فهرس الكتاب

الصفحة 2163 من 3028

• أولًا هناك أناس ما زالوا لا يعترفون بتردِّي الحال ، وما زالوا يعتقدون أننا نحقق نصرًا بعد نصرٍ ، وما زالت الاحتفالات والمهرجانات بالنصر الموهوم ممتدة في العالم الإسلامي، ولا مجال هنا لأن نضرب أمثلة. وكذلك ما زال هناك أناس لا يعترفون بأخطائهم ويريدون أن يفرضوا أخطاءهم على الأمة كلها . وهنالك أناس يرون أنهم هم وحدهم يستطيعون أن ينقذوا الأمة ، وقد أُعْطِيَ الجميع فرصة واسعة لإنقاذ الأمة !

كلٌّ يقول أنا الذي فإذا الذي ليس الذي ! يا ويل من لم يعدِلِ !

أما عن سؤالكم: ' هل يمكن أن تطرحوا بإيجاز عناصر مشروع يمكن استنهاض الأمة وابتعاثها من جديد ؟! ' أقول: نعم يمكن ذلك ! وكيف لا يمكن ، والله لا يُعقل أن يترك عباده دون أن يوفّر لهم سبيل النجاة والعزّة والقوة ؟! إنه وعد من الله ومن أوفى بعهده من الله ؟ ولقد كرّر الله سبحانه وتعالى وعده هذا للمؤمنين في آيات كثيرة تأكيدًا على أهمية السبيل الذي أرشدنا الله إليه ، وأهمية التزامه .

والنقطة الأساسية هنا هي أن النصر من عند الله وحده، ينزل نصره على عباده المؤمنين حين يستوفون شروط النصر التي أمر الله بها في واقعهم. فإذا لم يُنزِل الله نصره فلننظر في أنفسنا، فالله لا يظلم الناس شيئًا أبدًا ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم.

ولأهمية هذا الموضوع فقد تفرَّغت للكتابة في ميادين متعددة بتفصيل على قدر ما هداني إليه الله في كتب تجاوزت التسعين كتابًا في ميادين متعددة تشمل ميادين الفكر والفقه والتوحيد ، والواقع وما فيه من اضطرابات فكرية وما فيه من أحداث ، وتشمل السياسة والأدب ومذاهبه والردّ على المذاهب الفكرية والأدبية المنحرفة في دراسات مفصلة ، نثرًا وشعرًا وملاحم .

وإني أطرح من خلال هذه الدراسات نهجًا أعرضه على كل المسلمين بعامة وعلى الناس كافة، لكل مسلم ولكل أسرة ولكل مجتمع. ويشمل هذا النهج: النظرية العامة للدعوة الإسلامية، المناهج التطبيقية، النماذج، الأساليب، الأهداف، التخطيط، وغير ذلك. إن الهدف العام من هذا النهج هو إنقاذ المسلم من فتنة الدنيا وعذاب الآخرة، ثم هناك الهدف الأكبر والأسمى، ثمَّ الأهداف الربَّانيَّة الثابتة، ثمَّ الأهداف المرحلية.

ولقد أوجزت ذلك كله في كتب موجزة في مراحل متعددة ، وكان آخرها: ' الموجز الميسر عن مدرسة لقاء المؤمنين ' . ذلك لأني أومن أنه لا تستطيع فئة واحدة مهما بلغت قوتها أن تنقذ الأمة ، والأمة ممزَّقة أقطارًا وأحزابًا وأهواءً. فذلك يجلب غضب الله ، ويفتح المنافذ لأعداء الله ليتسللوا ، فيثيروا الفتن ويزيدوا الأمة بلاءً على بلاء ، وفتنًا على فتن ، وتنازلًا بعد تنازل .

فلا بدَّ إذن من لقاء المؤمنين المتقين الصادقين الذين لا يسعون إلى زهوة الدنيا وتنافسها ، بل يؤثرون الآخرة على الدنيا كما أمر الله ، لا بدَّ من لقاء المؤمنين الصادقين على نهج يمثل قاعدة اللقاء . هذا النهج هو الذي أطرحه في دراساتي ، وهو الذي أدعو إليه ، وأعرضه قدر وسعي وطاقتي على الناس كافة . وهذا النهج قائم على: قواعد الإيمان والتوحيد كما جاءت في منهاج الله ، وعلى المنهاج الرباني ـ قرآنًا وسنّة ولغة عربية ـ وعلى مدرسة النبوة الخاتمة التي يجب أن تكون ممتدة مع الزمن تصنع الأجيال المؤمنة دون توقف .

لا يمكن إيجاز هذا النهج هنا بأكثر من ذلك، ولكنني أنصح باعتبار كتاب: ' الموجز الميسّر ' موجزًا يمكن أن يعين. وهنالك كتب أخرى موجِزَةٌ لهذا النهج تجدها في قائمة الكتب الصادرة .

وأهم العناصر: وضع النظرية العامة وتحديد بنودها ودراسة هذه البنود دراسة مفصلة ، ثمَّ تحديد أهم الأمراض والمشكلات في واقع المسلمين ، ثم التزام النهج الإيماني في التفكير ، التخطيط العام للدعوة الإسلامية ، التخطيط لكل ميدان تخوضه الدعوة ، إقامة نظام إداري يوفر التنسيق والإشراف والمتابعة والتوجيه ومعالجة الخلل والأخطاء ، ثمّ إقامة المؤسسات الإيمانية ، اعتماد ميزان المؤمن ، واعتماد التقويم الدوري والمرحلي ، واعتماد التدريب العملي ، إلى غير ذلك من العناصر .

أنا وحدي لا أستطيع أن أحقق ذلك ، ولا أيِّ فئة وحدها ، ولكني أستطيع أن أقدم النظرية والمناهج والنماذج والدراسات وغير ذلك ، ولكن لا بدَّ من لقاء المؤمنين الصادقين على طريق بناء الأمة المسلمة الواحدة التي لا غناء عنها لتحقيق أي نصر في واقعنا اليوم . فاليوم كل طائفة تعمل وحدها ، وكل بلد يعمل وحده ، والأعداء يأخذون كل فريق وكل بلد على انفراد في ضعفه وهوانه .

إذا لم تَقُمْ في الأرض أمة أَحمدٍ فكلُّ الذي يجري على الساح ضائع

** يعلق البعض أسباب الفرقة التي تعاني منها الأمة على الاختلاف المذهبي على الرغم من أن هذا الاختلاف المذهبي مصاحب للأمة منذ عهود ازدهارها ... ما تعليقكم على ذلك ؟!

* الاختلاف في الأمة اليومَ لم يعد محصورًا في الاختلاف المذهبي .فهنالك الاختلاف الحزبي ، واختلاف الأقطار ، واختلاف التصورات العامة ، واختلاف الأهواء والمصالح ، واختلافات أخرى كثيرة !

أما الاختلاف المذهبي في أوله فلم يفرّق الأمة، لأن أصحاب المذهب كانوا يصرّون على أن يعود المسلمون إلى الكتاب والسنة ، وأن يأخذوا من حيث أخذوا. فكان للجميع مرجع رباني واحد . وكان الاختلاف في أمور يبيح الإسلام فيها الخلاف . إلا أن الأمور تطورت وأخذ أتباع المذاهب يعتبرون المذهب هو مرجعهم الوحيد، فانعزلوا عن الكتاب والسنة، وأخذ الجهل يظهر ويمتد ، وأخذ التنافر يقوي بين المذاهب !

نحن الآن نعاني من اختلافات جذرية وانحرافات جليَّة عن الكتاب والسنَّة، أصبح من المسلمين ومن دعاتهم من يدعو إلى العلمانية وغيرها. وكلما ظهر شعار جديد أسرع بعض المسلمين ودعاتهم يتغنون بهذا الشعار: الديمقراطية، الحداثة، العلمانية، وأخذوا يساوونه بالإسلام، أو يضعون الإسلام جانبًا لتصبح تلك المذاهب الجديدة هي المطلب والمبتغى.

وانتشر بين المسلمين القول: ' نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه !' وبذلك جعلنا التعاون والاختلاف مرهونًا بالبشر ورغباتهم وآرائهم. ولكن الحق أن التعاون والاختلاف يجب أن يكون على أسس ربَّانيَّة. لذلك أرى أن نتبنى نصًَّا آخر هو:

' يجب أن نتعاون فيما أمر الله أن نتعاون فيه ويعذر بعضنا بعضًا فيما أذن الله لنا أن نختلف فيه '.

ليس اختلاف المذاهب اليوم هو العلة الوحيدة ، ولكنها علّة من بين العلل . ولا بدَّ أن ندرك أن اختلاف المذاهب لا يعني المذاهب كما نادى بها أصحابها، ولكنها المذاهب التي تطورت عن ذلك وازدادت بها الفرقة والتمزَّق.

إن واقع المسلمين اليوم بحاجة إلى خُطَّةٍ مدروسة ونهج شامل يعالج المشكلات من جذورها.

** تتزايد بين الحين والحين دعوات الحوار مع الغرب بل والتأكيد على أهمية هذا الحوار وهو ما أوجد العديد من المؤسسات التي تختصر مهمتها في ذلك في حين لا نجد من يدعو لحوار إسلامي إسلامي ... ما رأيكم ؟!

* نعم ! لا يوجد من يدعو إلى حوار إسلامي إسلامي ، إلا القليل من الدعاة . ودعوة لقاء المؤمنين التي ندعو إليها هي التي تفتح باب الحوار بين المسلمين. الحوار بين المسلمين هو لإزالة الخلاف وتأليف القلوب وبناء التعاون على أسس ربَّانيَّة وعلى قاعدة يلتزمها الجميع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت