فهرس الكتاب

الصفحة 1625 من 3028

أما الجانب الإيجابي: عندما أعلن النظام المبادئ الشيوعية في البلاد كان عليه أن يضرب بالدرجة الأولى الفكرة الإقطاعية، والملكية الخاصة؛ فإذا عرفنا أن ملكية الأرض كانت مقسمة بين النظام الحاكم الملكي وأعوانه ومنسوبي الحكام من الجيوش والحاشية، وبين الكنيسة المرشد الروحي العالي للحكام المستبدين؛ فإن المتضررين والمتأثرين من النظام الشيوعي كانت الطبقة الحاكمة وأتباعها والكنيسة بالدرجة الأولى، فلم يكتف النظام بالتأميم على الأراضي ووسائل الإنتاج، بل تطور الأمر إلى تأميم المباني الخاصة في المدن، وكانت غالبيتها تعود ملكيتها للأطراف المذكورة آنفًا. بالإضافة إلى ذلك فإنه ونظرًا لقلقه من معارضة النظام الإقطاعي البائد قام بإعدام كبار المسؤولين من المدنيين والعسكريين وأعوان الإمبراطور لما حس منهم الخوف والقلق على نظامه ومبادئه وخططه، وبرنامجه الشيوعي والاشتراكي، وكون أن المسلمين لم يكونوا جزأ من هذه القيادة العليا، ولم يكن لهم دور في ذلك؛ فإنه لم يتعرض منهم أحد لهذا القصاص، ومن ناحية أخرى فإن هذا النظام ساعد على تقليص سلطة الكنيسة، وتقليص مواردها المالية، واتهامها بأنها كانت الساعد الأيمن لحكم الأباطرة في البلاد مما ساعد على تخلف البلاد اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، حيث إن الكنيسة تعج بالجهلاء والمخرفين والمتخلفين عقليًا وفكريًا الذين قاموا بنقل خرافاتهم وجهالاتهم إلى الشعب عمومًا تحت شعار الصليب الذي يحملونه على صدورهم وبأياديهم، ودعوة المواطن المسيحي إلى الاقتداء بهم، حتى أصبح المواطن لا يخطو خطوات في أعماله وفي أفكاره وفي معتقداته إلا بمشورة القس أو الأب الروحي كما يسمونه؛ مما نتج أن عدد الأيام التي كان يعمل بها المواطن المسيحي زراعيًا وتجاريًا وتعليميًا أقل من عشرين في المئة من عدد أيام السنة، مما سبب التخلف في البلاد في جميع الميادين، لذا وجد هذا النظام في الكنيسة السبب المباشر فيما آلت إليه البلاد من التخلف نتيجة سيطرتها الروحية والمالية على الأباطرة وعلى الشعب، ومن جانب آخر فإن هذا النظام الشيوعي قد قام بتقليص علاقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية بالأنظمة الرأسمالية الغربية الإقطاعية، وهي مولد ومنبع الهيئات والجمعيات التنصيرية، فاتجه مباشرة صوب الدول الاشتراكية والشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي الروسي آن ذاك، وكانت نتيجة ذلك أن تقلّص دور الجمعيات والهيئات التنصيرية الغربية التي تحظى وتنال الدعم والمساندة والرعاية من الأباطرة والكنيسة في البلاد، كما أن هذا النظام وجد الظلم والقمع الذي كان مطبقًا على المسلمين في هذه البلاد من قبل الحكام والكنيسة لذا رغب في إزالة بعض هذه الصعوبات، ومساعدة المسلمين في بعض الجوانب، فسمح لهم ببناء المساجد والمدارس الإسلامية في بعض المدن التي كان يحرم فيها الإقامة على المسلمين، ودفن موتاهم، بحجة أنها مدن مقدسة لدى المسيحيين، وتحمل أسماء تتعلق في مضمونها بعقيدتهم المسيحية كما يزعمون مثل: دبر زيت، دبر برهان، دبر مارقوس، دبر سينا وهكذا، ففي مثل هذه المدن ليس فقط إقامة المساجد، ورفع الأذان، أو إنشاء مدارس إسلامية؛ لم يكن يسمح بأن يقيم فيها مسلم، أو يدفن فيها إن مات، أو يبيت فيها لو تعطلت مركبته؛ لأنه في اعتقادهم يعتبر نجسًا، ناهيك عن هذا فإن أي غرفة في فندق ما بات فيها مسلم، أو ماعون أكل فيه المسلم، أو قدح شرب به هذا المسلم؛ يتم فورًا استدعاء القس المعتمد في الحي لإجراء الطقوس اللازمة لتطهيرها، هكذا كانت الكراهية للمسلم في هذه الأماكن.

كما أن هذا النظام بدأ ولو بطريقة مبسطة ومحدودة الانفتاح مع العالم العربي والإسلامي، وبالذات مع الدول العربية ذات الميول الاشتراكية، ولأول مرة بدأ بتبادل التهاني مع الحكام في الدول العربية والإسلامية في المناسبات والأعياد المختلفة، مع السماح لبعض الدول العربية في افتتاح سفارات أو بعثات دبلوماسية لدى البلاد، وتبادل الزيارات لبعض المسؤولين في الدولة.

أما الجانب السلبي لهذا النظام بالنسبة للمسلمين فتمثل فيما يلي:

جاء النظام بالمبدأ الشيوعي الإلحادي كأساس، وتمثل في رأس هرم السلطة، ومنه يتم تطبيق هذا النظام، وهذا المبدأ في جميع السلطة التشريعية والتنفيذية كلها لا بد أن يدين أعضاؤها ومنسوبوها بالمبدأ الشيوعي الإلحادي؛ لذا نجده وبناء على أن الانضمام للعمل في الأجهزة المختلفة في الدولة يشترط أن يكون المنتسب فيها عضوًا أو كادرًا للحزب الشيوعي الحاكم بما فيه الأجهزة والميادين العسكرية والنسائية، والشبابية والرياضية، والدبلوماسية والثقافية إلخ.

ومن أجل الانضمام لهذه العضوية يجب ويتطلب على الشخص أن يقسم بعدم انتمائه لأي دين أو ملة ما، إسلامية أو مسيحية أو بوذية أو غيرها، وهذا الشرط لم يساعد المسلمين الغيورين على دينهم وعقيدتهم الانضمام إليه؛ لأنه ليس من السهل للمسلم الحقيقي أن يقسم ويحلف بالكفر على خالقه ورازقه الواحد الأحد، ومن ثم يرتدي اللباس الأزرق السماوي وعليه شعار المنجل والمطرقة، مضمونة أنه عضو في الحزب الحاكم أو في كوادره، وعقيدته الإلحاد الذي يعني عدم وجود خالق - والعياذ بالله -.

لم يسمح الظلم بتطوير العلاقات اللازمة مع الدول الإسلامية والعربية وبالذات الخليجية منها، ولم يسمح للمسلمين الاتصال بإخوانهم من العرب والمسلمين على الوجه المطلوب، ولم يطور مكاتبه الدبلوماسية في الدول العربية والإسلامية بالأجهزة والكوادر الكفؤة لتطوير العلاقات المختلفة بين إثيوبيا وبين هذه البلاد، وكانت حجة هذا النظام أنه يرى أن الدول الإسلامية والعربية - وبالذات الدول الخليجية - تقف وراء الانفصاليين في الشمال وبالذات في أرتيريا، وتقدم لهم المساعدات العينية والمادية والعسكرية المختلفة لتحقيق الانفصال عن البلاد، وضرب وحدة البلاد.

تأميم وسائل الإنتاج والممتلكات الخاصة كان لها نصيب من الأضرار على المسلمين أيضًا، وكما علمنا أن النظام قام بتأميم وسائل الإنتاج، وعدم السماح بالملكية الخاصة في كل شيء، فإذا علمنا أن المجال الذي أتيح للمسلمين في السابق كان الزراعة والرعي والتجارة، فإن تدخل الدولة في هذه الميادين قد أضرّ أيضًا بالمسلمين حيث أدّى إلى عدم تطوير مجالات عملهم وبالذات المجال التجاري، وتحديد الاتجاه للعمل مع الدول الشيوعية في جميع الميادين المختلفة.

اتجه هذا النظام إلى تقليص النشاط الديني، واعتباره أفيون كما يسميه الشيوعيون، وعليه قد فُتح ميدان الإلحاد والفساد والانحلال مما كان له نتائج سلبية على شباب المسلمين الذين هم أصلًا يفتقرون لمبادئ عقيدتهم الإسلامية نتيجة عدم توفر المدارس الدينية، لذا نجد انتشار الفساد، والانحلال الخلقي والاجتماعي، وتفت الأسر المسلمة، وعدم تحكم الآباء في أبنائهم وبناتهم، والزوج على زوجته، وانتشار النوادي والملاهي الليلية؛ وكان لهذا نتائج سلبية على عقيدتهم.

الموقع الجغرافي السكاني للمسلمين في إثيوبيا:

الموقع الجغرافي السكاني للمسلمين في الحبشة، وآثار الحروب والمجاعة، والقحط والتخلف، والفقر الذي تعرضت وتتعرض له مناطقهم بين حين وآخر، كان لها نتائج سلبية على حياتهم الدينية والاجتماعية، والاقتصادية والثقافية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت