أبناء المجتمعات الإسلامية، وتحقيق ما يسمى بـ: الاختراق الإعلامي للدول، الذي يعتبر مدخلًا لكل الاختراقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية... . لقد أصبحت الثقافة صناعة وسلعة تُنتج وتُباع وتُشترى ويتم تبادلها، وتسيطر عليها الشركات المتعددة الجنسيات، وتَحوَّل الجمهور إلى سوق واسعة يجب استثمارها، وظهرت أسواق تجارية لمحاصيل ثقافية وفيرة وجاهزة . ففي 1991م بلغت قيمة صادرات بريطانيا من المواد الثقافية 25 مليار دولار محتلةً بذلك المرتبة الثانية في الدخل القومي بعد السياحة ، بينما تحتل الصناعة المرتبة الخامسة. وفي العام نفسه بلغت قيمة الصادرات الأمريكية 60 مليار دولار، وهو رقم قريب من صادرات السلاح. لقد ارتبط البث المباشر وتزايد القنوات الفضائية بالتقدم الضخم الذي تم إنجازه في مجال تقنية الاتصالات الفضائية، وبخاصة فيما يتصل بتنامي قوة الأقمار الصناعية وصغر حجم الهوائيات ورخص ثمنها بحيث أصبح من الصعب جدًّا ـ إن لم يكن مستحيلًا ـ السيطرة على هذا البث من خلال التشويش أو الإلغاء، فضلًا عن تكاليف ذلك التي لا تستطيع كثير من الدول الإسلامية تحملها. ومما زاد من حجم الكارثة أن موقع الدول العربية الجغرافي مكَّن المشاهدين من استقبال العديد من قنوات البث المباشر من آسيا وأوروبا وأمريكا والدول العربية الأخرى دون حاجة إلى هوائيات إضافية. ولقد تعاظم تأثير هذه الحرب الإعلامية في حياة المسلمين حتى وصل إلى مرحلة الإدمان ، ويُعرف هذا الأثر بعدد ساعات المشاهدة اليومية التي يقضيها المشاهدون وبخاصة الأطفال والشباب. ففي تقرير لمنظمة اليونسكو العالمية ، رقم (33) تبين أن المراهقين ، في البلاد العربية ، يقضون ما بين اثنتي عشرة ساعة إلى ستين ساعة أمام الشاشات أسبوعيًا، وأن الأطفال في سن الخامسة حتى السابعة يُبدون أقصى اهتمام بمشاهدة التلفزيون، وفي المرحلة التي تسبق هذه الفترة فإن الطفل في سن الثلاث سنوات يقضي ( 45) دقيقة يوميًا أمام التلفزيون، وفي سن أربع سنوات ينفق ساعة ونصف الساعة يوميًا. ويظهر التأثير السلبي الهائل للقنوات على الأطفال بشكل واضح في تبدل تكوينهم الشخصي والنفسي ، ويستطيع المراقب إدراك ذلك من خلال نشوء اهتمامات جديدة لدى الأبناء وأنماط من السلوك تحاكي سلوك الممثلين أو الشخصيات الخرافية الوهمية . أما الأطفال الذين يولدون والدُّش في بيوتهم فإنه يغدو بعد حينٍ: أهمَّ موجِّه لتفكيرهم وسلوكهم وذوقهم واهتماماتهم، وقد لا يلاحظ ذلك كثير من الآباء والأمهات، وخاصة أولئك الذين لا يهمهم إلى أين تسير السفينة أو من يوجِّه الدفة. يقول أحد الباحثين:"إن تأثير الإعلام على الأطفال تأثير ثابت، ولا ينبغي للمسؤولين أن يقللوا من خطره، أو يهوِّنوا من أمره، ولاشك في أن طريقة معالجة التلفزيون للأحداث ، وخاصة أسلوب استخدام الكاميرا يجعل التلفزيون مصنعًا للخوف والرعب بالنسبة للموضوعات العنيفة، وعندما يخلط الأطفال بين الواقع والخيال، ويتعرضون للتأثير الضار باستمرار، ويرون المجرم بطلًا خفيف الظل ، والقانون لا ينتصر إلا في النهاية، ورجل الشرطة موضع تهكم وسخرية، والقاضي إنسانًا مترددًا ومضحكًا، ورجل الدين رجلًا معقدًا متخلفًا ، فإن احتمال عدم التأثير بذلك كله أمر جِدُّ عسير"أ . هـ. وقبل حوالي خمسة وعشرين سنة ظهر كتاب بالغ الآثار والأهمية وهو الكتاب الوحيد الذي ناقش تجربة التلفزيون ومشاهدته في ذلك الوقت اسمه ( المخدر الكهربائي ) وكان سببًا لضجة كبيرة عند الآباء القلقين، وعلماء النفس والمربين، ولقد أكد الكتاب أن مشاهدة الأطفال للتلفزيون تسبب عندهم نوعًا من الإدمان، وأنها تحول جيلًا كاملًا منهم إلى أشخاص يتميزون بالسلبية، وعدم التجاوب، ولا يستطيعون اللعب والابتكار، ولا يستطيعون حتى التفكير بوضوح ، فكيف يتسنى لمثل هؤلاء الأطفال استيعاب الدروس في المدرسة وتركيز اهتمامهم فيما يلقى عليهم أو يطلب منهم التفكير فيه إذا كانت معظم أوقاتهم تستنفد أمام الشاشة الصغيرة؟. وجاء في استطلاع للرأي عن مضار أجهزة الإعلام على الأطفال فقط: إن فيض المعلومات التي تقدمها أجهزة الإعلام يعطل القدرات التأملية الخلاَّقة لدى الأطفال ، وخَلُصَ الاستطلاع أن الأطفال هم ضحية لبرامج التلفزيون والمجلات الهزلية. وذكر الأطباء والمدرسون الذين شملهم الاستطلاع أن وسائل الإعلام أشد ضررًا بالأطفال وخاصة البرامج الترفيهية الساقطة والمجلات الهزلية التي ترد إليهم ، وإن حشو مخيلة الطفل، وإشغال فكره بهذه الترهات لا تدع له مجالًا لاستيعاب المعلومات التي يتلقاها على مقعد الدراسة، مما يؤدي في أغلب الأحيان إلى كراهية الطفل للمدرسة والكتاب لشعوره بقصورهما وعجزهما عن جذبه إليهما كما يجذبه التلفزيون والفيديو ، إذا أنهما لا يتطلبان من الطفل مجهودًا ولا حركة ، ويحشوان رأسه بالخيالات والأوهام ، ويضحكانه ويعلمانه الرقص والغناء، وكيفية إقلاق راحة الآخرين.أ . هـ . كان هذا أثر التلفاز قبل هذه المدة الطويلة حيث كانت البرامج محافظة نوعًا ما وقبل أن تظهر القنوات والفضائيات التي تثير الغرائز وتحرك الشهوات وترغِّب في الفواحش ، والتي يزداد عددها باستمرار مع دخول بلدان جديدة مجال استئجار قنوات فضائية أو زيادة بعض البلدان قنواتها، إضافةً إلى أن القنوات القائمة تنحو دائمًا إلى زيادة ساعات البث . ويكفي أن نعلم أن مجموع البث بالقنوات العربية وحدها يبلغ حوالي 300 ألف ساعة سنويًا. والجدير بالذكر أنه ليس هناك فوارق كبيرة بين ما يبثه الإعلام العربي وما يبثه الإعلام الغربي؛ حيث تداخلت مفاهيم عديدة في ظل غياب الوعي الإسلامي الذي يحافظ على القيم والأخلاق، وغياب القدرة على إنتاج مواد محلية لتغطي ساعات البث الذي يزداد بصورة عشوائية . تشير أرقام اليونسكو إلى أن المحطات التلفزيونية في بلاد المسلمين تستورد أكثر من 50% مما تعرضه على شاشتها، وأن أكثر من 75% من هذه المادة المستوردة من منشأ أمريكي . وبهذا يكون من أدخل القنوات والدشوش إلى بيته قد سلّم آخر ما لديه من أسلحةٍ لمقاومة الغزو الإباحي والمجون ودعوات الإنحلال ، وأسهم في عملية الانتماء الفكري للغرب بكل عقائده ونظمه ومبادئه ومساوئه . وهذا من أعظم الظلم والغش للأسرة التي استرعاه الله إياها والتي سيحاسب عنها يوم القيامة ، قال صلى الله عليه وسلم:"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"متفق عليه . فالواجب على الآباء والأمهات وعلى كل مسلم غيور على دينه وعرضه وكرامته هو مقاطعة هذه القنوات الفاسدة والإباحية وغيرها، ومنع أبنائهم من الاتصال بها. وهو أمر يحتاج إلى العزيمة وإلى تَبَنٍّ واضح من راعي كل أسرة يخشى الله واليوم الآخر . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } إن التصدي لهذه الحرب الضروس لمن أوجب الواجبات في هذا الزمان الذي أصبحت فيه حرب الكلمة من أقوى الحروب فتكًا وأشدها ضراوة . ويحسن بنا ونحن في ختام هذا الحديث أن نركز على الحقائق التالية: أولًا: إن غزو العالم الإسلامي بجماهيره الواسعة بنمط الحياة الغربية القائمة على الشهوانية والحيوانية والجشع والطمع والتحلل من الدين والأخلاق ، لا يمكن أن يجعلنا قابلين لها ومُسلِّمين بها ،