أما إذا كان البعض يسرد علينا جرائم صدام السابقة ونحن لا نخالفه فيها، ثم إذا ذكرنا له التغيرات الفعلية في حياة صدام، وذكرنا أسبابها، ومظاهرها، وشواهدها الكثيرة ... أنكر أو كذب وأصر على تعميم المرحلة السوداء التي يعرفها على المرحلة التي لا يعرفها ـ بعد سماع أدلتها ـ ثم هو لا يذكر لنا شيئًا يستحق الذكر من تلك السيئات وأمثالها في المرحلة التي ذكرنا وحددنا، فإن هذا هو علامة الاحتكام إلى الهوى، والوزن بميزانه ... ولا ندري كيف سيقبل هؤلاء لو كانوا في عصر الإسلام الأول ورأوا توبة من قتل آباءهم وإخوانهم وسرق أموالهم، وهتك أعراضهم، وطعن في نبيهم صلى الله عليه وسلم، بل وحرّف القرآن وادعى النبوة كطليحة الأسدي .. ؟!
كيف سيقبلون توبة عكرمة وأبي سفيان ووحشي وسجاح ... ؟!
ومع كل هذا، فنحن هنا إنما نذكر أحداثًا واقعية عملية شهودها طبقات الشعب العراقي بمجمله ... شهودها التجار، وطلاب المدارس، ورواد المساجد ... الذين وإن لم يدلِ أكثرهم بشهادته، فإنا مطمئنون إلى أن هذا المبحث سوف يكشف القناع عن أعين شهدت هذه الوقائع ... وسوف تقر اليوم بها، بل وتدلي بشهادتها إذا اقتضى الأمر ذلك.
وبناء شهادة على الوقائع هو المنهج الشرعي المعمول به قضاءً، والمعمول به عند دخول الإسلام، وعند الأخذ بالجرائر وبالجرائم، وعند العقود، وفي عموم الأعمال الدنيوية ... ومن أبى ذلك، فليستحضر كم كان غضب النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة لعدم أخذه بظاهر ما سمعه من شهادة رجل محارب في حالة حرب، ثم ينتقل إلى حالة هزيمة، ومنها إلى حالة قتل ... إلى آخر لحظة ... وعندها يعلن الشهادة ... ! فمع أن كل القرائن مع أسامة، إلا أنه استحق ذلك الغضب النبوي العظيم ... رضي الله عن أسامة.
وانظروا كيف كان تعامل النبي صلى الله عليهم وسلم مع المنافقين، فقد كان يأخذهم بظاهرهم، فهاهو النبي صلى الله عليه وسلم يُدخل رأس المنافقين عبد الله بن أُبَي مع مستشاريه حول غزوة أحد في الخروج أو المكوث بالمدينة والقيام بحرب مدن، ورغم معرفته بنفاقهم إلا أنه يرضى بخروجهم معه لتلك الغزوة، ورغم خيانتهم فقد رضي بدفاعهم معه عن المدينة في غزوة الخندق ولم يعاقبهم بعد هذه الغزوة رغم ماقاموا به من محاولات كثيرة لزعزعة الصف.
ونحن نسأل هل صدام في منزلة المنافقين وهو قام بما قام به من أعمال خَيّرة في عقده الأخير رغم أنه مَلِك وليس بمملوك كمنافقي المدينة حيث كانوا تبعًا للرسول أما صدام فهو حاكم يستطيع أن يفعل ما يشاء أن يفعله [بمشيئة الله] فهو الآمر والناهي في بلده.
وعلى هذا فنحن مجتهدون في هذا الكتاب فإن ظهر أنّا مخطئون ـ لا قدّر الله ـ في تغير الرجل الحقيقي، فلن نكون مخطئين في اتباع الأصل الشرعي الذي ذكرنا ... وما وسع القاضي المخطئ يسعنا ... ولو علم النبي صلى الله عليه وسلم بالغدر الذي واجهه القراء في الرجيع، ما أرسل واحدًا منهم، ولو علم النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة الرماة لأوامره في غزوة أحد - وما ترتب على ذلك من هزيمة المسلمين - ما وضع أحدًا منهم على ذلك المكان المهم.
الفصل الثاني: جولة في حياة صدام
الأحد 11 من ذو الحجة 1427 هـ 31 - 12 - 2006 م الساعة 11:41 م مكة المكرمة 08:41 م جرينتش
... صدام حسين ...
صدام حسين يكبر أثناء سماعه الحكم بإعدامه
قام فريق ' مفكرة الإسلام ' العامل في العراق بمحاولة جمع مجموعة من الحقائق والتغيرات والتحسينات بأمانة شرعية عن حياة صدام حسين نستطيع أن تقول عنها ونحن في غاية الاطمئنان: هذه شهادتنا، والله على ما نقول شهيد ...
نحكيها دون النظر في نوايا صاحبها [صدام] ودون النظر في تأويل كاتبها [موقع مفكرة الإسلام] أو فهم قارئها [أنت] علمًا بأن هذه التغيرات لم تجمع في مكان آخر فيما نعلم أبدًا ـ قبل ـ هذا الكتاب، كما أن هذا الجمع اتصف بشمولية البحث فيكفي أن الإخوة ينتقلون أحيانًا مسافة تتجاوز 300 كم من أجل التأكد من جزئية معلومة معينة، وفي آخر ستة أشهر قبل سقوط صدام قام هؤلاء الإخوة بضرب العراق طولًا وعرضًا مدة ستة أشهر لم يعرفوا خلالها أهلهم، و هؤلاء الإخوة سبق أن نالهم أذى في فترات سابقة من حكم صدام ولم يكن لهم حُظوة لديه ولامنصب ولاقُرْبة.
وماسنذكره من حقائق لا يستطيع أي عراقي داخل العراق يتمتع بالإنصاف، والاطلاع أن ينفيها أو ينفي واحدًا منها، اللهم إلا أن يقول عن بعضها: لا علم لي بها!
وما كان هذا البحث وليد يوم واحد ولا نتيجة جهدٍ شخصي، فإن مما لا شك فيه أن من يجمع بنفسه، ويترصد ويستقصي بنفسه ومن غيره، ويدقق في الوقائع والأحداث يختلف بحثه كثيرًا عمن يتلقى من جهة واحدة كما يختلف عن من يتعامل مع هذه الأمور كبحث تفصيلي، ودراسة مسؤولة .... يؤديها كشهادة يخشى سؤال الله له يوم القيامة، كما يخشى من تعلق أناس به، ربما تحمل وزر إضلالهم فيهلك من حيث لم يدر، ولم يكسب، ولم يحتسب .. !
ولذلك فإنا لا نشك أبدًا أن الناظر في هذا الكتاب من العراقيين المستوطنين خارج بلادهم والمدمنين على لعن صدام وذمه ـ من الإسلاميين ـ سيكون له هذا البحث كالصدمة التي تفيقهم من وهم عميق عاشوه طويلًا من غير أن يشعروا، ورددوه كثيرًا من غير أن يتبينوا، حين صدقوا كل وارد ذم ـ عن صدام ـ، وقد كان كثير منه ـ ولا أقول كله ـ وارد شيطان ... !
بل إنا لنعتقد جازمين بأن كل واحد من أهل السنة والجماعة إذا قرأ هذا البحث، ورأى ما فيه، سوف يزيد على مجموع الإيجابيات المجموعة هنا الكثير الكثير مما فات ' مفكرة الإسلام ' ذكره في الشهادة الملحة، وهذا ما نطالب به كل عراقي منصف، لديه من المعلومات الحقة ما يزيد على هذا البحث أن يذكرها بغير تردد ...
إنها شهادة، فما عاد أمر صدام حكرًا على أحد أو وقفًا على أهل أو بلد، والشهادة لا يؤخذ عليها جعلًا ولا خرْجًا [فخراج ربك خير وهو خير الرازقين] .
ومن باب الشهادة جاءت هذه الأعمال التي حدثت بأمر من صدام حسين نفسه في العقد الأخير من حياته، فلم تكن خطابات جماهيرية، ولا أحاديث تحدّث بها ليخادع مجموعة من المشايخ، ولم تستمر ليوم أو لشهر أو سنة، ثم رفعت ... بل هي قرارات طبقت على أرض الواقع، ولمدة تزيد على عقد من الزمان تقريبًا، ولم يتوقف العمل بها إلا بخلعه من ملكه.
ونحن ننقلها كما هي من الواقع، تاركين لطالب الحق الحكم، مستبقين أو معقبين على كل نقطة منها بتعقيب للإثبات والمقارن
القسم الأول من الحلقة الثانية
1.منذ عشر سنين تقريبًا أصبحت حصة التربية الإسلامية في المدارس العراقية إلزامية في الاختبارات والدرجات، حيث يدرس الطالب فيها مادة متنوعة من قرآن وتفسير وتربية إسلامية، فيأخذ طالب الابتدائي خلال الست سنوات حصة كل يوم وإذا ارتقى إلى المرحلة الإعدادية فيأخذ ثلاث حصص كل أسبوع ومثلها أيضًا في المرحلة الثانوية، وقد كانت قديمًا حصص الدين شبه معدومة، ولكن بدأت في الارتقاء حتى وصلت لهذه المرحلة، وحسب معلوماتنا فقد كانت هناك نية أكيدة لدى حكومة صدام حسين لكي ترفع هذا المعدل لأكثر من المقرر على المراحل التعليمية وقد تقرر إضافة حصة القرآن الكريم على طلاب الكليات الجامعية بمختلف التخصصات، وأبلغ الطلاب بهذا ولم يتمكن من العمل به في وقتها، ولكن ذهاب صدام وزوال حكمه أفسد هذا الأمل لدى كل عراقي.