فهرس الكتاب

الصفحة 2189 من 3028

في أبريل الماضي احتلت صورة مقتدى غلاف الطبعة الدولية لمجلة «النيوزويك» ، ووصفه تقرير لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) كأهم لاعب سياسي داخل الطائفة الشيعية، وقال التقرير بأن عناصره المسلحة من جيش المهدي باتت تشكل 30? من عناصرالشرطة والجيش في بغداد. أما تقرير مركز الأزمات الدولية الأخير (يوليو 2006) فحمل عنوان «مقتدى الصدر: عنصر تخريب أم استقرار؟» ، ويكشف التقرير عن أهمية كبيرة تمثلها ظاهرة الصدر، فقد أصبح بوسعه أن يمنح الحكومة بركته، أو يعمل على تقويضها وتعطليها،وقد أدى تعنته في ترشيح الجعفري إلى تأخير الإعلان عن الحكومة لفترة خمسة أشهر،بينما واجه مساعي المالكي لعزل أعضاء الوزارة الصدريين إلى مواجهة مسلحة بالديوانية.

إن لظاهرة مقتدى الصدر ثلاثة ملامح مهمة:

-فهي تمثل ثورة أصولية شيعية متطرفة في مقابل الحوزة التقليدية النجفية التي كانت تاريخيًا بعيدة بشكل نسبي عن التدخل في الشؤون السياسية للعراق.

-وتعكس المواجهات المسلحة نزاعا حول زعامة البيت الشيعي الداخلي، وهو نزاع ذوطابع جهوي بين العائلات الدينية الشهيرة في النجف.

-وأخيرًا، تمثل ظاهرة مقتدى صراعا شيعيا طبقيا بين طائفة المهمشين والفقراءوالقبائل المعدمة، وطبقة العائلات الشيعية المتعلمة والغنية والقبائل النافذة،وطبقة رجال البازار الذين يمولون الحوزة التقليدية.

وحتى يمكن فهم ظاهرة مقتدى الصدر لا بد من فهم دور الحوزة الدينية، والمرجعية الطائفية في الفكر السياسي الشيعي ليس في العراق وحده، بل وفي إيران وبقية بلدان العالم الإسلامي. يضاف إلى هذا، فهم الدور المحوري والرئيسي الذي تلعبه العائلات الدينية الشهيرة في توجيه الطائفة اجتماعيًا وسياسيًا. فعلى الرغم من اختلاف مدارس الشيعة «الاثنى - عشرية» في الفروع الفقهية إلا أن هناك تقاربًا في مجمل مظاهرالفتوى الدينية داخل المذهب، حيث يشكل المرجع الديني الأعلى مصدر الاجتهاد والفتوى،ويتفرع عنه شيوخ مقلدون ووكلاء يمثلونه في البلدان وينوبون في نقل الأسئلة إلى المرجع، وتفسير فتاواه ودروسه الدينية، ويكونون وكلاء في جمع الخُمس - وهو العائد المادي المفروض على أتباع المذهب والذي يصرف في وجوه الإنفاق الخيري ولاسيما على المدارس الدينية ومؤسساتها - .

أما الحوزة الدينية فهي الوصف الذي يطلق على مكان اجتماع المدارس الدينية المذهبية، وحيث يتواجد الشيوخ والمراجع للانقطاع للدراسة والبحث في الشؤون الدينية قريبًا من المراقد المقدسة. هناك خلاف قديم حول الحوزة الدينية الأكثر أهمية لأتباع المذهب في العالم الإسلامي، فإيران بدأت عهد الحوزات الدينية بأصفهان ثم انتقلت إلى مدينة قم، أما في العراق فتمثل الحوزة الدينية في النجف أقدم المدارس والمرجعيات الدينية، ومنذ عدة عقود تنافست الحوزتان الدينيتان للاستئثار بمرجعية الشيعة في العالم. وقد لعب السياسيون في كل من طهران وبغداد دورًا كبيرًا في استخدام هذا التنافس بغية النفاذ إلى جمهور الطائفة والتحكم فيه عن طريق احتواء المراجع التقليديين، وهذا التدخل السياسي قاد إلى تنافس بين مرجعية فارسية، ومرجعية عربية. صحيح، أن كثيرا من المراجع كان بإمكانهم تمثيل الشيعة أيًا كانت بلدانهم، إلا أن هنالك فترات كانت فيها المنافسة قائمة على التنافس العرقي والعائلي، ويعود السبب الرئيسي في ذلك للدور السلبي الذي لعبته الثورة الإيرانية ومبدؤها الداعي إلى «ولاية الفقيه» في تقويض الطبيعة السلمية الانعزالية للحوزة الدينية.

في منتصف القرن الماضي، كان السيد محسن الحكيم بمثابة المرجع الأعلى للشيعة في حوزة النجف، بينما كان السيد البروجردي المرجع الأعلى في قم، وبعد وفاةا لأخير قام شاه إيران في محاولة منه لإضعاف المعارضة الدينية بدعم مرجعية محسن الحكيم النجفية ضد مرجعية الحوزة الدينية في قم، وعندما مات محسن الحكيم انتقلت المرجعية لخليفته أبو القاسم الخوئي في النجف (1971) ، وواصل الشاه دعم مرجعية الخوئي لبعض الوقت حتى تلاشت تلك المرجعية مع قيام الثورة الإيرانية واحتل الإمام روح الله الخميني صدارة المرجعية في كل مكان، ولكن رغم ذلك كان هنالك ممانعة للخميني في حوزة النجف التي أحست بتهديد الخميني لمرجعيتها، ورفض أبرز علمائها مفهوم «ولاية الفقيه» الذي نادى به الخميني.

ما علاقة مقتدى الصدر بكل هذا؟

في الحقيقة جوهر ما نشاهده من صراع دموي في العراق، أو تعطل في مسار العملية السياسية تعود جذوره للمنافسة الحادة التي وقعت بين العائلات الدينية الشيعية الشهيرة، ففي النجف مثلت كل من عائلة الحكيم والخوئي والصدر أبرز العائلات الدينية،وهناك عائلات دينية أخرى مهمة مثل آل الشيرازي الكربلائيين، ولكن العائلات الثلاث الأخيرة بالتحديد كان لها دور سياسي واضح في العقود الثلاثة الأخيرة. ومع قيام ثورةالخميني الأصولية تطلعت كل عائلة إلى أخذ نصيبها من المبادئ الثورية الجديدة، والتي تهبهم بوصفهم عائلات فقهية متصدرة حق الولاية السياسية. لقد تسبب حزب البعث في تصفية وجوه عديدة وطنية داخل الطائفة الشيعية، واستطاع حزب البعث قتل وطرد العائلات الشيعية المتعلمة والتي تمثل قيادات علمانية ليبرالية تؤمن بالوطنية وديمقراطية العراق، وبحلول نهاية السبعينيات اختفى الثقل السياسي الشيعي الليبرالي ليحل مكانه المراجع الدينيون، ومؤسساتهم الدينية.

عائلة الصدر كانت من أوائل العائلات التي اتجهت للاهتمام بهذا الفراغ السياسي داخل الطائفة الشيعية، ومثّل محمد باقر الصدر - الشهير بالشهيد الأول - أبرز هؤلاءالعلماء، وقد أبدى اهتمامًا مبكرًا بالحركات الإسلامية السنّية، وفكرة الدولة الإسلامية التي تبشر بها التيارات الأصولية، ولهذا عمل على تقديم فكر الحركةالإسلامية إلى داخل الحوزة التقليدية، وقد واجه محمد باقر الصدر معارضة من المراجع،ولكن رغم ذلك استطاع التأثير على قطاع واسع من أبناء الطائفة وطلبة الحوزة الدينية،ولكن حين توفي المرجع الأعلى محسن الحكيم كان محمد باقر الصدر يأمل في أن يخلف الأخير، بيد أن الحوزة حسمت المرجعية في السيد أبو القاسم الخوئي الذي كان يمثل خط المدرسة التقليدية، ولم يتوان محمد باقر الصدر عن انتقاد المرجعية التقليدية بسبب من أفكاره، وبسبب من تجاوز أحقيته كمرجع، وصعّد محمد باقر الصدر من خطابه وصدامه بعد قيام الثورة الإيرانية وأعلن ولاءه لها وعمل على إنشاء «حزب الدعوة» الإسلامي - وهو حزب تورط في أعمال مسلحة وتعاون مع الثورة الإيرانية الصاعدة - ، ولهذا تولى حزب البعث تصفيته في أبريل 1980.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت