كما جاء في سفر إشعيا (35/1-10) : (قولوا لخائفي القلوب تشددوا لا تخافوا، هو ذا إلهكم، الانتقام يأتي، جزاء الله هو يأتي ويخصلكم، ومعذبو الرب يرجعون إلى صهيون بترنم وفرح أبدي على رؤوسهم، ابتهاج وفرح يدركانهم ويهرب الحزن والتنهد) . وفيه أيضًا (49/14-26) : «وقالت صهيون قد تركني الرب وسيدي نسيني؛ هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك. هكذا قال السيد الرب ها إني أرفع إلى الأمم يدي، وإلى الشعوب رايتي فيأتون بأولادك في الأحضان، وبناتك على الأكتاف يحملن، ويكون الملوك حاضنيك وسيداتهم مرضعاتك، بالوجوه إلى الأرض يسجدون لك ويلحسون غبار رجليك، وأنا أخاصم مخاصميك، وأخلص أولادك، وأطعم ظالميك لحم أنفسهم، ويسكرون بدمهم كما من سلاف، فيعلم كل بشر أني أنا الرب مخلصك وفاديك..» وقد وجدت الصهيونية في هذا النص سندًا قويًا لزيادة الاقتناع بصحة ما تدعو إليه، واعتبرت نفسها تحقيقًا لمعجزته التي بدأت تتحقق على أيدي الصهيونية، فقد بدأت الأمم تأتي بأبناء اليهود وبناتهم إلى فلسطين، وذلك بصدور وعد بلفور (2/11/1917) وموافقة عصبة الأمم المتحدة عليه، ثم بتأييد الولايات المتحدة وفرنسا وإنجلترا وإيطالية وروسية..
وتأتي دعوة هؤلاء للتفريق بين اليهودية والصهيونية في الوقت التي تطبق فيه الصهيونية نصوص اليهودية على أرض الواقع في فلسطين والجولان وجنوبي لبنان و.. فالتوراة المتداولة مليئة بالنصوص التي تنمي روح العزلة لديهم وتقوي كراهيتهم لجميع البشر، فهم الشعب المختار صاحب العبقرية المتميزة: «أنا الرب إليهم ميّزكم من الشعوب» (لاويين: 20/24) «وقد ميّزكم من الشعوب لتكونوا لي» (لاويين: 20/26) «لأنك شعب مقدس للرب إلهك: إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبًا أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض» (تثنية: 7/6) حتى إن «بنسكر» صاحب كتاب «التحرر الذاتي» لا يجد مناصًا من تقرير أن «الشخص الذي لا يقول: إن الشعب اليهودي هو شعب الله المختار، لا بد أن يكون أعمى» (ص: 48) بل إن «موسى هيس» صاحب كتاب «روما والقدس» يعتبر أن اليهودية هي أساس النظرة المعاصرة للحياة العالمية ليصل إلى القول بأن «اليهود وحدهم شعب الله» (ص: 31-32) مما حدا بهم إلى احتقار الأمم الأخرى والتعالي عليها، خاصة وأن التلمود يقول: «نحن شعب الله في الأرض، سخر لنا الحيوان الإنساني، وهو كل الأمم والأجناس، سخرهم لنا، لأ،ه يعلم أننا نحتاج إلى نوعين من الحيوان، نوع أعجم، كالدواب والأنعام والطير، ونوع كسائر الأمم من أهل المشرق والغرب.. إن اليهود من عنصر الله كالولد من عنصر أبيه، ومن يصفع اليهودي كمن صفع الله.. يباح لإسرائيل اغتصاب مال أي كان، وإن أموال غير اليهود كالمال المتروك يحق لليهودي أن يمتلكه.. وكما أن بني الإنسان يسْمُون على الحيوانات فإن اليهود يسمون على شعوب الأرض جميعًا» . (إسرائيل: فكرة، حركة، دولة: ص21) . هذا التمييز في النظر والتعامل نجده صريحًا في التوراة المتداولة، جاء في سفر التثنية (23/19-22) : «لا تقرض أخاك بربا، ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء مما يقرض بريا. للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا، لكي يباركك الرب إلهك» . وهذا يستتبع نشوء نظرة عدوانية لا شفقة فيها ولا رحمة، فكيف إذا ارتبط هذا الأمر بالقتل والتدمير والفتك والإرهاب؟ جاء في سفر التثنية (20/11-16) : «حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك أبوابها، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربًا، فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف.. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا، وأما المدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إليهك نصيبًا فلا تستبقِ منها نسمة ما» .
إن يهود وهم يتقدمون إلى فلسطين وغيرها من أراضينا جاؤوا يتغنون بنداء التوراة المتداولة بين أيديهم، يحدوهم الأمل ببناء «مملكة الله» واستعباد الشعوب.. «وبرائحة سروركم أرضى حين أخرجكم من بين الشعوب، وأجمعكم من ا لأراضي التي تفرقتم بها، وأتقدس فيكم أمام عيون الأمم، فتعلمون أني أنا الرب حين آتي بكم إلى الأرض التي رفعت يدي لأعطي آباءكم إياها..» (حزقيال: 22/41-42) «هكذا قال رب الجنود: ها أنذا أخلص شعبي من أرض المشرق، ومن أرض مغرب الشمس، وآتي بهم فيسكنون في وسط أورشليم، ويكونون لي شعبًا وأنا أكون لهم إلهًا» . (زكريا: 8/7-8) .
هذه النصوص وغيرها كثير في أسفار اليهود المقدسة [3] التي تدعوا إلى استئصال الأعداء، رجالًا ونساءً وأطفالًا، بل تمتد الدعوة إلى استئصال الحيوانات والنباتات والممتلكات جميعها، أي: الإبادة الشاملة للبشر وسواهم.. هي التي تربّى عليها الناشئة اليهودية منذ نعومة أظفارها في (الجيتو) اليهودي، وتنشَّأ الشبيبة في ضوئها وهداها، وازداد هذا بعد قيام الدولة على جزء من أرض فلسطين عام 1948م، فنجد الاهتمام بالدين اليهودي واللغة العبرية اهتمامًا يفوق اهتمام أي دولة أخرى بدينها ولغتها، يستوي في ذلك أقصى اليمين وأقصى اليسار، وهو ما عبر عنه أستاذ التربية وعميد الجامعة العبرية بقوله: «إن أكبر كمية من الدراسة هي: الثقافة العبرية الكلاسيكية، كما هو معبّر عنها في التوراة، وفي الأدب العبري القديم والحديث، وهذا هو الحبل المشترك القوي والإنساني الذي يوحد جميع اليهود، ويكوّن لهم تقاليدهم المشتركة، وقد حصص لهذه المواضيع بين ثلث إلى نصف وقت التدريس، وفي جميع المدارس سواء كانت تتبع المنهج الرسمي الديني أو العام، من أقصى اليمين الأرثوذكسي إلى اليسار المتطرف العلماني الاشتراكي يوجد تركيز كبير على التوراة في أصولها العبرية، لأن التوراة في إسرائيل ليست فقط الأدب القومي الكلاسيكي والمحتوى الأساسي للتقاليد الروحية والأخلاقية، ولكن لأنها أيضًا مصدر التاريخ القومي، وجغرافية ا لوطن، وطرق المعيشة «الفولكلورية» المتشركة واللغة العبرية الحية..» (تعليم العرب في إسرائيل: 41-42) فكيف يمكن التفريق بين الدعوة اليهودية والصهيونية، وما هو المقياس الذي يمكن أن يستخدم لتحقيق هذا الأمر؟
لقد عاش يهود بين ظهرانينا منذ فجر الدعوة الإسلامية، وتمتعوا بحقوق المواطنة الكاملة، وكانوا أهل ذمتنا، لم تمتد إليهم يد بسوء إلا إذا ارتكبوا ما يوجب القصاص، كما فعل بنو قينقاع عندما أرادوا كشف عورة امرأة مسلمة في سوقهم، وبنو النضير عندما تحالفوا مع المشركين العرب للقضاء على الإسلام والمسلمين.. وكانت العقوبة لا تنال إلا الذين يستحقها، لأنه في ديننا (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) .
إن الصهيونية هي التطبيق العلمي للقيم اليهودية المستمدة من التوراة والتلمود المتداول بين أيدي يهود.. هذه القيم هي التي جعلت يهود يأتون من مختلف بلدان الدنيا إلى فلسطين لتشريد أهلها واغتصاب أرضها لتحقيق مملكة إسرائيل الكبرى وبناء هيكل سليمان.. حتى إننا لنجد الزعماء اليهود الذي يصفهم دعاة التفريق بأنهم غير صهاينة ليسوا سوى أفراد عصابات ساهمت بالقتل والتشريد. من هؤلاء مثلًا: شتيرن وهو الذي قتل الكونت برنادوت الوسيط الدولي في فلسطين عام 1948م لأنه لم يحقق ما يريده يهود منه.