6 -إضعاف اللغة العربية: وفي سبيل نجاح مخططه السابق في النيل من الدين الإسلامي كان لا بد له من إضعاف اللغة العربية، ومحاولة القضاء عليها بكل سبيل ممكن؛ إذ إن اللغة العربية لا تعد وعاء للفكر العربي والإسلامي، ولا تمثل الهوية العربية والإسلامية فحسب، بل هي شعيرة من شعائر الإسلام؛ فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم:"من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية؛ فإنه يورث النفاق" (4) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله" (5) .
فاللغة العربية والدين الإسلامي كلٌّ لا يتجزأ. ومما يدمي القلوب أن نجد الغرب يهتم بالدراسات العربية والإسلامية في جامعاته، وبمراكز البحوث الاستشراقية، ماديًا ومعنويًا، على حين تبدو مثيلاتها شاحبة في عالمنا العربي والإسلامي لا تجد الدعم المادي ولا المعنوي اللازمين لها، حتى صارت عبئًا على مجتمعاتنا العربية، ودأبت وسائل الإعلام على تشويه الفصحى، والربط بينها وبين تخلف الأمة حضاريًا اليوم (6) . ويزيد الطين بلة تلك الدعوات المسعورة إلى استخدام العاميات العربية بديلًا عن الفصحى، مما سبب لطلابنا وباحثينا نوعًا من ازدواجية اللغة، حتى في المدارس والجامعات، فشاع اللحن، وأعرض الطلاب عن تعلم الفصحى إلى تعلم اللغات الأجنبية التي استشرت في بلادنا العربية.
7 -تفتيت وحدة الأمة: ورأى الاستعمار النفسي ضرورة تفتيت وحدة الأمة (7) عملًا بالمثل السائر:"فرِّق تَسُدْ"فحقق شيئًا مما أراد، إما عن طريق إحياء القوميات، أو عن طريق إشعال فتيل النزاع بين الدول العربية والإسلامية على الحدود تارة، كما هو الحال بين اليمن وإرتيريا، وبين مصر والسودان، وبين الكويت والعراق، وبين الإمارات وإيران، وبين الهند وباكستان وغيرها، أو عن طريق النزاع حول مصادر المياه. وقد تسبب هذا النزاع في اتساع هوة الخلاف بين الأشقاء ودول الجوار، فقامت بعض الحروب بينهم، وصارت كل دولة تتربص بأختها شرًا، ويحذر كل فرد مكائد أخيه، والتبس على الكثيرين معرفة العدو من الصديق، منشغلين عن العدو الحقيقي الذي يتربص بالجميع ليفتك بهم ويستأصل شأفتهم.
سياسة الكيل بمكيالين:
كما أخذ الاستعمار النفسي يشجع الحركات الانفصالية في الدول الإسلامية بزعم"حق تقرير المصير"مثلما حدث في تيمور الشرقية، ومثلما يخطط للصحراء الغربية في المغرب، ولفصل جنوب السودان، وتقسيم العراق، على حين يقوم بقمع أية حركة تحريرية تكون من قِبَل الأقاليم الإسلامية التابعة لدول غير إسلامية متجاهلًا حق تقرير المصير، رافعًا شعار:"سيادة الدول"وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما هو الحال في البوسنة والهرسك، وكوسوفا، وتركستان، والشيشان، وكشمير.
8 -استنزاف الطاقات: ورأى ضرورة استنزاف الطاقات العربية والإسلامية، وحرمان العالم العربي والإسلامي منها، ليسلم له أمره، ويسقط سريعًا أمام هجماته، ولكي لا تبقى لديه طاقات فكرية أو اقتصادية أو عسكرية وبشرية لتقاوم مخططات هذا الاستعمار، فعمد إلى تدمير الاقتصاد في ماليزيا وإندونيسيا، وضرب الحصار الاقتصادي حول العراق والسودان وليبيا وسوريا، وقام بسرقة المياه والاستيلاء عليها عنوة من الأردن وسوريا والعراق، ودبر الخطط لاستنزاف الطاقة النفطية، ويتآمر على تدني سعر برميل النفط، وحينما تتوحد الجهود لإجهاض هذه المؤامرة فإنه يُرغي ويُزْبد ويزأر من أجل زيادة الإنتاج ووقف ارتفاع الأسعار، وإلا فالويل والثبور لأية دولة تتسبب في ارتفاع سعر البرميل النفطي (1) ؛ وتلك آية التجبر!
ولم ينس بالطبع تفريغ الدول الإسلامية عامة والعربية خاصة من عقولها المفكرة والمبدعة، فوضع أمامها العراقيل، وفي المقابل لوَّح لها بالإغراءات في بلاده، فهاجرت لتسهم في فقر بلادها وتشييد صرح حضارته هو، وماذا تصنع أمة بلا عقول مفكرة أو مبدعة؟! أضف إلى ذلك ما فعله بالطاقات العسكرية، فأشعل فتيل الحرب بين الدول تارة، وهاجم بعضها عسكريًا تارة، فمن ثم سارعت هذه الدول إلى شراء أسلحته بكرائم أموالها، مما أثر على اقتصادها، وعوّق مسيرة النهضة الحضارية فيها.
أمة بلا شباب أمة بلا مستقبل:
أما طاقة الشباب أمل المستقبل، فقد حازت نصيبًا أكبر من جهوده متمثلة في نشر المخدرات وتزيين الانحراف الخلقي والعلاقات المحرمة؛ فأمة بلا شباب هي في الحقيقة أمة بلا مستقبل.
هذه أهم مخططات الاستعمار النفسي؛ إذ في جعبته الكثير؛ فذراعه طويلة، وخزائنه تكاد لا تنفد، وعزيمته لا تفتر، وقلبه لا يرحم، ومن العجيب أنه لا يمل ولا ييأس، لكن هيهات هيهات، فأمتنا أمامها الفرصة سانحة بما تملك من مقومات مادية ومعنوية إذا أرادت بإخلاص وثبات لترد غروره، وتقتل صلفه، وتحبط مخططاته، وتأمن بوائقه، والمهم التخطيط الجيد، والتذرع بالصبر والأمل والحذر، واليقين في نصر الله بعد تحقيق أسبابه.
(@) جامعة الإمارات العربية المتحدة.
(1) الموسوعة العربية العالمية: مادة (استعمار) ، 1-683. (2) البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته.
(3) بدأ مشروع (حرب الفضاء) فعليًا في مطلع سنة 1984م، وذلك بعد خطبة ألقاها الرئيس (رونالد ريجان) في 23 مارس عام 1983م. راجع: حرب الفضاء: دراسة تحليلية لأسلحة واستراتيجيات حرب الفضاء، تأليف: أقطاب العلماء الأمريكيين، ترجمة أ. د. محمد أسعد عبد الرؤوف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988م، ص 51، 52.
(1) كما حدث في الحرب الصليبية، وفي حروب التحرير من الاستعمار الغربي في القرن العشرين.
(2) القهر (لغة) : الغلبة والتغلب. انظر: لسان العرب، مادة (قهر) ، وبمعناه العام:"كل تأثير خارجي أو داخلي يعوق حرية الفرد". انظر: المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى، 1973م، 2-200، 201.
(3) انظر: مقال (الإعلام الغربي وتشويه حقائق الصراع) ، د. باسم خفاجي، مجلة البيان، العدد (126) ، ص 56.
(1) انظر: الإعلام العربي أمام التحديات المعاصرة، علي محمود العائدي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، سلسلة دراسات استراتيجية (35) ، أبو ظبي، طبعة أولى 1992م، ص 103.
(2) هذا ما أكدته الدكتورة عواطف عبد الرحمن في محاضرتها (الإعلام والعولمة في القرن الحادي والعشرين) التي ألقتها بجامعة عجمان، فرع العين بدولة الإمارات، بتاريخ 27-2-2000م، انظر: جريدة الاتحاد، الإمارات، العدد (9003) ، 28-2-2000م، ص 7.
(3) انظر: مقال (الإعلام الغربي وتشويه حقائق الصراع) ، مجلة البيان، العد (126) ، ص 56.
(4) انظر: مقال (الإعلام الغربي وتشويه حقائق الصراع) ، ص 58، 59.
(5) انظر: الإعلام العربي أمام التحديات المعاصرة، ص 17.
(6) تعد الدول العربية والإسلامية دولًا مستهلكة للإعلام ومستوردة لوسائل الاتصال ضمن مفهوم السوق. انظر: الإعلام العربي أمام التحديات المعاصرة، ص 79.
(7) انظر: محاضرة (الإعلام والعولمة في القرن الحادي والعشرين) ، جريدة الاتحاد، الإمارات، العدد (9003) ، ص 7.
(8) دليل الصحفي في العالم الثالث، ألبرت ل. هيستر، ترجمة: كمال عبد الرؤوف، الدار الدولية، 1988م، ص 67.
(1) انظر: محاضرة (الإعلام والعولمة في القرن الحادي والعشرين) .
(2) انظر: جريدة الاتحاد، الإمارات، العدد (9033) ، 29-3-2000، ص 13.
(3) جريدة الخليج، الإمارات، العدد (7628) ، 7-4-2000م، ص 4.