والمهم برأيي في هذا المقال أن الكاتب بيّن أنه على الرغم من أن مالك يعد عند كثيرين مفكرًا إسلاميًا, إلا أن الإسلاميين أنفسهم لا يقرؤونه قراءة سليمة, هذا إن قرؤوه فعلًا!, لقد بيّن محمد شاويش أن مالك بن نبي يشكل بفكره مدرسة خاصة من مدارس الاتجاه الفكري الإسلامي المعاصر, فطريقته"في طرح مشكلة المسلمين كمشكلة حضارة ودعوته المجتمع الإسلامي للنهوض بعمله الخاص الدؤوب ودون انتظار نيل الحقوق من طرف خارجي هي طريقة قيمة جدًا نحتاج إليها هذه الأيام حين نرى أن من الإسلاميين من يمحور كل نشاطه حول هدف مطالبة السلطة بحقوق أو قوانين ويترك مهمة الإصلاح الاجتماعي مؤجلة بانتظار تطبيق الشريعة الإسلامية! إن مالك بن نبي في رأيي يعلمنا أن تطبيق الشريعة هو واجبنا وعلينا أن نشرع به فورًا في أوسع أبوابه وهو باب بناء المجتمع المتين، لا في أضيق أبوابه وهو باب الجدل العقيم والتركيز على الفرعيات والبحث عن نقاط الاختلاف وليس عن نقاط الالتقاء بين المسلمين!" (مالك بن نبي والوضع الراهن, ص 72) .
ومن المهم أن نذكر أن محمد شاويش قد نبه في مقالات كثيرة, أنه لا يهتم بشعار (تطبيق الشريعة) كحل جاهز من الأعلى يستبدل القوانين السائدة بقوانين الشريعة, وذلك على طريقة الإسلامانيين, كما يسميهم, فهو يعتبر أن هذا الحل هو حل وهمي لن يفيد في نهوضنا, بل على العكس قد يؤدي إلى زيادة الانحطاط, ويستشهد بأمثلة السعودية والسودان وأفغانستان, إنه يرى الحل في دراسة مشكلة الحضارة, كما فعل مالك بن نبي, وفي تغيير السلوكيات الانحطاطية, وهو حل لا يتحقق باستلام السلطة وتغيير القوانين فقط .
أعتقد أن الكلام السابق هو الأمر الأساسي والمهم الذي يجب أن نستخلصه من كتابات مالك بن نبي. لأننا مازلنا حتى الأن في مجتمعاتنا خاضعين لفكرة أفقدتنا الفاعلية المطلوبة, وعطلت ما بين أيدينا من إمكانيات نهضوية وهي فكرة التغيير من الأعلى, من السلطة, فالسعي وراء السلطة على اعتبار أن تغييرها سيؤدي حتمًا للتغيير النهضوي المطلوب, جعلنا نهمل فكرة الإصلاح الإجتماعي, ونتقاعس عن أداء واجباتنا تجاه أوطاننا ومجتمعاتنا, هذا فضلًا عن سيادة تلك النزعة المدمرة في بلداننا وقد أسماها الأستاذ محمد شاويش نزعة (فرط التسيس) حيث أعاقت العمل الإجتماعي, وأنتجت مصائب كثيرة زادت من انحطاطنا ومواتنا الحضاري.
ياسين الحافظ ومالك بن نبي:
بعد أن يقدم الكاتب عرضًا مفصلًا لمصطلح الأفكار عند مالك بن نبي, يتنقل للحديث عن شخصيتين مختلفتين جدًا, بل ربما متناقضتين, ولكن الكاتب وجد في أفكارهما تشابهًا جديرًا بالدراسة والتأمل, هما مالك بن نبي الذي يُصنّف على أنه كاتب إسلامي, وياسين الحافظ اليساري الماركسي! (أجد أنه من الضروري أن أنبه القارئ الكريم إلى خطأ مطبعي في الكتاب جعل مقال محمد شاويش عن مالك وبن نبي وياسين الحافظ وكأنه فقرة من المقال السابق عن أفكار مالك, حيث أن دار النشر أغفلت إدراج مقال مالك بن نبي وياسين الحافظ في فهرس الكتاب, ووضعته مباشرة تحت مقال الأفكار عند مالك, فبدا وكأنه تابع له, مع أن المقال منفصل تمامًا, وهو يأتي في أهميته, برأيي, بعد المقال الذي تحدث فيه الكاتب عن موقع مالك بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر) .
قد يستغرب القارئ أن يكون هناك تشابه في أفكار الرجلين, ولكن الكاتب يلخص وجه التشابه بينهما بقوله:"ما يضع ياسين الحافظ ومالك بن نبي في طرف واحد في الفكر السياسي الحضاري العربي المعاصر هو أنهما خلافًا لبقية المفكرين تبنوا توجيهًا وحيدًا لمواطنيهما يمكن له أن يخرجهم من حالة الأفول الحضاري التي يعيشونها، ألا وهو التركيز على التغيير الداخلي، وعدم الاكتفاء بإلقاء اللوم على الطرف الخارجي وجعل المعركة معه هي وحدها الكفيلة بحل أزمة الوضع الدوني لمجتمعنا في العالم" (مالك بن نبي والوضع الراهن, ص 103, 104) .
قام محمد شاويش بتقديم دراسة مقارنة أظهرت"أن مقارنة الفكرين ودراسة التقاطعات بينهما قمينة أن تعلمنا أشياء كثيرة عن السمات المميزة للفكر العربي المعاصر التي تتجاوز الانقسامات الظاهرية بين يمين ويسار وتدين وعلمانية إلخ.. والسمات المشتركة للاتجاهات الفكرية العربية ناتجة من سبب موضوعي هو أنها تتعامل مع مشاكل واحدة، وسبب ذاتي هو أن أصحاب هذه الاتجاهات هم في النهاية رغم تناقضاتهم الظاهرية أبناء ثقافة واحدة تمارس تأثيرها عليهم وعلى أنماط تفكيرهم بطرق شعورية ولا شعورية" (مالك بن نبي والوضع الراهن, ص 104) .
وأعتقد أن دراسة كهذه تكمن أهميتها بأنها تنبهنا إلى وجوب الاستفادة من الأفكار المتنوعة التي يقدمها المفكرون الباحثون في النهضة بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية. فالقارئ العربي عمومًا, تعوّد أن يقرأ الأفكار من خلال انتماءات أصحابها وتصنيفاتهم, فهناك من أهمل دراسة مالك كونه كان يعتبره مفكرًا إسلاميًا رجعيًا(وقد سمعت محاضرًا يصف كيف وقع ضحية هذا الأمر, رغم أنه مفكر تأصيلي كما يصفه محمد شاويش, وهو غريغوار مرشو فقال: كنت لما أشاهد كتب مالك أتحسس منها ولا أريد قراءتها خشية التعصب الديني, فأنا كنت أعرف أنه رجل يحسب على رجال الدين. وعلى هذا ظل فترة من الزمن يبتعد عن قراءة مالك لأنه صنّفه تحت بند التعصب الديني, إلى أن أكتشف أن مالك هو أول رجل عربي حديث يفكر, ووجد أن هناك توافقًا فطريًا بينه وبين مالك!.
وأعتقد أن ما حصل مع مفكر كغريغوار, وهو لمن لا يعرفه, مفكر أصيل وكتاباته جديرة بالقراءة والتأمل, يقع فيه معظمنا أيضًا, سواء كنا نميل للاتجاه الإسلامي, أو الاتجاهات الأخرى).
وكما أُهمل مالك لأنه صُنّف, كذلك أهمل ياسين الحافظ. بل إن الرجلين لم يُقرأا, حتى من قبل أنصارهما, قراءة مفيدة وصحيحة!.
وهنا تكمن أهمية هذه الدراسة المقارنة التي قدمها محمد شاويش, والتي بيّن فيها طريقة الرجلين في بحثهما في حالة الانحطاط العربي, وكيف أنه على الرغم من اختلاف طريقة كل منهما في البحث إلا أنهما وصلا إلى نتيجة مشتركة تدعو"إلى تغيير الذات، في مواجهة الاتجاه الآخر الأكثر تأثيرًا بكثير الذي يمكن توصيفه بأنه اتجاه التركيز على الصراع مع الخارج وعد الخارج المسؤول الأول (وأحيانًا يعد المسؤول الأول والأخير!) عن المشاكل التي يعاني منها المجتمع العربي - الإسلامي ( وهذا الخارج هو الاستعمار والأنظمة التابعة له ) ." (مالك بن نبي والوضع الراهن , ص103) .
خاتمة:
إن هذا الكتاب, رغم صغر حجمه (134 صفحة!) يعتبر في رأيي, من الدراسات القليلة أو ربما الوحيدة, التي تعاملت مع فكر مالك بن نبي تعاملًا عمليًا, ونبّهت إلى أفكاره وعلاقتها بوضعنا الراهن. والكاتب يتناول أفكار مالك على هذا الأساس في مقالاته دائمًا.
وأعتقد أن هذه الطريقة هي المطلوبة في وضعنا الراهن, فالتخبط الذي نعيش فيه, والمشاكل التي تعصف بنا, جعلتنا نفقد التمييز بين الصح والخطأ, وأوقعتنا في مشاكل كثيرة, يرى كثيرون أن الخروج منها بات أقرب للمستحيل!