هناك في هذا الإقليم نفطًا يقارب في كميته ما هو موجود في المملكة العربية السعودية وفي هذا الإقليم من المقومات الإستراتيجية الأخرى التي يتمتع بها والذي من شأنه أن يستوعب كل نشاط إيران وهناك مدرسة من المفكرين الاستراتيجيين الإيرانيين -من ضمنها عباس مَلَكي- يؤمنون بأن على إيران الاستدارة شرقًا لأنها أكثر قبولًا هناك ولأن مصالح كبيرة للغاية في هذا الإقليم.
وفي هذا الإطار من التفكير وبعيدًا عن الجلبة الإعلامية الموظفًة للاستهلاك المحلي ترى الأوساط الرسمية في إيران إن التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في كل المنطقة خط أحمر لا ينبغي المساس به وما نشاهده من تحالف إيراني أمريكي في العراق هو محصول سياسي لهذا التفكير الاستراتيجي. لقد تمكن الأمريكان من خلال التعاون مع الإيرانيين في العراق من توظيف الشيعة في العراق لضرب المقاومة السنية العربية للاحتلال الأمريكي للعراق. وتغاضى الأمريكان مقابل ذلك عن الاختراقات الإيرانية للأمن العراقي لا بل شجعت الإدارة الأمريكية شيعة العراق على المبادرة في السيطرة على العملية السياسية وقدمُت لهم كل دعم لوجستي في الانتخابات المتكررة هناك وكانت القوات الأمريكية تحاصر المناطق السنية العربية وتشاغلها وتفتعل المواجهات خاصة في فترة الانتخابات وذلك لتعطيل مشاركة تلك المناطق في العملية السياسية عكس ما يعلن.
رؤية الأمريكان للتعاون مع إيران:
يستهدف الأمريكان تحقيق ثلاثة أهداف في الخليج العربي والجزيرة العربية:
أولها الدفاع عن النفط ووصوله إلى الأسواق الغربية بالأسعار المقبولة غربيًا.
ثانيًا تهيئة الإقليم والمنطقة لقبول الكيان الصهيوني من خلال عملية سياسية كبيرة ومستمرة برعاية الولايات المتحدة.
ثالثًا نزع كل أسلحة الدمار الشاملWMD لدى العرب والإيرانيين وتشجيع الجميع في الإقليم للانخراط في اقتصاد ـ السوق.
ومن دون شك فإن تعاون الأمريكان مع إيران يساعد الأمريكان على تحقيق هذه الأهداف، ومعاداة إيران قد يعقِّد الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف. وبالرغم من الجلبة الإعلامية بين الطرفين إلا أنهما -في العراق- أدركا حاجة كل طرف إلى الآخر فظهرت إلى السطح كل مؤشرات التحالف والتنسيق بينهما. هذا من جهة.
من جهة أخرى تروج في الأوساط الفكرية والإستراتيجية الأمريكية أن تعاون إيران هذا سيقودها في النهاية لأن تطوقها القوات الأمريكية من كل جانب (أفغانستان من الشرق والعراق من الغرب والجمهوريات الإسلامية من الشمال والجزيرة العربية من الجنوب) حيث يوجد في كل هذه المناطق كثافة عسكرية أمريكية وقواعد عسكرية أمريكية لتصبح إيران مثل الفص الذي يسهل عصره وإملاء التغييرات عليه). ويبدو أن بعض الإيرانيين في مركز الدراسات السياسية والدولية (دفتر مطالعات سياسي وبين المللي) النادي الدبلوماسي سابقًا والملحق بوزارة الخارجية الإيرانية (وزارة أمور خارجي) بدأ يحذر من التمادي بالتعاون مع الأمريكان في العراق.
يتمحور المشروع الأمريكي العالمي حول فكرة (توحيد العالم من خلال توحيد السوق) طبعًا هذا التوحيد سيعني مضاعفة الاستقطاب العالمي وتغذية النزاعات الخفيفة المحدودة LOW INTENSITY CONFLICTS لكن من المهم أن نعلم أن هذا لا يتم في الخليج والجزيرة والعراق إلا عبر بوابة واسعة من القبول وبالأخص القبول الإيراني فكان لابد أن تقدم الولايات المتحدة بعض الاستدراجات لإيران في العراق والتغاضي عن الاختراقات الإيرانية في العراق، إن ثلاثة من كبار العقول الإستراتيجية الأمريكية لطالما كتبوا الكتب والمقالات التي تدعو الإدارة الأمريكية لضرورة التفاهم والتعاون مع إيران ومن أبرزهم بريجنسكي (عمل مساعدًا للرئيس الأمريكي كارتر لشؤون الأمن القومي 1977 - 1980) ، وسكوكروفت (عمل مساعدًا للرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي للفترة من 1989 - 1993) وميرفي فيشغل حاليًا إختصاصيًا في مجلس العلاقات الخارجية ولهؤلاء الثلاثة (Breginski, Scowcroft, Murphy) مقالة مشتركة نشروها في مجلة شؤون خارجية foreign affairs ذائعة الصيت يدعون فيها للتعاون مع إيران في المنطقة وها نحن نرى نتيجة دعوتهم في العراق المحتل اليوم.
أهل السُّنة العرب في العراق: ضاعوا بين الفيلين.
ضاع أهل السنة والجماعة في العراق بين الفيل الأمريكي والفيل الإيراني وما يعانونه اليوم من ذبح وتشريد وتهميش وإقصاء من طرف التحالف الأمريكي الإيراني في العراق هو نتيجة متوقعة لتفرقهم وتشتتهم وتخلفهم السياسي الذي لا يعترفون به هذا من جهة وضخامة الإمكانيات الهائلة التي يتسلح بها الأمريكان والإيرانيين من جهة أخرى وهو أمر يتطلب تدخل طرف ثالث لديه إمكانيات وثقل سياسي إقليمي ودولي لإحداث شيء من التوازن على المشهد العراقي ولا تتوفر هذه الخصائص في طرف كما تتوفر في المملكة العربية السعودية الحاضنة التاريخية لأهل السنة والجماعة في المنطقة. لقد قامت الدولة السعودية الأولى والثاني والثالثة على أساس ذلك ولذا فهي مطالبة -وفورًا- أن تغشى العراق وتحدث التوازن المطلوب هناك قبل أن يفيض الكأس ويندلق علينا في الجزيرة العربية وفي بلاد الحرمين تحديدًا وعندها تتعقد كثير من الأمور ولا يعود العلاج ممكنًا. إن تردد المملكة العربية السعودية في المبادرة هذه سيعقد دورها في المستقبل ويصعبه وهذا التردد يشجع إيران على تطوير دورها في العراق وترسيخه واستثماره للضغط على المملكة العربية السعودية ومعها منظومة التعاون الخليجي. المطلوب أن تعيد المملكة العربية السعودية قراءة المشهد العراقي وترسم لنفسها دورًا يستهدف المباشرة في تحقيق التوازن المطلوب بين الشيعة (المدعومون بقوة من إيران) والسنة الذين يفتقرون إلى الدعم من أي جهة كانت. ليست هذه دعوة (لصب مزيد من الزيت على الحرب الطائفية) التي أشعلت أوارها إيران في العراق لكنها دعوة لتحقيق السِّلم الأهلي من خلال إحداث التوازن الميداني الذي قد يتمكن من إعاقة التوجيه الإيراني في العراق.