لكن بداية الهجوم الحقيقي على الهوية الإسلامية من الغرب كان على يد الحملة الفرنسية على مصر والتي ركزت على عكس الحملات الصليبية العسكرية السابقة على الثقافة والفكر بعدما تيقن الغرب أنهم لن ينتصروا على المسلمين عسكريًا، فبدأ التفكير في اختراق الهوية وإفساد العقائد والأخلاق والدين واللغة والتاريخ وتحطيم المرأة والأسرة المسلمة. ولذلك حمل نابليون معه مطبعة وجاء معه بالراقصات والرسامين والفنانين لإعادة تشكيل الشخصية المسلمة. وإذا كانت الأمة قد استطاعت ببعض المقاومة أن تجبر نابليون على الرحيل ولكن ما زرعه استمر وجاء محمد علي وسار على النهج العلماني وارتبط بالغرب ثم جاء أولاده وأعطوا للهوية الإسلامية ظهورهم وفتحوا لهوية الغرب وثقافته ونظمه وقيمه قلوبهم وعقولهم.
ثم جاء الاحتلال العسكري الإنجليزي الطويل فأكمل الطريق وبدأ التغريب الحقيقي من خلال هدم برامج التعليم وإقامة برامج أخرى تضرب الهوية الإسلامية في مقتل، ثم فتح الباب للمستشرقين ليلعبوا كيفما شاءوا بالمفاهيم الإسلامية، وإرسال نفر من أبناء المسلمين إلى الغرب ليتغربوا ثم يأتوا إلى بلادهم ليجهزوا على البقية الباقية من هويتهم بحجة التنوير والتحرر والثقافة.
وما حدث في مصر على يد الإنجليز كان يحدث مثله في الجزائر على يد الفرنسيين، وواكب ذلك سقوط الخلافة الإسلامية أو إسقاطها وضرب فكرة الجهاد ضد أعداء الأمة التي كانت الخلافة تدعو إليها. ثم استمرت الحرب ضد الهوية حتى الآن وآتت ثمارها في الشباب الذي يتهافت على تقليد الغرب في سلوكه وملبسه ومأكله ونظم حياته، وفي المثقفين الذين يسبون ثقافتنا العربية الإسلامية ويمدحون ثقافة الغرب وقيمه، وفي الفنانين والأكاديميين الذين لا هَمَّ لهم إلا الهجوم على الرجعية ويقصدون بها طبعًا الهوية العربية الإسلامية.
المسلمون لا يدركون أن هويتهم مستهدفة
أما د. محمود مزروعة عميد كلية أصول الدين السابق فينبه إلى مشكلة هامة وهي أنه رغم هذه الحرب الشرسة لاستئصال المسلمين وهويتهم والتي تمثلت في الحملات الصليبية والغزوة التترية ثم في الحملة الفرنسية والاستعمار الغربي واليهودي والهيمنة الإعلامية والاقتصادية والسياسية ومحاربة الإسلام وقضايا المسلمين في كل مكان والتعاون ضدها فإن الرد جاء على لسان أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل عام 1967 في محاضرة له بجامعة بريستون الأمريكية بقوله: ' يحاول بعض الزعماء العرب أن يتعرف على نسبة الإسلامي بعد الهزيمة .. وفي ذلك الخطر الحقيقي على إسرائيل .. ولذا كان من أول واجباتنا أن نبقي العرب على يقين راسخ بنسبهم القومي لا الإسلامي'.
لقد ثبت للغرب أن هزيمة المسلمين مستحيلة إذا تمسكوا بهويتهم المتفردة، لذلك فإننا نعتقد أن مما يهدف إليه النظام العالمي الجديد هو ضرب هويتنا الإسلامية وإذابتنا في ثقافة عالمية غير محددة المعالم والاتجاهات كي يسهل احتواؤنا والتعامل معنا.
وهذا أيوجين روستو رئيس قسم التخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية يقول عام 1967 'إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي بفلسفته وعقيدته المتمثلة في الدين المسيحي .. ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها'.
وبهذا يتضح أن القوم يدركون خطورة ما في أيدينا من هوية ويحاولون تحطيمها .. ولكن رغم ذلك كله فما زال غالبية المسلمين العظمى لا تدرك هذا الأمر وخطورته ولا يدركون أنهم مقصودون وهويتهم مقصود استئصالها ودينهم مقصود الالتفاف عليه.
ولذلك فالغرب يساند الحركات والأفكار الهدامة التي تطعن في الإسلام مثل الماسونية والبهائية والقاديانية وغيرها. والغرب عن طريق مستشرقيه يثير الشبهات في الإسلام والعقيدة والسُنَّة، ويهز الثقة في السلف الصالح، ويعمل على عرض النظريات التي تناقض التوحيد مثل نظرية داروين ويعلي من شأن الأمم والحضارات الإقليمية قبل الإسلام مثل الفرعونية والفينيقية والآشورية والطورانية .. الخ، هذا فضلًا عن الحرب الإعلامية الشرسة عبر المسلسل والخبر والتحليل والفيلم.
الذين دعوا إلى هوية غير إسلامية فشلوا
بينما يعتبر د. محمد يحيي أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة طرح قضية الهوية في هذا الوقت بالذات مرتبطًا بمسارات ثقافية وسياسية معينة، فنحن هويتنا مستقرة على أنها عربية إسلامية منذ قرون طويلة، ولكن في العشرين سنة الماضية أعيد طرح قضية الهوية من جانب فصيل معين من فصائل الحركة الثقافية في مصر والعالم العربي وهو الفصيل الذي يميل إلى العلمانية والتغريب في فكره، وهو يرفض الهوية العربية الإسلامية ولكنه يحاول أن يلتف حول هذا الرفض بأن يطرح قضية الهوية على إطلاقها ليمهد السبيل إلى هوية أخرى، قد تكون أفريقية أو شرق أوسطية أو أوروبية بها عناصر عربية مهجنة أو فرعونية أو آشورية أو فينيفية .. الخ.
والسؤال عن الهوية لا يدل على تخلف ثقافي بقدر ما يدل على تحرك ثقافي من جانب فئة معينة تريد أن ترفض الهوية القائمة وتوجد هوية بديلة عنها، لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك مباشرة خوفًا من رد شعبي.
إن هويتنا عربية إسلامية وهي مستقرة وثابتة باللغة والتاريخ والدين والعادات والتقاليد والإنتاج الفكري والأدبي .. الخ. وطه حسين رغم طرحه للهوية الغربية والدعوة بحرارة إلى ثقافة الغرب إلا أن كل كتاباته كانت عن اللغة العربية، وله كتابات إسلامية كثيرة وشهرته جاءت بانشغاله بأمور عربية إسلامية رغم ما فيها من طمس وتشويه. أي أنه حتى الذين نادوا بهويات مضادة لهويتنا العربية الإسلامية لم يستطيعوا أن يعملوا وينتجوا خارجها وإنما كانت حركتهم داخلها، وإذا كان السؤال عن الهوية مطروحًا طوال القرن الماضي فهذا لا ينكر ثبات هويتنا بل يؤكد أنها أكثر رسوخًا، ويؤكد عدم نجاح الذين قادوا الدعوة إلى هويات أخرى.
تحديات في طريق الهوية والثقافة
ومن جانبه يرى د. إسماعيل مختار أستاذ التربية أن مصادر التحديات التي تواجه الهوية، تتعدد بقدر ما تضعف المناعة لدى الفرد والمجتمع, ولكن المصدر الأساس الذي يأتي منه التحدي الأكبر لهوية الأمم والشعوب كافة، يكمن في السياسة الاستعمارية الجديدة التي تسود العالم اليوم، والتي ترمى إلى تنميط البشر والقيم والمفاهيم وفق معاييرها الجديدة، والسعي إلى صياغة هوية شمولية تفرضها في الواقع الإنساني، في إطار مزيف من التوافق القسري والإجماع المفروض بالقوة.
والخطورة في هذا الأمر، أن قوة الإبهار التي تُطرح بها هذه الهوية الشمولية ذات المنزع الغربي، والأمريكي تحديدًا، تعمي الأبصار عن رؤية الحقائق على الأرض كما هي، مما يؤدى إلى توهم أن هذه الهوية المغشوشة، هي الهوية العصرية، الهوية الكونية، هوية التحديث والمدنية، الهوية التي ينبغي أن تسود وتقود، ولا هوية الجمود والهمود.