إلا أن هذه الشمعة وهذا البصيص والإضاءة الخفيفة لم يدم طويلًا، وبدأ يضمحل ويتقلص لأسباب داخلية وخارجية مع ظهور التسميات المختلفة للعقيدة الإسلامية، من أنها فكرة رجعية وتشدّدية وتطرّفية، وأخيرًا وليس آخرًا إرهابية، بجانب التخلف الثقافي والإداري والمالي للمسلمين، مع ما تعرضت له المناطق الإسلامية من القحط والمجاعة والفقر مرارًا، وعدم وجود مركز إسلامي موحد وقوي يعبر عن آرائهم ومشاكلهم والقيام بجمع كلمتهم، ويقوم بالحماية لحقوقهم ومطالبهم، فلم يتم استغلال هذه الفترة على الوجه المطلوب كما استغلتها الجهات المختلفة الأخرى - وبالذات المسيحية - وعلى رأسها الكنيسة، وقد كانت الحكومة في هذه الفترة حكومة انتقالية لفترة محددة تقوم من خلال هذه الفترة الانتقالية في إعداد الدستور العام الجديد للبلاد، يتمشى مع الوضع الجديد، لذا تم تكوين الأجهزة الفنية والإدارية اللازمة لإعداد الدستور الجديد في البلاد، وأثناء إعداد هذا الدستور لاحظ المسلمون إهمال حقوقهم وواجباتهم، والأهم من ذلك ما يتعلق بمحاكمهم الشرعية، وكما سبق أن أوضحنا أنه لم يكن يوجد جهاز إداري قوي يهتم بأحوالهم وأمورهم، وأن بما يُسمى المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية غير قادر وغير جاهز إداريًا وفنيًا للقيام بالنيابة عن المسلمين في البلاد، مع ضخامة حجم هذه المشاكل وتراكمها، لذا قرر المسلمون ومن خلال تجمعاتهم في المساجد والخلاوي وفي بعض المؤسسات الإسلامية الصغيرة أمثال: منظمة الشباب الإسلامي، وهيئات العلماء، وأنصار السنة، ولجنة تطوير وضع المحاكم الشرعية، وغيرها الخروج بمظاهرة ضخمة للتعبير عن مطالبهم وحقوقهم المهضومة، وإصلاح شأن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وبالذات أن هذه الفترة كانت فترة إعداد الدستور العام للبلاد، وقد انتهت اللجنة المعتمدة في ذلك من دراسة ووضع ما يجب اعتماده من البنود في دستور البلاد، وتجاهلت كل ما يتعلق بالمحاكم الشرعية للمسلمين وحقوقهم.
فتم تكوين لجنة من المسلمين لإعداد هذه المظاهرة شملت العلماء، والتجار، والأساتذة، والطلاب، والنساء، وموظفي الدولة من المسلمين وبالذات القضاة منهم؛ فتم تحديد اليوم والساعة للخروج بالمظاهرة وذلك في يوم 19 هدار 1987 حسب التقويم الإثيوبي، وقد تجمع أكثر من مليون مسلم اكتظت بهم الشوارع للوصول إلى قصر الرئاسة، وكان من البرنامج أن يقوم رئيس الوزراء آنذاك تامرات لايني في استقبال المتظاهرين للتباحث حول مطالبهم، إلا أن ضخامة هذه المظاهرة وكثرة المشاركين فيها دعت وألزمت تغيير البرنامج في أن يستقبل رئيس الحكومة الانتقالية آنذاك ورئيس الوزراء حاليًا ملس زيناوي، وبحضور الوزراء آنذاك تامرات لايني استجيبت مطالب المسلمين وأهمها ما يتعلق بالمحاكم الشرعية، وإصلاح وضع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وتحقيق مطالب المسلمين من الحقوق والواجبات، ورفع الظلم، وعدم التدخل في شؤونهم الدينية وما يتعلق بحقوق المرأة من الحجاب وغيرها وفق مضمون العقيدة الإسلامية، وكذا ما يتعلق بالطلاب المسلمين في المدارس المختلفة، والسماح لهم بأداء الصلاة في أوقاتها وغيرها من المطالب. وكانت النتيجة أن تم تكوين لجنة من الحكومة ومن الشخصيات المسلمة للتباحث حول هذه المطالب وتحقيقها.
إن ضخامة هذه المظاهرة كانت لها فوائد وآثار كبيرة إيجابية أهمها: اضطرار لجنة إعداد الدستور العام للبلاد للرجوع لدراسة وإضافة ما يتعلق من الحقوق والواجبات للمسلمين الإثيوبيين، وبالذات ما يتعلق بمحاكمهم الشرعية، وطرد أعضاء المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الذين عجزوا عن تقديم أي فوائد بما يعود بالنفع والصلاح على المسلمين الإثيوبيين، وتكوين لجنة مؤقتة لإعداد ودراسة وضع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ليكون بالوجه العصري المطلوب، ويتمشى مع التطورات الحالية، فتم تكوين هذه اللجنة من كل من الأساتذة والعلماء، والإداريين والقضاة، والمثقفين والشباب، ورجال المال والأعمال، والشخصيات المرموقة التي لها مكانة لدى الأسرة المسلمة، فوضعت هذه اللجنة مخططاتها وبرنامجها لتحقيق ذلك، ولقيت التأييد الشعبي من المسلمين من الأقاليم المختلفة في المدن والقرى.
ولضخامة هذه المظاهرة، وكثرة المشاركين فيها، وما أظهرت من الأعداد الهائلة للمسلمين؛ فقد أنزعجت البعثات الدبلوماسية الغربية، فقامت كل من الكنيسة والسفارة الأمريكية والإنجليزية بالاتصال مع الجهات المختلفة لمعرفة ودراسة مضمون وأهداف ودواعي ونتائج هذه المظاهرة، وهل بإمكان المسلمين مستقبلًا أن يكون لهم تأثير سلبي وخطورة عليهم وعلى أهدافهم وخططهم المستقبلية في المنطقة، وصرح السكرتير الأول في السفارة الأمريكية آنذاك: إن هذه المظاهرة الضخمة ليست وليدة يوم وليلة، بل تم إعدادها منذ وقت بعيد، وأن من ورائها جهات وحكومات أجنبية إسلامية، ولكن الحقيقة كانت غير ذلك.
المهم إن هذه المظاهرة قد فتحت الأعين على كل المسلمين في الأقاليم المختلفة في البلاد، ومنذ تلك اللحظة التي رأوا توحد صفوف المسلمين فيها؛ فبدأت الدسائس والوشايات للمغرضين والحاقدين على تحسين وضع الإسلام والمسلمين في هذه البلاد، وتمثل ذلك في الكنيسة ومن ورائها، وكذا المسؤولين المتصلبين في النظام، ومن بعض المنتفعين ممن ينسبون أنفسهم إلى الإسلام من المنافقين، وبدأت التدخلات السافرة، وإيجاد الفتن والقلاقل بين المسلمين، وحدثت مشكلة 22 من شهر رمضان المبارك 1987 حسب تقويم الإثيوبي في المسجد الكبير بالعاصمة أديس أبابا، وبرغم أن المشكلة لم تصل إلى الحد الذي يستدعي رجال الأمن والشرطة والجيش في ذلك إلا أن الجهات الحاقدة، والتي سبق أن أضمرت حقدها على وحدة صفوف المسلمين وجدت هذه الفرصة مناسبة، فأمرت رجال الأمن والشرطة بالتدخل في الأمر، وبدأت بإطلاق الرصاص على المسلمين، وقتل من قتل من المسلمين، وجرح العديد منهم. وبعد ذلك تمت الإغارة والحملة على مكاتب ومنازل أعضاء اللجنة المؤقتة لإدارة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والقبض عليهم، واغتيال السيد العجوز القعيد كفيف البصر سراج موسى أحد أعضاء اللجنة المؤقتة وأمين صندوقها، وتم القبض على خمسة وثلاثين عضوًا من العلماء والأساتذة، والإداريين والقضاة، والشباب ورجال المال والأعمال من أعضاء اللجنة المؤقتة للمجلس، وتم إيداعهم في السجن المركزي، وتم إغلاق المسجد الكبير أمام المصلين مدة خمسة أيام من أواخر شهر رمضان المبارك، وهكذا تم القضاء على بصيص الأمل الذي ظهر للمسلمين في هذه البلاد، واستمر الحبس لهؤلاء الأعضاء؛ فمنهم من قضى ثلاث سنوات، ومنهم خمس سنوات، ومنهم ثمان سنوات، وكانت النتيجة النهائية لدى المحاكم التي نظرت في هذه القضية أن هؤلاء الأعضاء المحجوزين ليست لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة مما ادعته الحكومة عليهم من الادّعات الكاذبة.
وفي خلال هذه الفترة من الحجز لهؤلاء الأعضاء تم اتخاذ الآتي:
1-إغلاق جميع المؤسسات الإسلامية الصغيرة مثل: منظمة الشباب الإسلامي، وهيئة العلماء، وأنصار السنة والجماعة.
2-تكوين أعضاء للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية من كوادر الحزب الحاكم، ومن العلماء الصوفيين، واستبعاد أهل السنة والجماعة والمثقفين.