيين، وعند احتدام الجدل بين أنصار التيار الصدري وأنصار تيار الحكيم - المجلس الأعلى للثورة - خطب محمد سعيد الحكيم خطبة وصف فيها مقتدى الصدر بأنه «زعطوط» - وهي كلمة تحقير شعبية - . وأمام كل هذا كان آية الله السيستاني (إيراني) ، ومعه مراجع وفقهاء كبار من أمثال بشير النجفي (باكستاني) والشيخ إسحاق الفياض (أفغاني) قلقين من زوال سلطتهم الدينية لصالح هذه العائلات التي لا يتوفر فيها حاليًا مراجع معتمدون. السيستاني أدرك فداحة ما يجري حوله من محاولة للسيطرة على المدينة دينيًا وسياسيًا، ولهذا بادر بالتدخل بشكل سلمي وتوفيقي وانحاز إليه ممثلو حزب الدعوة، وبقية المنفيين السياسيين العراقيين، وبعد اغتيال محمد باقر الحكيم اضطر أخوه عبد العزيز الحكيم إلى الانحياز كذلك للسيستاني، وكان مقتدى الصدر قد أصدر قائمة ضمت 124 عراقيًا هم أعداء وخونة،وفي الحقيقة كانت قائمة أعدها أنصاره الذين كانوا يشكلون أنصار أبيه للتخلص من منافسيهم. أخطأت كل من أمريكا وإيران في تقدير أهمية التيار الصدري الذي أنشأه والد مقتدى، وغاب عن تقديرهم أن ذلك التيار هو الأقوى، والأكثر تنظيما داخل العراق خلال العقد الماضي فيما كانت بقية الوجوه السياسية الشيعية هائمة في المنفى.
في أبريل 2004 لم يتبق على الساحة إلا ثلاث جهات شيعية قادرة على قيادة الطائفة،كان هناك السيستاني، ومقتدى الصدر، وعبدالعزيز الحكيم .. ولهذا شهد النجف مواجهات دامية بين قوات مقتدى «جيش المهدي» وقوات الحكيم «جيش العراق» - حيث يشكل عناصرفيلق بدر عصبه الأساسي - ، وحسمت القضية لصالح مقتدى الذي تم الاعتراف به رسميًا كطرف أساسي في الحكم، وفي الإتلاف الشيعي. وقد كشف بول بريمر - رئيس سلطة الائتلاف السابق - في مذكراته التي نشرت مطلع هذا العام بعنوان «عامي في العراق» تفاصيل تلك الأحداث، حيث يقول بريمر بأن السيستاني والحكيم والجعفري طالبوا بول بريمر بالقبض على مقتدى الصدر، ونبّه بريمر إلى أن السيستاني صرح بشكل غير مباشر في أنه لا يمانع في تصفية (قتل) مقتدى الصدر. إيران انتبهت لأهمية الصدر ولذلك بدأت في استمالته،ودعته إلى طهران حيث رحب به على أعلى مستوى كفاتح ومنتصر، وواصل الإيرانيون دعمهماديًا، وقام الحرس الثوري الإيراني بتدريب 2000 من عناصر جيش المهدي.