فهرس الكتاب

الصفحة 1904 من 3028

من يقرأ هذه الوثيقة يدرك تماما أن مشروع المحافظين الجدد الذي نضج في تلك الفترة وقبل 11/9/2001 كان يروم منذ ذلك التاريخ 1995 الشروع في الهجوم التاريخي على حقول النفط في الشرق الأوسط ووضع اليد عليها وبذا مراكمة النفوذ الدولي الأميركي للتحكم الاستراتيجي بالكتلة الأوروبية واليابان والصين وهذه الأخيرة يعتبرها الأمريكان كابوسا مزعجا يهدد في نموه وحجمه وطاقته وقابلياته نفوذ الولايات المتحدة على مستوى الكون (يعتبر مايكل كلير Michael Clare في كتابه الأخير-حروب الخامات Resource Wars- النفط والاستيلاء على حقوله مدخلا عظيمًا لمراكمة النفوذ الدولي) هذا من جهة ومن جهة أخرى سنلاحظ أن معظم الموقعين والمساهمين في صياغة نص وثيقة (القرن الأميركي الجديد The New American Century) أمثال ولفووفيتز وبيرل وغيرهم كانوا من اليهود أو من الصهاينة المسيحيين Christian Zionists المنشغلين بتأمين الأمن القومي للكيان الصهيوني.

إذن كان هدف المشروع المضمّن في هذه الوثيقة هو لتحقيق غرضين:

1-وضع اليد على حقول النفط في الشرق الأوسط.

2-ضمان الأمن القومي للكيان الصهيوني.

ولكي يحقق المحافظون الجدد هذين الهدفين كان لا بد من تحرك عسكري مباشر -في غياب المنافس والنقيض الدولي الذي كان يتمثل بالاتحاد السوفيتي- لاحتلال شريط النفط في الشرق الأوسط وصياغة الوضع الاستراتيجي فيه لتأمين الكيان الصهيوني وتعويمه في المنطقة عبر عملية معقدة من الضغوط على العرب عموما وعلى الفلسطينيين خصوصا سمّوها بـ عملية السلام (Peace Process) وهي عملية ولغ فيها السادات بزيارته المشئومة للكيان الصهيوني ودخل إليها عرفات وفريقه من شباك أوسلو ولم تجن الأمة من ذلك سوى الخذلان والتشرذم والتفرق والهوان، وها نحن نلاحظ أن الأمريكان حريصون على (العملية Process) لكنهم غير معنيين بمحصولها المرتجى (السلام Peace) وكأن العملية ما هي إلا وسيلة لإشغال العرب والفلسطينيين واستنفاذ طاقتهما كما أوصى بذلك يحوشغات هركابي Harkabi في كتابه الخطير (العقل العربي The Arab Mind) علما بأن هركابي كان يرأس كل أجهزة المخابرات الصهيونية الشين بيت Shin-Bet،والموساد Mossad وأمان Aman (المنسِّق العام(General Auditor) .

التعاون الأميركي ـ الإيراني:

دون شك كانت ضربة 11 سبتمبر 2001 في مانهاتن- نيويورك منشطا ومحركا قويا لبلورة المناخ السياسي والسيكولوجي والدولي للشروع مباشرة في التحرك العسكري نحو الشرق الأوسط لاستهداف طالبان بحجة إيوائها لتنظيم القاعدة المتهمة بضربة مانهاتن وكذلك استهداف نظام صدام حسين المتهم باتهامات شتى من أهمها بالنسبة للمحافظين الجدد حرص ذلك النظام على التسلح بأسلحة الدمار الشامل وبكافة أنواعها Weapons of Mass Destruction (سوف نشير لها لاحقا في هذه الورقة بـ WMD) ولتحقيق هذه الاستهدافات كانت الإدارة الأميركية بحاجة إلى تأمين التعاون الإيراني وهو تعاون حصلت عليه الإدارة الأميركية من إيران بدون صعوبة تذكر، لا بل إن إيران -وعلى لسان وزير دفاعها آنذاك شامخاني- رحبت بهذا التعاون أيّما ترحيب وفتحت مجالها الجوي لفترة تزيد عن الشهرين لطائرات B52 العملاقة التي انطلقت من قاعدة إنجرليك التركية وعبرت المجال الجوي الإيراني لقصف أفغانستان وتورابورا تحديدا لفترة طالت أكثر من ثلاثة أسابيع.

أدرك الأمريكان بعد سقوط طالبان وتشتيت تنظيم القاعدة أن إيران -بالرغم من كل الجلبة عن الشيطان الأكبر- لديها قابليات كبيرة للتعاون معه في بعض المهمات الإستراتيجية المجدولة في برنامج إدارة المحافظين الجدد برئاسة بوش، ولذا حرص الأمريكان على اطلاع إيران والتنسيق معها في غزو بغداد والطلب من إيران عشية الغزو تحريك الميليشيات الشيعية التي دربها الحرس الثوري الإيراني -ومن أهمها منظمة بدر (25ألف مقاتل) - وذلك للسيطرة على الأراضي العراقية في الجنوب فور أن يعبرها الجيش الأميركي الزاحف إلى بغداد أبريل 2003 من الأراضي الكويتية والسعودية. أما على الصعيد السياسي والإعلامي فقد أبدى الزعماء الشيعة العراقيين الذين دخلوا مع القوات الأميركية (موفق الربيعي-الجعفري-المالكي-الجلبي كمثال) كل التأييد للقوات الأميركية وكل التأييد للتعاون الأمريكي الإيراني أما على صعيد المرجعية في النجف فقد أصدر السيستاني (وهو بالمناسبة إيراني الجنسية من مدينة سيستان - إيران ويحمل جواز سفر إيراني) فتواه الشهيرة بتحريم مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق أي جعل المقاومة عملا محرما وفي هذا أعلى مستوى من مستويات التعاون مع الاحتلال الأميركي للعراق وهو غير بعيد من التوجيه الإيراني الذي وجد مصلحة كبيرة في احتلال الأمريكان للعراق إذ يرى الإيرانيون أن التعاون مع أمريكا مكنهم من القضاء على طالبان في الشرق وصدام في الغرب.

رؤية إيران للتعاون مع الولايات المتحدة:

يرى عباس ملكي (وكيل وزارة الخارجية الإيرانية سابقا لشؤون البحث والتدريب السياسي) أن السياسة الخارجية الإيرانية مشغولة على ثلاثة مستويات:المستوى الأول ضمان طريق النفط عبر مضيق هرمز والمستوى الثاني تهيئة جميع السبل لدعم التنمية داخل إيران والمستوى الثالث الاستدارة شرقا نحو الجمهوريات الإسلامية الجديدة الوليدة لضخامة المصالح هناك وكل هذه المستويات لا يمكن تحقيق درجة الإتقان فيها إلا بالتعاون مع الولايات المتحدة نظرا لأن الأخيرة هي القوة النافذة في هذا الإقليم (غرب آسيا) أكثر من 90% من المداخيل العامة في إيران مستخلصة من مبيعات النفط وكل الخطط الحكومية هناك في التنمية تعتمد في نجاحها على مبيعات النفط وليس هناك مخرج للنفط الإيراني اليوم إلا عبر مضيق هرمز لذلك فأمن المضيق هو أمن لإيران وأي مشكلة في المضيق ممكن أن تنعكس فورًا على الأمن الإيراني. من هنا تبدو إيران شديدة الحساسية في موضوع هرمز وشديدة الاهتمام في تبليغ حساسيتها تلك لكل الأطراف في المشهد الخليجي: والذي يشكل الأمريكان الطرف الأهم فيه. وأما التنمية داخل إيران فهي مرتبطة دون شك باستقرار سوق النفط المربوط بدوره باستقرار إقليم الخليج والجزيرة خصوصًا والمنطقة الأوسع عمومًا. لا بل إن عباس مَلَكي يعكس رأيًا رسميًا إيرانيًا عندما يطالب جميع الأطراف في الخليج والجزيرة العربية لبلورة آلية إقليمية وقائية للأزمات Crisis- prevention mechanism لذلك سنلاحظ أنه طوال 15 عامًا من الاقتتال الداخلي الأفغاني وعلى الرغم من محاذاة إيران لأفغانستان بذلت إيران ما في وسعها لتقليص أي تدخل من طرفها في الصراع الداخلي إلا ما اعتبرته ضروريًا لحماية الأقلية الشيعية هناك (الهزارة) . إن أي توسع في النزاع الإقليمي يضر كثيرًا بإيران لذا فإن إيران ملزمة بموضوع الاستقرار من باب الحرص على استكمال إعادة البناء والتأهيل الاقتصادي الذي بات يحتل المرتبة الأولى في سلًم الأولويات الإيرانية.

إن انهيار الاتحاد السوفيتي خلًف ميلاد 15 جمهورية جديدة من ضمنها مجموعة تجمعها حدود مشتركة مع إيران وتكوًن مع إيران ما نستطيع أن نُسميه (شمال غرب آسيا Northwest Asia) وهو معبر للبحر الأسود وأوربا وشرقًا إلى الصين والمحيط الهادي وبذا من الممكن لإيران بانتمائها لهذا الإقليم أن تنسحب من النظام الفرعيSubsystem للشرق الأوسط وتبدي إيران حرصًا كبيرًا على الاندماج بهذا الإقليم والتأثير فيه والتبادل المنفعي معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت