وهذه الأمور ليست أمورًا شكلية ، بل هي أمور منهجية ، جذرية ، عامة وهامة ... فليست قضية الكتاب ، أو السنة ، أو التعليم ، أو المناهج ، أو المعاهد ، أو الحدود ، أو الاقتصاد أمورًا شكلية ... ثم إنها لم تأخذ وقتًا طويلًا للدراسة ، فبمجرد أن تعرض على الرئيس بأسلوب مقنع وأدلة مقنعة ، كان يأمر بتنفيذها في نفس الجلسة وربما يفاجئ الناس بها في الصحافة في اليوم الثاني ، بمن فيهم أقرب الناس لصدام ، وقد حدث هذا مرارًا ...
وتكرار هذه الاستجابة تلقي بلوم شديد على نفوس الغيارى من أهل العلم والإصلاح من أبناء العراق وغير العراق ... وهم يرون الفجور والردة والاندفاع المحموم نحو الجحيم اليوم فيتلاومون: كيف فاتتهم هذه الفرصة التي ربما لن تتكرر لزمن قادم طويل ... لِمَ لَمْ يناصحوه لله تعالى ..؟
لِمَ لم َ تذهب وفودٌ منهم إليه بمشاريع شرعية كبيرة وعظيمة ... فالرجل يعشق المشاريع الكبرى ؟ لِمَ تركوه نهبًا لأهل الضلال ومعتقدي الحزب الذين تخلى عنه أغلبهم في آخر اللحظات ..؟ والحقيقة أنهم لم يتخلوا عنه إلا لأن وقتهم قد خرج من زمن صدام ولم تعد لهم تلك المنزلة ولهذا كان لابد من الانقلاب عليه حتى تبقى الامتيازات والحقوق .
لِمَ لمْ يذهبوا ـ بائعين أنفسهم لله ـ ليأخذوا من خيره خاصة مع وجود هذه القرائن المبشرة ... فيذهبوا له كما ذهب من باع نفسه ليستكشف خبر يأجوج ومأجوج !
لِمَ لم يقدموا له منهجًا كاملًا بتطبيق الشريعة ...؟!
لِمَ اعتمدوا على تاريخ السبعينيات والثمانينيات ، واعتمدوا تهويل مقربين من صدام تقصّدوا ذلك ليستأثروا به ، أو تهويل مهاجرين ليس لهم إلا ترديد بعض الحكايات القديمة ....!
ولا شك أن أهل العلم والدعوة عمومًا وأهل الأنبار خصوصًا ، يذكرون جيدًا الأخ محمد الكبيسي الذي نسأل الله تعالى أن يتقبله من الشهداء ، ذلك الذي فجر السينما الوحيدة في منطقة الفلوجة ومحلين لبيع الخمور ، ومحلين لفرق موسيقية تحيي الحفلات والأعراس ، ومحل لبيع أشرطة الفيديو ، وبعد ذلك رمى مقر حزب البعث بعدد من القنابل اليدوية ، فحاصروه ، وطلبوا منه الاستسلام فرفض ، واستمر في المقاومة حتى قتل رحمه الله وقد وقف العلماء هناك في لحظات رهيبة بانتظار العقاب ولكن ماذا كانت النتيجة التي اتخذتها الحكومة بعد هذه الحادثة ؟!! إنها كانت كالتالي:-
1.تحولت السينما التي فجرها الأخ محمد إلى قاعة للاجتماعات والاحتفالات الدينية وكانت هذه هي آخر عهد للسينما في الفلوجة ، بحيث لا توجد في الفلوجة سينما واحدة الآن .
2.جميع محلات الفيديو في الفلوجة أغلقت أبوابها وعددها تسعة ، ولم تسمح الدولة لفتح محل بيع خمر أو فيديو .
3.تم اعتقال مجموعة من الشباب ثم أطلق سراحهم ، والمهم أن هذه الأحداث وقعت سنة 1996 م .
فماذا ترى لو أن مثل هذه الأحداث وقعت في بلد آخر ...؟!
وماذا ترى لو أن الناصحين ذهبوا وناصحوا صدامًا فيما يعتقدون ...
لقد كانوا بين أمرين عظيمين ، إما الشهادة أو تحول البلد بأكمله تحولًا شرعيًا ... وهذا والله هو المظنون بناءً على كل تلك القرائن المتصاعدة بمرور الأيام ...
وهبها كانت الأخرى ... فماذا خسر هؤلاء العلماء والمصلحون ...؟
لكن السؤال: من يعذرنا أمام الله تعالى إذا تبين أننا مقصرون مفرطون واهمون ... يوم القيامة ...؟!
لقد قال دان راذر ... بعد لقائه الشهير مع صدام ، حينما سألته مجلة نيوزويك بتاريخ 11 مارس 2003 ... عن الجديد الذي رآه في صدام ، فكان ما قاله إجابة على السؤال الآتي:-
هل تعلمت أي شيء جديد من هذه المقابلة مقارنة بتلك التي أجراها راذر معه عام 1990 ؟ هل من استبصار عن التطور النفسي لصدام ؟
لقد فاجأني كم كان رابط الجأش وثابت العزم ، ليس هذا الرجل مجنونًا بأي حال من الأحوال . لقد أشار إلي أنه لن يشعل النار في حقوله النفطية ، لكنني لست متأكدًا من ذلك ، فإذا ما هزم فإنه قد يتخذ خطوة الغضب النرجسي الأخيرة: ' علي وعلى أعدائي ' . وإذا ما استطعت مقارنة هذه المقابلة بمقابلة عام 1990 ، فإن هناك الكثير من المفردات الإسلامية الآن ، يكثر من استخدام المصطلحات الإسلامية ، لقد أعاد أسلمة العراق ، وهو الآن يصلي خمس مرات في اليوم بشكل متفاخر ، ويقول إن القرآن يسري في عروقه .
إنها أربعة أمور محددة ينبه لها هذا الرجل المتخصص الذي هو أشبه برجل متخصص في هذا الشأن وفي الاستخبارات ، فضلًا عن مهنته كصحفي ... والكلام هنا للمحلل المتخصص الذي استشارته مجلة نيوزويك ...
الأمر الأول: يستخدم المصطلحات الإسلامية .
الأمر الثاني:- عمل أسلمة للعراق .
الأمر الثالث:- يصلي بتفاخر .
الامر الرابع:- يقول أن القرآن يسري في عروقي .
ومن باب إتمام البحث تاريخيًا فلا نجد بُدًا من أن نقارن تغييراته هذه في ظرف مرحلته ، وما جاوره أو عاصره من بلاد أخرى ولو بالإشارة فنتساءل ...
هل الصحوة في بلد كالشام أو مصر أو الخليج عدا السعودية ، كما هي في العراق ... ؟ نعم من حق من لم يخرج من العراق أن ينكر هذا ، لكن من شاهد وعايش عرف ما للعراق من فضل وتقدم في هذا المجال اليوم وتعجبنا كلمة الشيخ سفر الحوالي حفظه الله لمدير موقع ' مفكرة الإسلام ' في زيارة خلال موسم حج عام 1423هـ حيث قال الشيخ: إن العراق يعيش صحوة كبيرة لاينكرها إلا جاحد .
وهل حِلقَ العلم المنهجي في بلاد المسلمين عمومًا كما هي في العراق ؟
وهل مناهج التعليم في الخليج وغيره والتي لا يدرس الطالب في بعضها إلا حصتين دراسيتين للتربية الإسلامية أحسن من مناهج العراق التي يقرر فيها على الطالب كل يوم حصة تربية إسلامية .
وبعد هذا فسوف يتساءل البعض ، ما السر في هذه التغيرات ، وهو نظام بعثي ، والبعث معروف الجذور والأهداف ، ونجيب عن هذا بسؤال آخر ... هل البعث العراقي هو البعث الأول أو هو كالبعث السوري اليوم ؟!
وللجواب على هذا السؤال نود أن نُذَكِّر بحقيقة مهمة وهي أن الكثير من المسلمين اليوم ... وهم يستمعون إلى البيانات العسكرية العراقية وفيها لفظ حزب البعث ، ومقاتلي حزب البعث ونحو ذلك من ألفاظ تشمل على لفظ ' حزب البعث ' يتشاءمون ويتساءلون عن الحزب فيقال لهم أن هذا الحزب علماني , أسسه رجل نصراني ، و... و... و... ، أما صدام فحدث ولا حرج !
ولكن من أجل أن تكتمل الصورة لا بد من إيضاح عدة أمور:-
أولًا: من المعلوم لدى من كان في العراق أنه في أوائل التسعينات عقدت اجتماعات هامة في قيادات الحزب في العراق ، وكان على الحزبيين أن يقرروا عندها خطًا واحدًا من خطين لمنهجية حزب البعث: إما الخط العلماني وإما الخط الإيماني ، وانتهى الأمر إلى اختيار الخط الإيماني ، وذلك بعد إصرار الرئيس صدام على هذه الاختيار ، رغم المعارضة السرية لدى أعضاء في حزب البعث على مثل هذا التوجه والذي اتضح أثرها في خيانة أعضاء من البعث مع القوات الأمريكية في لغز سقوط بغداد ، وبعد هذه الاجتماعات دشَّن صدام حسين حملة سماها الحملة الإيمانية كما هو معروف لكل عراقي اليوم .
ولذلك فإن دراستنا هذه تأتي للعقد الأخير من حياة صدام ، بناءً على هذا التغيير .. حتى صدام نفسه في خطابه سنة 2002 في ذكرى انتصار العراق على إيران ، قال بعدما ذكر ابتداء الحزب ومراحل تطوره إلى أن وصل المرحلة الأخيرة ... قال: وأرجو أن لا تحاسبونا أو تقيسونا منذ سبع سنين على ما سبق ، فإن ثمة اختلافًا جذريًا في إيماننا .