إذا تأملنا في سير العظماء والأكابر من هذه الأمة ، فإنهم مع إيمانهم بأن هذا الدين منصور وأنه لن يدع بيت مدر ولا وبر إلا دخله فإنهم لم يكونوا يعيشون بالأماني على أمل انتصار الدين، بل عملوا وجدوا وضحوا ليقينهم بأنهم متعبدين بالعمل .
فماذا قدمت أخي الشاب لأمتك ودينك وبلادك ؟.
إذا جلسنا أنا وأنت وتقاعسنا عن العمل ، فمن يرفع الحيف عن الأمة ومن يتصدى للفكر التغريبي الذي يريد نشر الفساد في البلاد وبين العباد ، ومن يكشف ضلال الفكر التكفيري ؟.
ـــ هناك دور ينتظرك عليك أن تقوم به: فهدهد سليمان عليه السلام دله على قوم مشركين فأسلموا ، والنملة قالت لقومها {ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون } ، وأسماء شقت نطاقها نصفين لنصر الدعوة ، وعائشة كانت تسقي المجاهدين في المعركة وتداوي الجرحى ، وأم سليم جعلت مهرها الإسلام .
العمل للدين ونشر الدعوة أنبل المهام وأسمى المطالب وهو وظيفة العمر كلها.
فهذا نبي الله نوح عليه السلام ، يدعو قومه في الليل والنهار، والعلن والإسرار، مدة ألف سنة إلا خمسين عامًا.
وهذا نبي الله يوسف عليه السلام الذي أدخل السجن يرسف في قيوده مظلومًا ،جعل السجن إلى مدرسة للتوحيد ومنبرٍ للدعوة.
فعندما أتاه صاحبا السجن يسألانه ، وقال الأول: { رأيتني أعصر خمرا} . وقال الآخر رأيتني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه).
{ نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين } . استغل تشوقهما للجواب فلم يجبهما مباشرة بل دعاهما إلى التوحيد قائلًا { يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} .
وعندما حضرت نبينا صلى الله عليه وسلم الوفاة ، وأصيب بحمى شديدة حتى إن حرارة بدنه ، حتى إن كانت تنبعث من تحت الغطاء . فكان يقول في آخر لحظات عمره:"الصلاة الصلاةَ وما ملكت أيمانُكم".
يقول ابن حزم رحمه الله: ( لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها ، وليس ذلك إلا في ذات الله عز وجل ، في دعاء إلى حق ، في حماية الحريم ، وفي رفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى ، وفي نصر مظلوم، وباذل نفسه في عرض دنيا كبائع الياقوت بالحصى ) ( الأخلاق والسير ، نقلًا عن الهمة العالية 115 بتصرف ) .
إن الدعوة ونشر الخير والهدى ليس وقفًا على العلماء والدعاة وطلبة العلم ، فكل مسلم بانتمائه للإسلام عامل للدين، مهما كان خطؤه وتقصيره .
ــــ استعن بالله ولا تعجز . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان". رواه مسلم .
ـــ يقينك بأن هذا الدين منصور لا ينبغي أن يتزعزع . قال تعالى {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} .
ألا يستثيرك جلد أهل الباطل ونفرتهم لنصرة باطلهم ، وحماسهم لقضاياهم الباطلة ؟.
انظر إلى عمل اليهود وتعصبهم وتكاتفهم، كل عملهم لإقامة دولة إسرائيل وحمايتها .
ألا يستثيرك تكاتف حركات التنصير لنشر التثليت والشرك بجلد وصبر عجيب ، حتى إن بعض المنصرين والمنصرات يذهبون إلى غابات إفريقيا لنشر دينهم وعقيدتهم ؟.
ألا يستثيرك تواتر العلمانيين والليبراليين على مهاجمة الخصوصيات والطعن بالمسلمات ، وتنسيق الأدوار فيما بينهم لإضعاف مناعة المجتمع تمهيدًا لاختراقه وتفكيكه ؟.
ألا تستشعر عظيم إكرام الله لك بأن أسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة ، فتسخر هذه النعم في خدمة دينه وهداية عباده ؟ّ.
من أنعم الله عليه بشخصية جذابة وقدرة على التداخل مع البشر أن يستغلها في الدخول إلى قلوب الناس لدعوتها إلى الله ، انظر إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه كيف أنعم الله عليه بجاذبية وتأثير في الناس مما أدخل كثيرًا منهم هذا الدين ، وصاروا قادة للإسلام .
ومن أنعم الله عليه بجاه، أو نفوذ، أو سلطان، فعليه أن يستعمله للخير، وفي إحقاق الحق، ومحاربة الباطل، وأن يقرب أهل الخير، ويجعلهم بطانته ومشورتهم كما فعل الراشدون وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم .
ومن آتاه الله قدرة في الشعر؛ فلينظمه في الدعوة إلى الله والمنافحة عن الإسلام ، كما كان حسان رضي الله عنه يفعل.
ومن آتاه الله بسطة في الجسم، فليجعلها في طاعة الله، حربًا على أعداء الله، يعين فيها الملهوف والمسكين والفقير من المسلمين . لما أعطى الله طالوت بسطة في العلم والجسم؛ استعملها في قيادة بني إسرائيل حتى نالوا النصر والظفر .
لما ألان الله تعالى الحديد لداوود عليه السلام استخدم هذه النعمة في صناعة الدروع، وملابس الحرب، والعتاد العسكري؛ للجهاد في سبيل الله عز وجل .
وسيلمان عليه السلام منَّ الله عليه بنعم كثيرة كما قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ...} . فاستخدم جنوده من الجن، والإنس، والطير في الدعوة إلى الدين، وبناء المحاريب والأبنية والجفان التي كالجواب وهي: الأحواض العظيمة التي يجبى إليها الناس ، والقدور الراسيات التي لعظمها ترسو من ثقلها لينتفع مما فيها المسلمون . واستخدم العفاريت في إظهار قدرة الله تعالى في خلقه بإحضار عرش بلقيس ، واستخدم الجن في بناء الصرح الممرد من قوارير، الذي بهر عين ملكة الكفار؛ فأسلمت لما علمت أن ملكها لا يساوي شيئًا بجانب ملك سليمان المؤيد من عند الله عز وجل .
ولما أسال الله له عين القطر ( وهو النحاس السائل ) صنع منه ما فيه فائدة للدين والبلاد والعباد .
وقد يقول قائل: هؤلاء أنبياء مؤيدون من عند الله عز وجل ، فنقول حتى أفراد الصحابة رضي الله عنهم قدموا كل ما لديهم طاقات فردية لنصرة الدين، وإعلاء كلمة الله: بلال يؤذن، وسعد وغيره لحراسة الرسول صلى الله عليه وسلم في مبدأ الأمر . وزيد وغيره لكتابة الوحي والرسائل، وخالد وغيره للقيادة وحسان وكعب وابن رواحة للقيام بالدور الإعلامي المطلوب لخدمة الإسلام. وعثمان رضي الله عنه يحفر بئرًا على نفقته، ويجهز جيش العسرة على نفقته .
وابن مسعود صاحب النعلين والمطْهَرة؛ لأنه كان فقيهًا شديد التعلم كان يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى في الأشياء الدقيقة ليتعلم. وسلمان يشير بفكرة الخندق ، ونعيم بن مسعود الثقفي يعرض خدماته لما أسلم.وأبو طلحة يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبرع سخي بستان كبير، يقول: يا رسول الله ضعها حيث أراك الله .