فهرس الكتاب

الصفحة 1951 من 3028

الأول: أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب ، ومعرفة اصطلاحات أهله ، ما تيم له به النظر في الكتب وذلك يحصل بالطريق الأول ، ومن مشافهة العلماء أو مما هو راجع إليه ، وهو معنى قول من قال: كان العلم في صدور الرجال ، ثم انتقل إلى الكتب ومفاتحه بأيدي الرجال . والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئًا دون فتح العلماء وهو مشاهد معتاد والشوط الآخر: أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم ، فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين ..) (18) .

ثانيًا: المواقف المضادّة:

فإن لردود الأفعال دورًا واضحًا في ظهور الفكر الغالي والتكفير والإرجاء في هذا العصر .

فأما فكر التكفير فإنه ( يكاد معظم الذين حللوا ظاهرة الغلو لدى هذه الجماعات ، يتفقون على أن من أهم الأسباب التي دفعت بهؤلاء إلى اتخاذ هذا الموقف المتطرف: الحرب التي تعرّض لها أتباع هذه الجماعات وما نتج عنها من ردود فعل تجاه المجتمع حكامًا ومحكومين فإن من شباب الجماعات الإسلامية ، الذين كانوا يمثلون خيرة الشباب في المجتمع المصري بدلا من أن يجدوا العون لتحقيق آمالهم في حياة إسلامية كريمة لفقت ضدهم التهم زورًا وبهتانًا . ووجدوا أنفسهم في غياهب المعتقلات وأصبحوا نهبًا ليساط الجلادين وآلات التعذيب ، في الوقت الذي أطلقت فيه أيادي أعداء الإسلام يعملون بكل حرية لهدم قيم الإسلام وتعاليمه ) (19) .

بل ربما أخذت النساء رهائن ووضعن في السجون وعذبن حتى يعود الرجال الهاربون (20) .

ونتيجة لما سبق فقد شعر هؤلاء بأن من قام بهذا العمل البشع ، زيادة على تقصيره في تطبيق الشريعة ، وغيرها من أنواع المخالفات ؛ لا يمكن أن يكون مسلمًا وبذلك برز فكر التكفير قويًا لدى بعض الفئات .

وما وجد هذا الفكر تصدى له أهل العلم بالبيان ، إلا أن المواقف الانفعالية والمناقشات العقلية والمعارك الكلامية ولدت ردّة فعل مقابلة نتج عنها التوسع في استخدام شرط الاستحلال للتكفير ، حتى اشترطوا في أعمال الكفر الصريحة كإهانة المصحف وسب الرسول وإلغاء شريعة الله فقالوا لا يكفر فاعلها إلا إذا كان مستحلًا بقلبه ، وكل هذا بغرض التثبت في إطلاق الكفر! (21)

وحصروا الكفر بناء على ذلك في الجحود والاستحلال (22) .

وقد صرح من يعتقد ذلك بأنه فعله ( ردًا على الوالفين في تكفير المسلمين ، من الذين جعلوا مسألة تكفير الحكام من أصول مسائلهم الكبرى وفتنتهم العظمى ) ، و ( أن الحركيين الإسلاميين بالغوا في تكفير العصاة والمخالفين وبخاصّة حكام المسلمين ) (23) .

وهكذا كان لردود الأفعال دور في ظهور الغلو في كلا الجانبين المعقابلين .

ثالثًا: عدم القدرة على التعامل مع الوضع الراهن:

فإن في هذا المعصر من المشكلات ما لم يمدَّ على الأمّة مثله ، من هجر التحاكم لكتاب الله ، والإيغال في إيذاء الناصحين ، وتكالب الأسم ، والتصريح بعداوة الدين من بعض من ينتمي إليه ، وبأنه غير صالح للتطبيق ، كل ذلك على نحو غالب ، ولهذا يفارق ما مضى على الأمة فإنها وإن وجد فيها النقص والخطأ فإنه لم تشهده بشكل غالب إلا في العصر المتأخر .

وقد ترتب على ذلك احتياج الأمة إلى فقيه النفس القادر على التعامل مع هذه المشكلات وإبداء الحل الشرعي لها الذي لا يحاول تسويغ الواقع على حساب الدين ، ولا يغيّب نفسه عن تأمل ودراسة واقع الأمة والمجتمع .

وبدلًا من أن يخرج الفقيه المتمكن من الاجتهاد في نوازل العصر ، فقد شهد القرنان الماضيان وما قبلهما سدًا لباب الاجتهاد ، ومنعًا منه ، بل صار القول بالاجتهاد من الكبائر ، بل ربما وصل حد الكفر ولقد كان من التهم الموجهة من خصوم الدعوة السلفية إلى علمائها دعوى الاجتهاد ! (24)

وفي محاولة التعامل مع الواقع - في ظل غياب الفقهاء المتمكنين - برز الاتجاهان اتجاه لم يستطع التعامل مع الأخطاء فدعا إلى عزلة الناس ومفاصلة المجتمع الجاهلي بمؤسساته ونظمه ، وحكم على المجتمعات بالكفر لرضاهم بالكفر وعدم قيامهم ( بالحد الأدنى من الإسلام ) (25) .

واتجاه آخر سوغ الواقع بكل أشكاله وقرر أن من تكلم بالشهادتين فهو من أهل الإسلام ، ولو فعل ما فعل من ضروب الكفر والشرك حتى نعلم أنّه في قلبه جاحدًا أو مستحل .

والحقيقة أن من أيقن بالإسلام وصدق به عالمٌ لا محالة أنه بقواعدْ العامة ، وكلياته حالٌ لكل وضع ، شاف لكل عيي ، ومن أتقن أصوله وفهم مقاصده لن يعجزه أن يجد لكل نازلة من النوازل من الشرع حكمًا وحلًا إذا صدق النية ورزق التوفيق .

رابعًا: المقاصد السقيمة لأدعياء العلم:

ومن أبرز هذه المقاصد والتي دفعت إلى ظهور هذين الاتجاهين ، التعصب للمشايخ ، ومحاولة تسويغ الواقع ، وعدم الرجوع للحق بعد تبينه . والجامع لكل ذلك أنه اتباعٌ للهوى .

واتباع الهوى اعتقادٌ يتبعه استدلال ويتلوه تحريف لكل دليل مخالف ، بعكس أهل الحق الذين يتبعون الأدلة ثم ينقادون لها فيعتقدون بعدما يستدلون .

قال ابن تيمية: ( إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف صار أهل التفريق والاختلاف شيعًا ، صار هؤلاء عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان ، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم ، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن واحتجوا به ، وما خالفها تأولوه .. والمقصود أن كثيرًا من المتأخرين لم يصيروا يعتمدون في دينهم لا على القرآن ولا على الإيمان الذي جاء به الرسول ، بخلاف السلف فلهذا كان السلف أكمل علمًا وإيمانًا وخطؤهم أخف وصوابهم أكثر كما قَدّمناه ) (26) .

وقد يزيد من قوة تأثير هذا السبب أن يعرض العلماء ( الربانيون ) عن إيضاح الحق وبيان الموقف الصحيح لأي عذر .

خامسًا: عدم رد المتشابه للمحكم:

فقد أخبر الله تعالى أن آياته المتشابه ومنه المحكم وبيّن سبيل مرضى القلوب من أبتاع المتشابه وعدم رده للمحكم وفي المقابل يكون سبيل الراسخين في العلم رد المتشابه إلى المحكم .

والمتشابه هو غير واضح الدلالة مما له تصريف وتأويل فيمكن حمله على المعنى الفاسد من حيث لفظه وتركيبه (27) . قال تعالى: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخرُ متشابهات فأما الذين في قلوبهم مرض فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } [ سورة آل عمران: 7 ] .

والواقع في من يتبنى مناهج مخالفة لهدي السلف أنّه يعمد إلى نص فيجعله عمدته وكأنه لا معارض له ، كيف وقد عَارَضَهُ ما هو أرجح منه ، أو يجعل ما ورد في مسألة مخصوصة هو القاعدة العامَّة دون العكس .

وبعد ! فما سبق وقفات يسيرة في هذا الموضوع الذي يستحق أن يتوسع فيه أكثر والله الموفق لا إله إلا هو .

(1) ما بين القوسين تضمين من مجموع الفتاوى [ 10/368 ] . والحسكة: الشوكة .

(2) تضمين من زاد المعاد ( 4/8 ) .

(3) صحيح البخاري ( 6133 ) ؛ صحيح مسلم ( 2998 ) . عن أبي هريرة رضي الله عنه .

(4) الاعتصام ( 2/164 ) .

(5) انظر: تفصيل هذا المعنى في تفسير ابن كثير ( 2/466 ) ؛ مجموع الفتاوى ( 4/236 ) ؛ الاعتصام ( 2/170 ) .

(6) انظر: بحثًا مستفيضًا عن حركة الإباضية وأماكن انتشارها في العالم الإسلامي وشيئًا من أبرز آرائها في كتاب دراسة عن الفرق وتاريخ المسلمين . د. أحمد محمد جلي ص 90 وما بعدها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت