عن واقع الحياة ، بعيدًا عن الرسالة التي حملتها خير أمة أخرجت للناس .
يا أحفاد أبي بكر وعمر ، وعثمان وعلي وصلاح الدين إن (البطل) ليس
الذي يتقن اللهو الباطل واللغو الفارغ لتكون راية فريقه العليا ، ولكن البطل هو
الذي يعمل بالإسلام ، ويغيظ أعداء الله ، ويجاهد في سبيل الله لتبقى كلمة الله هي
العليا .
يا أصحاب بدر ، والقادسية ، وحطين ، والقسطنطينية ! القدس تستصرخكم ،
والأقصى يناديكم ، وإخوانكم في العقيدة مشردون في الأرض ، وحرمات الله تنتهك ، والفقر والجهل والمرض يخيم في أكثر بقاعكم ، وأنتم تستغيثون ربكم - بلا حياء- في ساحات اللهو: (يا رب - يا رب ) !
هلم نصنع المجد في المساجد ، ثم المدارس والجامعات ، والمعامل والمصانع
حتى نخرج من وهدة التخلف ، ونطهر بلادنا من وحل المعاصي ، ومستنقع الفن
العفن .
هيا نمضي إلى الهدف: (إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ) .
دوره في التغريب:
تطورت أساليب الغزو الفكري وتنوعت طرائقه ؛ ففي دراسة أجراها
اليونسكو تذكر:( إن إدخال وسائل إعلام جديدة وخاصة التلفزيون في المجتمعات
التقليدية أدى إلى زعزعة عادات ترجع إلى مئات السنين ، وممارسات حضارية
كرسها الزمن ) [26] .
وفي تعليقه على دخول البث المباشر إلى تونس قال الأستاذ فهمي هويدي:
( خرج الاستعمار من شوارع تونس عام 1956م ولكنه رجع إليها عام 1989م لم يرجع إلى الأسواق فقط ، ولكنه رجع ليشاركنا السكن في بيوتنا ، والخلوة في غرفنا ، والمبيت في أسِرَّة نومنا . رجع ليقضي على الدين واللغة والأخلاق ، كان يقيم بيننا بالكره ، ولكنه رجع لنستقبله بالحب والترحاب ، نتلذذ بمشاهدته ، والجلوس معه ، إنه الاستعمار الجديد لا كاستعمار الأرض وإنما استعمار القلوب ، إنه الخطر الذي يهدد الأجيال الحاضرة والقادمة ، يهدد الشباب والشابات والكهول والعفيفات ، والآباء والأمهات ) [27] .
إن أهداف البث المباشر الذي يجوس خلال ديار المسلمين نلخصها في النقاط الآتية:
1 -تسميم الآبار الفكرية التي يستقي منها شباب المسلمين ، وإضعاف
مناعتهم عن طريق تسويق القيم والسلوكيات الغربية لتذويب انتمائهم الإسلامي .
2 -تجميل الوجه القبيح للحضارة الغربية ، وإخفاء حقيقة هذه المجتمعات
التي وإن تقدمت في الحضارة المادية - فإنها انتكست بالإنسان إلى أحط من مستوى
القردة . يقول حمدي قنديل:( المعروف أن القردة هي التي تقلد الإنسان ، ولكن
إنسان العالم الثالث قد اختار أن يقلد قردة أوروبا ) [28] .
3 -القضاء على الأخلاق الإسلامية كالحياء والطهارة والعفة عن طريق نشر
الخنا والرذيلة وتزيين السلوك البهيمي للغربيين . ومن ثم لا يتعذر عليك جواب
التساؤلات الآتية:
-لماذا تحرص أمريكا وأوربا - وبخاصة فرنسا - على دعم البث المباشر
في بلاد المسلمين ؟
-ولماذا يقدمون هذه الخدمة المجانية وينفقون عليها من أموال شعوبهم
الراضية بذلك ؟
ففي الوقت الذي يشجع فيه الغرب البث المباشر إلى بلاد المسلمين تتعالى
صرخات مفكريهم وساستهم شفقًا من الغزو الأمريكي مع انتمائهم إلى ملة واحدة
وحضارة مادية واحدة ! [28] .
فهل آن الأوان أن يفر المسلمون من دجال العصر ، ويطهروا بيوتهم من هذا
الرجس والنجس ، ولا يُفْرِطُوا في الثقة بأنفسهم أنهم لن يتأثروا بفتنته ؛ فإن البطولة
ليست أن تتعرض للفتن وتثبت ؛ ولكن البطولة هي ألا تتعرض للفتن أصلًا .
آثار التلفاز الاجتماعية والنفسية على الأطفال:
إليك أقدم الآثار المرعبة على أطفالنا من جراء هذه الأجهزة الشيطانية:
1 -يحرم الطفل من التجربة الحياتية الفعلية التي تتطور من خلالها قدراته
إذا شغل بمتابعة التلفاز .
2 -( يحرم الطفل ممارسة اللعب الذي يعتبر ضروريًا للنمو الجسمي
والنفسي فضلًا عن حرمانه من المطالعة والحوار مع والديه ) [29] .
3 -التلفاز يعطل خيال الطفل لأنه يستسلم للمناظر والأفكار التي تقدم له دون
أن يشارك فيها ، فيغيب حسُّه النقدي وقدرته على التفكير [30] .
4 -يستفرغ طاقات الأطفال الهائلة وقدرتهم على الحفظ في حفظ أغاني
الإعلانات وترديد شعاراتها .
5 -يشبع التلفاز في النشء حب المغامرة ، كما ينمي المشاغبة والعدوانية
عن طريق محاكاة الممثلين ويزرع في نفوسهم التمرد على الكبار والتحرر من القيود
الأخلاقية [31] .
6 -يقوم التلفاز والفيديو وكذا البث المباشر - نافذة المجون والضياع -
بإثارة الغرائز البهيمية مبكرًا عند الأطفال ، وإيقاظ الدوافع الجنسية قبل النضوج
الطبيعي [32] مما ينتج أضرارًا عقلية ونفسية وجسدية .
7 -يدعو التلفاز وتوابعه النشء إلى الخمر والتدخين والإدمان ويلقنهم فنون
الغزل والعشق .
8 -للتلفاز دور خطير في إفساد اللغة العربية - لغة القرآن الكريم - وتدعيم
العجمة ، وإشاعة اللحن .
9 -تغيير أنماط الحياة - الإفراط في السهر ، فأفسد الدنيا والدين كما يرسخ
في الأذهان أن الراقصات والفنانات ونجوم الكرة أهم من العلماء والشيوخ والدعاة
والمبتكرين [33] .
ماذا يقول العقلاء والمنصفون ؟
إن أي عاقل يتفكر في أضرار هذه الأجهزة ومفاسدها لا يتردد في اتخاذ
القرار الحاسم بوضع حد لآثارها السلبية وعربدتها الشيطانية في البيوت .
فقد ناشد (هيلموت شميت ) مستشار ألمانيا الغربية السابق( الآباء والأمهات
أن يغلقوا أجهزة التلفزيون على الأقل يومًا واحدًا خلال الأسبوع ، وقد رفض رئيس
جمهورية فنزويلا أن يسمح بإدخال التلفزيون الملون إلى بلاده ، زاعمًا أنه سيكون
دافعًا جديدًا لزيادة الروح الاستهلاكية المحقونة ) [34] .
ذهب الكاتب الأمريكي ( جيري ماندر) في كتابه(أربع مناقشات لإلغاء
التلفزيون)الذي أودعه خلاصة تجربته في حقل الإعلام إلى القول: ( ربما لا
نستطيع أن نفعل أي شيء ضد الهندسة الوراثية والقنابل النيوترونية ، ولكننا
نستطيع أن نقول ( لا ) للتلفزيون ونستطيع أن نلقي بأجهزتنا في مقلب الزبالة ؛
حيث يجب أن تكون ، ولا يستطيع خبراء التلفزيون تغيير ما يمكن أن يخلفه الجهاز
من تأثيرات على مشاهديه ، هذه التأثيرات الواقعة على الجسد والعقل لا تنفصل
عن تجربة المشاهدة ) [35] .
وأضاف:( إنني لا أتخيل إلا عَالَمًا مليئًا بالفائدة عندما أتخيل عَالَمًا بدون
تلفزيون ، إن ما نفقده سيعوض عنه أكثر بواسطة احتكاك بشري أكبر ، وبعث جديد
للبحث والنشاط الذاتي ) [36] .
حكى الأستاذ مروان كجك أن صديقًا له زار أستاذه الجامعي في بيته وكان هذا
الأستاذ نصرانيًا ، فلاحظ الأخ أنه ليس لدى أستاذه تلفزيون فسأله عن سبب ذلك
فأجاب: ( أأنا مجنون حتى آتي إلى بيتي بمن يشاركني في تربية أبنائي ؟ ) [37] .
يقول الكاتب محمد عبد الله السمان مشيرًا إلى حلقة تلفزيونية استضيف فيها
بعض طلبة مدرسة معروفة للمتفوقين يقول الكاتب: ( كان المتوقع أن تكون الحلقة
إلى آخر دقيقة فيها من الحلقات الجادة التي يتلقى منها سائر الطلبة دروسًا في
التفوق . وسأل مقدم البرنامج الطلبة واحدًا واحدًا عن مثله الأعلى في الحياة ،
وكانت الإجابات مذهلة ؛ فالمثل الأعلى لدى الطلبة المتفوقين هم على الترتيب
ولست أدري أهو ترتيب تصاعدي أم تنازلي ؟: عبد الحليم حافظ ، بليغ حمدي ،
نزار قباني ، محمد عبد الوهاب ، أنيس منصور . قلت تعقيبًا على هذه الإجابات:
لم أكن أنتظر من هؤلاء المتفوقين أن يقولوا: إن مثلنا الأعلى هو أبو بكر أو عمر