التوازن يحفظ الطاقات من أن تهدر أو تبدد عندما يتضخم جانب على آخر، هذا التوازن سماه الله سبحانه وتعالى (قوامًا) بقوله {وكان بين ذلك قواما} وهو الوسطية والاعتدال، وبه قيام الإنسان بالأعمال والواجبات على أحسن وجه .
يقول ابن الجوزي رحمه الله: ( فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقص رضاه بالأرض ، ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصِّر في تحصيلها في حضيض ، غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن.والسيرة الجميلة عند الحكماء: خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل ) أ . هـ . ( صيد الخاطر 2 / 224 ) .
إن الذي ينفق أمواله كلها سيقعد ملومًا محسورًا كما وصفه القرآن، وقد ذم الله المسرفين والمبذرين، وهكذا أمر الإسلام بالاعتدال في المأكل والمشرب والمسكن .
والذي يعمل إلى حد الإعياء، ولا يأخذ وقتًا لراحة، لا يمكن أن يكون فعالًا . أليس هذا مما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن لجسمك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا".
وفي ميدان خدمة هذا الدين يلاحظ أن الشخص النشيط الذي لا يرفض طلبًا يكلف به، توضع عليه الأعباء كلها . ومن الطبيعي أنه لا يستطيع إنجازها كلها متقنة، ولا يعطي لنفسه ولا لأولاده ولا لأهله حقًا، وفي النهاية يصل إلى درجة الإعياء والإرهاق النفسي والجسدي ثم ينقطع عن العمل لأنه كلف نفسه فوق طاقتها .
ــــ اعمل على إزالة الحواجز النفسية مثل (فات الوقت ) : فكثير من العظماء تعثروا في بداية حياتهم ثم تغلبوا على عوامل الفشل بتوفيق الله ثم بقوة العزيمة وتكرار المحاولة .
العز بن عبد السلام طلب العلم متأخرًا ، لكنه ثابر واجتهد حتى صار (سلطان العلماء ) .
وابن أبي ذئب طلب العلم متأخرًا، وكان يقارَن بمالك ، وقالوا: لو طلب العلم مبكرًا لما قورن به مالك ولا كان قريبًا منه، رضي الله عنهم جميعًا ورحمهم.
وابن حزم رحمه الله طلب العلم بعدما بلغ السادسة والعشرين ، و ابن حجر رحمه الله مرت عليه سنوات لم يكن يطلب فيها الحديث، وكان ينشد شعرًا فسمعه شخص فقال: ليس هذا من شأنك، هذا لا يليق بك، فانصرف إلى الحديث.
والإمام الذهبي رحمه الله قال: رأى خطي رجل، فقال: إن خطك يشبه خط المحدثين، فوقع في نفسي طلب الحديث.
وابن القيم رحمه الله مضى فترة من عمره مع الصوفية ، ثم رجع إلى منهج السلف فصار العلم العظيم .
عبد الصمد شرف الدين ذكر في مقدمة تحقيقه لتحفة الأشراف أنه ما طلب العلم إلا بعد الأربعين.
وهناك الكثير من الطاقات التي أنتجت للبشرية اختراعات مفيدة تنعم بها اليوم ، فلم يذهبوا كغثاء السيل ، ولم يرضوا لأنفسهم أن يكونوا نسخًا مكررة من ملايين النسخ التي نشاهدها في النماذج البشرية كل يوم ، وإنما رحلوا عن الدنيا وقد تركوا بصماتهم عليها .
كان ( تشارلس فروست ) إسكافيًا ولكنه استطاع أن يصبح من المبرزين في الرياضيات بتخصيص ساعة واحدة من يومه للدراسة .
وكان ( جون هتنر ) نجارًا ، ثم شرع بدراسة ( التشريح المقارن ) في أوقات فراغه، مخصصًا لنومه أربع ساعات فقط من الليل ، حتى أصبح حجة ومرجعًا في علم التشريح .واستطاع (جون لايوك ) أن يقتطع من يومه المزدحم بالعمل بوصفه مديرًا لأحد المصارف ساعات يقضيها في دراسة التاريخ حتى أصبح علمًا بين المؤرخين .ودرس (جيمس واط ) الكيمياء والرياضة في أثناء اشتغاله بالتجارة فأمكنه أن يخترع المحرك البخاري .
فما الذي يمنعك أن تبدأ من الآن بمشروع جدي أو جهد عملي لنصرة دينك وأمتك وبلادك ؟.
ـــ لا تجعل خلافك مع أخيك مانعًا من التعاون معه ، ما دام هذا الخلاف سائغًا أو في دائرة الاجتهاد المعتبر .
فالخلاف شر { ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".رواه مسلم .
صلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خلف عثمان رضي الله عنه بمِنى أربعًا فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر رضي الله عنه بمنى ركعتين، وصليت مع عمر رضي الله عنه بمنى ركعتين، فليت حظي ركعتان متقبلتان . رواه البخاري .
وزاد أبو داود: فقيل لعبد الله: عبت عثمان ثم صليت أربعًا ؟ . فقال: الخلاف شر.
والفرقة الاختلاف عنوان الضعف وذهاب الريح وسبب الهزيمة والخسران . ففي معركة أحد ذاق الصحابة طعم الهزيمة بسبب عصيان بعضهم ـــ لا كلهم ـــ لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن المتتبع لتاريخ الأمة الطويل يجد أنها مرَّت بأزمات ونكبات كان المسلمون يفقدون فيها تمكنهم في الأرض بل ويفقدون أمنهم وطمأنينتهم وديارهم وأموالهم. ولكنهم في كل مرة كانوا يخرجون منتصرين ويهزمون عدوهم بعد أن يوحدوا صفوفهم ويجمعوا كلمتهم .
استغل صلاح الدين الخلاف الذي كان قائمًا بين الصليبيين الذين احتلوا بيت المقدس وما حولها من المدن ، حيث كان كل واحد يريد أن يوسع سلطته على حساب الآخر ، فعمل بكل وسعه وطاقته لتوحيد المسلمين وجمع كلمتهم وراسل أمراء مصر والجزيرة والعراق واجتمع حوله خلق كثير ، فأعد الجيوش ووحدها وأحسن تنظيمها ، وبرع في الإعداد والاستعداد ثم نازل الصليبيين في معركة حطين ، فكانت وقعة هائلة قتل فيها منهم خلق كثير ، ثم حاصر بيت المقدس واستولى عليها وردها إلى حظيرة الإسلام .
وفي القرن الخامس الهجري انفرط عقد وحدة الأندلس وانقسمت إلى ممالك صغيرة، عقابًا ربانيًا للمسلمين على تفرقهم وتشتتهم وحرب بعضهم لبعض {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } ، وصارت كل مدينة دولة قائمة بذاتها تحكمها أسرة وكان أوسعهم مملكة وقوة: محمد بن عباد صاحب إشبيلية وقرطبة وكانت بعض هذه الدول تستعين بالأعداء من النصارى لمحاربة أهل ملتها وجيرانها.
هذا التشرذم والتناحر والاختلاف جعلهم لقمة سائغة لملك الأسبان ( ألفونسو ) فقوي أمره وبدأ يزحف على المدن الإسلامية ، وكانت طليطلة من أول المدن الإسلامية الكبيرة التي استردها صلحًا بعد حصار دام سبع سنين . وبسبب تفرق ملوك الطوائف ، فإنهم كانوا يدفعون ضريبة لألفونسو ، وكان ابن عباد يدفع ضريبة أيضًا ، ولكن ألفونسو لم يرض وطلب المزيد من القلاع والحصون وأرسل وفدًا كبيرًا إلى ابن عباد وعلى رأسهم يهودي وفرض شروطًا استفزازية قصد بها إذلال المسلمين ، فضرب ابن عباد رئيس الوفد على وجهه حتى برزت عيناه ورفض الشروط وبدأ كل فريق يستعد للقتال . فكتب صاحب بطليوس المظفر بن الأفطس إلى ابن عباد:"أيها الملك إن الروم إذا لم تُغزَ غزت ولو تعاقدنا مخلصين فللنا حدَّهم". وسمع علماء قرطبة بما جرى ورأوا قوة الإفرنج وضعف المسلمين بسبب تفرقهم وتناحرهم فاجتمعوا وقالوا: هذه بلاد الأندلس قد غلب عليها الإفرنج لم يبق فيها إلا القليل وإن استمرت الأحوال على ما نرى عادت الأندلس نصرانية كما كانت ، وساروا إلى القاضي عبد الله ابن أدهم واتفقوا معه على الاستعانة بابن تاشفين ملك المغرب وأرسلوا إليه رسولًا .