وكان العرب في الجاهلية يتبرمون إذا بشر أحدهم بالأنثى { وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِالاْنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى التُّرَابِ أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ } .
وكانوا من بغضهم للمرأة كانوا يئدون البنت وهي حية يحفرون لها حفرة ويدفنونها وهي حية .
ولكن عندما أنار الإسلام الأرض وما عليها من عقول وقلوب رفع من نظرة المجتمع إلى المرأة، وقرر وأكد جانبًا طالما كان غائبًا مجهولًا في علاقات الجنسين ، فقرر أنها ليست مجرد إشباع لغريزة الجسد ، إنما هي اتصال بين طاقتين من نفس واحدة بينهما مودة ورحمة ، وفي اتصالهما سكن وراحة ، ولهذا الاتصال هدف مرتبط بإرادة الله في خلق الإنسان وعمارة الأرض وخلافة هذا الإنسان فيها بسنة الله في خلق منهجه وشرعه ، ومن ثم عني الإسلام بالمرأة لأنها الأساس لبناء المجتمع الإسلامي ، وعدّها الحصن الذي تنشأ فيه الأجيال وتدرج ، فوفر لها الضمانات اللازمة لحماية ذلك الحصن وصيانته وتطهيره من كل ما يلوثه أو يدنسه .
جاء الإسلام فأعطى المرأة حقوقها كاملة { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .
فلها من الحقوق مثل ما للرجال عدا ما اقتضته الفروق بين الجنسين.
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم الأمة بالمرأة:"استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن أردت أن تقيمه كسرته وإن تركته لا يزال أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا"أخرجه البخاري ومسلم.
وجعل الإسلام المرأة الصالحة خير متاع في الدنيا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة". أخرجه الإمام مسلم.
وجعل صلى الله عليه وسلم إحسان عشرة المرأة ميزانًا لمعرفة خيار الرجال من شرارهم فقال:"إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، وخياركم خياركم لنسائكم".
ما هو واجب المسلمة حتى لا تذوب شخصيتها وتفقد حقوقها أمام الخطر الدَّاهم الذي يزحف ليقضي على حقوقها وشخصيتها وكرامتها؟.
بِمقدور أي امرأة مسلمة بناء شخصيتها بناءً إسلاميًا مراعية ما يلي:
ـــ الحرص على طلب العلم الشرعي وتطبيقه عقيدة وأخلاقًا وعبادات .
ــ أن تكون على قدر الحدث في أمتها تعين زوجها في بيته وفي دعوته وفي تربية أبنائه، ترضى بالقضاء وتصبر على البلاء.
ــ أن تحافظ على ستر وحشمتها وأن تقر في بيتها وأن تتحصن ضد إغراءات الجاهلية .
ــ الصبر والثبات على الحق والتمسك به بقوة رغم حملات الشهوات والشبهات التي تستهدفها . فلا تتشبه بالكافرات ولا بالرجال .
قال صلى الله عليه وسلم:"إن من ورائكم أيام الصبر -وفي رواية: زمان الصبر-، للمتمسك فيهنّ يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم".وفي رواية:"للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدًا منكم". حديث صحيح رواه الطبراني في ( الكبير) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
ــ الحرص على قضاء الوقت فيما ينفع، قال الله تعالى { والْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ امَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ } . وقال صلى الله عليه وسلم:"لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم". حديث حسن رواه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه .
على هذه الأمور مدار الحياة ثم عنها نُسأل.
فلتشغل المسلمة وقتها بالذكر والعبادة والعلم والتعليم ومجالسة الصالحات وغرس مبادئ الدين في الأبناء بالحكمة والموعظة الحسنة والقدوة الصالحة ليحملوا أمانة هذا الدين لمن خلفهم .
وما أحراها أن تقتدي بنساء الصدر الأول للإسلام اللاتي بَذَلْنَ أروع الأمثلة في التضحية والفداء والثبات على الحق .
خديجة رضي الله عنها شدَّت من عزم النبي صلى الله عليه وسلم عندما رجع خائفًا مضطربًا مما جرى في غار حراء مع جبريل عليه السلام، فأخبرها كيف غطَّه ثلاث مرات آمرًا إياه أن يقرأ، وأخبرها بالقرآن الذي سمعه منه، وعندما أخبرها أنه خشي على نفسه قالت له بكل ثقة: (كلا والله ما يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتَقري الضيف وتُعين على نوائب الدهر) ، فكانت كلماتها بردًا وسلامًا على قلب النبي صلى الله عليه وسلم فهدأ وسكن رَوْعُه، ثم واست النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بمالها ونفسها وهيأت له البيت المريح الذي يجد فيه السكينة بعد المشقة والأذى الَّلذَيْن كان يجدهما من دعوة المشركين، فكانت خير معين على نشر الإسلام .
ومناقبها كثيرة وعظيمة، فهي المرأة الوحيدة التي ما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عليها حتى ماتت، وهي التي رزقه الله منها الولد، وهي التي بشرها الله بالجنة كما قال صلى الله عليه وسلم:"أتاني جبريل فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك ومعها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي قد أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيها ولا نصب".
لذا قالت عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي رواه مسلم:"ما غِرْتُ للنبي صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما غِرْتُ على خديجة لكثرة ذكره إياها، وما رأيتها قط ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَبَحَ الشّاةَ يَقُولُ:"أَرْسِلُوا بِهَا إِلَىَ أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ"قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"إِنّي قَدْ رُزِقْتُ حُبّها"، واسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، أُخْتُ خَدِيجَةَ، عَلَىَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاحَ لِذَلِكَ. فَقَالَ:"اللّهُمّ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"فَغِرْتُ فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءَ الشّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ اللّهُ خَيْرًا مِنْهَا. زاد الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أبدلني الله خيرًا منها؟! قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد النساء"."
وأم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها ، قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم:"أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا".رواه مسلم .
والمقصود بطول اليد: كثرة مدها بالعطاء للفقراء ، فقد كانت رضي الله عنها تعمل بيدها وتتصدق على الفقراء . تقول عنها عائشة رضي الله عنها: ( ولم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب بنت جحش ، وأتقى لله وأصدق حديثًا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تتصدق به وتتقرب به لله تعالى) . رواه مسلم.
وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: تضحي بنطاقها وتشقه نصفين وهو أغلى وأثمن ما تملك رضي الله عنها تقول: ( صنعت سفره للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه حين أراد المدينة فقلت لأبي: ما أجد شيئًا أربطه إلا نطاقي قال: فشقيه ففعلت فسُمَّيت ذات النطاقين) .رواه البخاري .
والشفاء بنت عبدالله رضي الله عنها ، كانت تقوم بتعليم نساء النبي صلى الله عليه وسلم ــ خاصة حفصة رضي الله عنها ــ القراءة والكتابة .