لهذه المظاهرة مرات عديدة خلال الأيام التالية، وعبرت عن ذلك جريدة النيويورك تايمز قائلة: (لقد ظهر هؤلاء المتظاهرون فجأة في المجتمع كطابور خامس للتطرف الإسلامي في فرنسا التي كانت تحتفل بمرور القرن الثاني على ثورتها ضد الدين) وخرجت إحدى المذيعات في ذلك الوقت لتقول: (إن الإسلام دين قائم على عدم التسامح. هذه هي سياسة الإعلام: إلصاق التهم والعنصرية في التعامل لتشويه صورة الإسلام وصد الناس عنه وتنفيرهم منه {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} يقول أحد مفكري الغرب: لقد تجمعت العقد الموروثة: عقد التعصب التي ندين بها ضد الإسلام ورجاله وتراكمت خلال قرون سحيقة حتى أصبحت ضمن تركيبنا العضوي . ويقول المستشرق النمساوي الذي اعتنق الإسلام واسمه محمد أسد: قد لا تقبل أوروبا تعاليم الفلسفة الهندوكية أو البوذية ولكنها تحتفظ دائمًا فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن ومبني على التفكير ، إلا أنها عندما تتجه إلى الإسلام يختل التوازن ويأخذ الميل العاطفي في التسرب . لقد أصبح العالم الإسلامي الآن جبهة الصراع الوحيدة بعد انتهاء الحرب الباردة لأن المسلمين يطرحون تحديًا أساسيًا يتمثل في قوة اجتماعية وسياسية متنامية تنقض وتعارض كثيرًا من المفاهيم الغربية عن علاقة الله بالبشر وعن الواقعية وعن طبيعة التقدم وعن دور التقنية والعصرنة وعن دور المبادئ الأخلاقية في حياة الإنسان . يقول أحد زعماء اليهود: إن الإسلام هو العدو الذي نخشاه ونحترمه في آنٍ معًا وخطتنا الدعائية هي إظهار وحشية المسلمين . وقد نجحوا في هدفهم هذا إلى حد بعيد . فعندما وقع انفجار أوكلاهوما والذي نفذه أعضاء من اليمين الأمريكي تعالت الأصوات بأن الإسلاميين هم وراء الحادث والمسؤولون عن قتل الأبرياء وإسالة الدماء . كماأفلحوا في استثمار الأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة حيث بدأوا منذ الساعات الأولى بتوجيه أصابع الاتهام نحو الإسلام والمسلمين ، والتحريض على القتل والعنف ضدهم وطردهم ليعودوا من حيث أتوا . قامت وسائل الإعلام الأمريكية الصهيونية بعرض مشاهد لمجموعة من الفلسطينيين وهم يحتفلون فرحًا بالهجوم على مركز التجارة بغرض تهييج الرأي العام الأمريكي ضد الفلسطينيين والعرب ، وقد أكدت مصادر مطلعة أن هذه الاحتفالات جرت إبان الاحتلال العراقي للكويت ولا تمتُّ لأحداث الحادي عشر من سبتمبر بصلة . وكتبت إحدى الصحف المحلية الأمريكية مقالًا تتهم فيه المسلمين جاء فيه: إنها الحرب ، فلنغزهم في بلدانهم ، ليس هذا أوان ترف البحث عن أماكن المتورطين بالعمليات الإرهابية ، المسؤولون عن هذه العمليات هم كل من ارتسمت على وجهه ابتسامة عندما سمع بالعمليات ، وأضافت: أمتنا غزتها طائفة متطرفة مجرمة ، علينا غزوهم في بلادهم وقتل قادتهم وإجبارهم على التحول إلى المسيحية. وقد استجابت طبقات كبيرة من الشعوب الغربية في مختلف أنحاء أمريكا وأوربا لهذه الدعوات ، حيث تعرض المسلمون هناك لأنواع عديدة من المضايقات والإيذاء وصلت إلى حد القتل . فقد قام مجهولون بقتل سائق تاكسي في سيارته لأنه مسلم ، وأقدم رجلان على ضرب فتاة محجبة في التاسعة عشرة من عمرها على رأسها ، وتعرض المركز الإسلامي بولاية تكساس الشمالية لست طلقات نارية ، كما تعرضت العديد من المساجد لعمليات تخريب، ورسم على جدران بعضها صلبانًا معقوفة وكتب عليها عبارات عنصرية مثل: عودوا إلى بلادكم أيها الزنوج . وتلقى كثير من أئمة المساجد وأعضاء المجالس الإسلامية في عدد من المدن مكالمات تهديد بالقتل ، وتعرض باص لنقل طلاب المدارس إلى رشق بالحجارة في كندا . يقول أحد أئمة المساجد أن حرصه على ارتداء العمامة عرض سيارته للرجم بالحجارة وإلقاء القمامة عليها . وتلقى المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا رسائل بتفجير المركز ، وتعرضت كثير من المحجبات هناك للسباب والشئائم والمضايقات . وبعد أن نجح اليهود والغرب في تشويه صورة هذا الدين الحنيف وتنفير الناس منه وإظهار المسلمين بمظهر الوحشية والمعاداة للمدنية والحضارة والتقدم . بل وجهوا سهام إعلامهم المسمومة إلى عقر دار المسلمين لتغريبهم وتذويب هويتهم وطمس ثقافتهم . وكان لهذا الغزو الإعلامي الوحشي والضاري أكبر الأثر على عقول شبابنا وأفئدة أطفالنا وشخصية نسائنا وتفكير كهولنا وشيوخنا ممن جعلوا أنفسهم كالإسفنجة التي تمتص وتشرب كل ما يلقى إليها ، وسمحوا للدخلاء من القنوات والفضائيات والانترنت أن يدخلوا بيوتهم وأن يربوا أبناءهم وبناتهم على النمط الأمريكي والنموذج الأوروبي . فأصبحنا نرى فئامًا كبيرةً من شباب المسلمين يعيشون بلا ضوابط ، وحياتهم بلا أهداف طموحة ولا معاني سامية . ونشأت أجيال مشوهة الأفكار ، مركوسة الفطرة ، تتبع الشهوات وتغوص في المنكرات وتجعل من الفنانين والرياضيين قدوة تحاكيها في كل شيء ، حفِظوا أسماءهم وأسماء آبائهم عن ظهر قلب ، في حين لا يعرفون من هم الخلفاء الراشدون الأربعة . لقد أصبح هذا الغزو إيدز العصر وأخطر التحديات التي تواجه الأمة المسلمة ، إذ لم يقتصر أثره على الاختراق السياسي وتشويه الحقائق وإلصاق التهم بل امتد إلى اختراق عقول الأمة وتشكيكها في دينها . لقد بدأت بعض الدول الكافرة تحذَر من الغزو الإعلامي والبث الفضائي وتعمل على تجنب آثاره ومضاره ، فعلى الرغم من اتجاه دول أوروبا إلى الوحدة السياسية المتمثلة بـ( دول الاتحاد الأوروبي ) ، وإلى الوحدة الاقتصادية المتمثلة بـ ( السوق الأوروبية المشتركة ) ، وإلى الوحدة النقدية المتمثل بـ ( اليورو) ، وإلى الوحدة العسكرية المتمثلة بـ ( حلف الناتو) ، بالرغم من كل ذلك التحالف والتلاحم إلا أن كل دولة من هذه الدول لا زالت تبذل جهودًا كبيرة للحفاظ على هويتها الثقافية التي تميزها عن غيرها من الأمم وإن كانت تربطها بها التحالفات والمعاهدات التي تحدد المصير في السلم والحرب ، وتحاول الوقوف في مواجهة الغزو الثقافي القادم مع البث المباشر من دول أخرى في القارة نفسها أو من خارجها. وهذا ما فعلته اليابان حفاظًا على ثقافتها وفكر وسلوكيات أبنائها، وهو أيضًا ما فعلته فرنسا وكندا اللتان ضاقتا بالغزو الإعلامي الثقافي الأمريكي . وإذا كان ذلك التخوف وتلك الإجراءات تتخذ من جانب دول كافرة ملحدة وذات قوة اقتصادية وإعلامية في مواجهة غزو إعلامي من دول كافرة مثلها ، فالحاجة أشدُّ في دولنا الإسلامية إلى مثل هذه الحماية وهذه الحيطة ، سيما وأن التأثير ليس فقط في عقول الأمة بل وفي شخصيتها وأخلاقها ودينها. لقد واجه العالم تطورًا علميًّا هائلًا قبل30 سنة تقريبًا يتمثل في توظيف الأقمار الصناعية في خدمة الإرسال التلفزيوني المباشر، دون حاجة إلى محطات أرضية ، وأصبح الإرسال يصل إلى المنازل مباشرة دون إمكان تدخل أجهزة الرقابة في الدول، وأصبح هذا التطور بشكِّل سلبيات تعاني منها الدول المستهدفة لعدم قدرتها على إيقاف البث أو السيطرة عليه . وقد استخدمت هذه القنوات من جانب دول الغرب ، سواء من خلال قنواتها المباشرة، أو من خلال إنتاجها الذي يمثل حوالي 50% من الإنتاج الذي تبثه كثير من القنوات في العالم الإسلامي في خدمة تسويق أخلاقهم ومجونهم وأساليب حياتهم وطرق تفكيرهم والعلاقات السائدة في مجتمعاتهم ، هذا إلى جانب تسويق منتجاتهم الاقتصادية ، والسيطرة على عقول