وإن الناظر في هذين الفكرين المتضادين - فكر الإرجاء وفكر التكفير المعاصرين - والباحث في عوامل نشأتها وظهورها لابد أن يعيدها جميعًا إلى سببين أصليين ذكرهما الشاطبي فقال: ( .. الاختلاف الحاصل بين الأمة له سببان .. أحدهما لا كسب للعباد فيه ، وهو الراجع إلى سابق القدر ، والآخر هو الكسبي ، وهو المقصود بالكلام ) (4) .
فأما القدر فإن الله تعالى أراد - لحكمة عظيمة - أن لا يكون الناس كلهم أمة واحدة ، بل منهم الشقي والسعيد ؛ كما قال تعالى: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } [ سورة هود: 118 ، 119 ] . فأتباع الرسول الأمين هز المرحومون وهم الفرقة الناجية ، ومن سواهم فهو من أهل الوعيد على اختلاف درجاتهم (5) .
أما الأسباب الكسبيّة فهي التي ستكون موضع تناولنا في هذه الأكتوبة الموجزة بعد إيضاح مقدمتين:
المقدمة الأولى: الأفكار لا تموت! .
إن أية فكرة تطرأ على المجتمع فإنها تبقى مهما شاخت وأصابا الهرم ، وهذا مما لا ينكر ، فإن الناظر في التاريخ الإسلامي ومذاهبه يجد أن التيارات الفكريّة ، تقوى حينًا وتستفحل ، وتخبو حينًا وتضعف ، ولكن لا تموت بل تبقى ضعيفة حتى تجد من يثيرها ، وهكذا فإن أي مذهب وجد في تاريخ الأمة فإنه لا يستغرب أن يظهر إذا وجد من يتبناه ، سواء كانن ظهورًا تامًا أو ناقصًا وسواء ظهر بصورته الأولى أو بصورةٍ مختلفة .
والاتجاه التكفيري والإخراج من الإيمان بفعل الكبائر اتجاه له وجود في التاريخ الإسلامي في مذهبي الخوارج والمعتزلة ، وهو اتجاه بقي وإن كان على ضعف إلى هذا العَصْر (6) .
كما أن مذهب الشيعة يعتمد على تكفير الغالي ممثلًا في تكفير الصحابة رضي الله عنهم (7) ، وهذا الفكر موجود في الأمة بقوّة في أماكن مختلفة يمثله طوائف متعددة
وكما أن التكفير موجود ، فالإرجاء أمره أظهر وأبين فإنه انتشر في الأمة في العصور المتأخرة انتشارًا قويًا ، وحسبك أن تعلم أن الأشاعرة والماتريديّة يتبنون هذا الفكر (8) ، لتعلم بعد ذلك كم من المعاهد الإسلامية الكبرى قد تبنَّت هذا الاتجاه .
المقدمة الثانية: تغيير الظاهر لا يغير الباطن .
فإن من المعول عليه أن العبرة بحقائق الأشياء ومعانيها وليس بصورها ومبانيها ، ولذا كان مما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيشرب ناسٌ من أمته الخمر يسمونها بغير اسمه (9) .
وهذا العصر شهد ظهورًا للتكفير والإرجاء وقد ألبس ثياب منهج السلف ؛ فنسب إليه واستدل بأقوالهم على إثباته وادعى بأنه هو اعتقاد الفرقة الناجية وربما ترك من الاتجاه أفكارًا معينة لتبرأ ساحة معتقده إذ لا يوافقهم في هاتيك الأفكار .
مع أنه لا يلزم عند نسبة طائفة إلى اتجاه عقدي أن تتلاقى جميع الأفكار بينهما بل العبرة في الاتفاق في أساس الاتجاه ولذا لما عدد العلماء الفرق المبتدعة ردوها إلى فرقٍ أمات لها مع التفاوت بينها في الآراء .
وما ذكر أبو الحسن الأشعري المرجئة ذكر اختلافهم في الإيمان على اثنتي عشرة فرقة (10) . وكذلك لما شرع في مقالات الخوارج ذكر جماع رأيهم ثم اختلافهم بعد ذلك وتكفير بعضهم لبعض (11) !
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: ( ... لأن هؤلاء وأمثالهم لم يكونوا خبيرين بكلام السلف بل ينصرون ما يظهر من أقوالهم بما تلقوه عن المتكلمين من الجهميّة ونحوهم من أهل البدع فيبقى الظاهر قول السلف والباطن قول الجمهيّة الذين هم أفسد الناس مقالة في الإيمان ) (12) .
عوامل النشأة والظهور:
أوّلًا: عدم التلقي عن أهل العلم الأثبات:
فبسبب انتشار التعليم وفشو الكتابة في هذا الزمن كثر التلقي والأخذ من كتب العلم مباشرة دون مشافهة العلماء وترتب على ذلك خطأ كثير . كعدم فهم المصطلحات الشرعية على الوجه المطلوب وعدم تحرير مسائل النزاع ، وعدم التنبه لما في بعض الآراء من غلط .
وهذه المفاسد وغيرها جعلت السلف يمنعون من تلقي العلم ممن كانت وسيلته التي استفاد بها العلم هي التلقي من الكتب كما قال أبو زرعة: ( لا يفتي الناس صُحُفي ) (13) ولعلي أشير إلى مسألتين أجعلهما مثالًا لما يترتب على الأخذ عن الكتب من سوء الفهم ،
المسألة الأولى: عدم فهم الفرق بين تولي الكافر الذي هو ناقض من نواقض الإسلام وبين موالاة الكافر الذي هو معصية فقط .
والذي ترتب عليه التكفير بعموم حصول المخالفة مع احتمال أن يكون الفعل الظاهر هو المعصية وليس الكفر . ومثال ذلك فعل حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنه لما كاتب قريشًا بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة فهذا من موالاة الكفار ، ويحتمل أن يكون موالاة لغرض من أغراض الدنيا ( وهو حفظ أهله وماله بمكة ) كما يحتمل أن يكون مواليًا لهم في دينهم ولذا سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن فعله فقال: ( إني كنت امرءًا من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة ، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يدًا يحمون قرابتي وما فعلت ذلك كفرًا ) (14) . وبذلك عرف أن فعله معصية ليست كفرًا ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه ( إنه شهد بدرًا ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم ) . ولو كان كفرًا لحبط عمله وما نفعه حضوره بدرً (15) كما قال تعالى: { لإن أشركت ليحبطن عملك } [ سورة الزمر: 65 ] .
فلما غفل من قرأ كلام أهل العلم عن التفريق بين ما يكون كفرًا ولا يكون كذلك وقع الغلط في هذا الباب .
المسألة الثانية: عدم معرفة المراد بأهل السنة والجماعة فإنّ هذا المصطلح يطلق بإزاء اعتقاد سلف هذه الأمة الأشاعرة والماتريدية على عقيدتهم ، كما أنهم يطلقون على مذهبهم مذهب السلف . فمثلًا في شرح القاري على منظومة بدء الأمالي - وهي في اعتقاد الأشاعرة - قال: ( ليست العبادات المفروضة محسوبة من الإيمان ولا داخلة في أجزائه .. وهذا ما عليه أكابر العلماء كأبي حنيفة وأصحابه وجمهور الأشاعرة ومذهب مالك والشافعي والأوزاعي وهو المنقول عن السلف وكثير من المتكلمين ونقله في شرح المقاصد عن جميع المحدثين .. ولا ينتفي الإيمان بانتفائها ) (16) .
وقال ابن حجر في تعريفه للإيمان: ( فالسلف قالوا هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان وأراد بذلك أن الأعمال شرطٌ في كماله .. والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد . والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته والسلف جعلوها شرطًا في كماله ) (17) .
وفي كل ما سبق عدم تحرير لمسائل الاعتقاد على نهج السلف ، بل هو على طريقة المرجئة من تأخير العمل عن الإيمان ، ومع ذلك فقد نسب للسلف .
وهو إما عدم فهم لمرادهم ، أو استعمال لهذا المصطلح في معنى آخر . وهو على كُلٍّ مثال لما في الأخذ من الكتب من إشكاليّة سببّت الخلط في باب الإيمان .
قال الشاطبي: ( وإذا ثبت أنه لابد من أخذ العلم عن أهله ؛ فلذلك طريقان:
أحدهما: المشافهة ، وهي أنفع الطريقين وأسلمهما ؛ للخاصيّة التي جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم ، يشهدها كل من زاول العلم والعلماء ؛ فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب ، ويحفظها ويردها على قلبه فلا يفهمهما ، فإذا ألقاها إليه المتعلِّم فهمها بغتة ..
الطريق الثاني: مطالعة كتب المصنفين وهو أيضًا نافع بشرطين: