فهرس الكتاب

الصفحة 1624 من 3028

سلاح رهيب يتقنه الأحباش، ويتفقون فيه في عهد الإمبراطور هيلا سلاسي وهو سلاح الإهمال والنسيان سددوه إلى المسلمين، فسرعان ما فقد المسلمون جميع ما كسبوه في عهد المساواة الذي ساد في عهد الطليان، وعادت الأمور إلى ما كانت عليه، وأصبح محرّمًا على المسلم مرة أخرى تولي الوظائف الهامة، أو الالتحاق في الجيش، أو الخدمة في الشرطة، أو التمتع بوسائل التعليم الحديثة التي تعتني بها الدولة غاية العناية، وتنفق عليها جانبًا هامًا من أموال الدولة، الذي تحصل على أغلبه من الضرائب التي يدفعها المسلمون، وإنك لا تجد مسلمًا موفدًا في بعثة من تلك البعثات التي تعلق الدولة عليها آمالها للمستقبل، وخلاصة القول هو أن ما يمكن أن يتصوره القارئ من وسائل الظلم والإهمال وسوء المعاملة يجده مطبقًا في أسوأ حالاته في هذا الحكم، في هدوء وبرود وبراءة، والوضع الذي كان سائدًا في الحبشة في هذه الفترة هو طبقة متميزة حاكمة تتألف من المسيحيين، فمنها الحاكم والموظفون في جميع الدرجات ومنها الجيش والشرطة ورجال الأمن، وقليل منهم يعملون في الزراعة، والباقون لا يزالون يعيشون في حالة مذهلة من التخلف والبداوة، وتبذل الحكومة أقصى جهدها لرفع شأنهم وتخصهم بعنايتها حتى تغير من أحوالهم في أقصر وقت لتزداد قوة المسيحيين تمكّنًا وثباتًا، هذا بالإضافة إلى رجال الكنيسة الذين بلغ عددهم حوالي ثلث عدد المسيحيين، ويعيشون على موارد ثلث أراضي الحبشة الموقوفة لهم؛ إذ بلغ عدد كنائسهم أكثر من ثلاثين ألف في طول البلاد وعرضها، وبلغ عدد الكهنة أكثر من أربعين ألفًا يقومون بالإشراف على إدارة الكنيسة، والتنصير ونشر الإلحاد والضلال، بجانب أنه تم تعميم بناء الكنائس في الأرياف والقرى والمدن وبالذات في المناطق الإسلامية حتى ولو لم يكن فيها مسيحيّ، أما الطبقة الأخرى فهي من المسلمين الذين هم غالبية أهل البلاد، وتتكون منهم الطبقة المحكومة، تُطبّق عليهم أساليب التفرقة التي سادت منذ أقصى عصور التاريخ، وكذلك في العصور الوسطى، من تقسيم الشعب إلى سادة وعبيد، فالمسيحيون هم السادة والمسلمون هم العبيد، عليهم حراثة الأرض، ومزاولة الحرف والتجارة، ودفع عملية الحياة في البلاد تسوقهم الطبقة الحاكمة إلى ذلك سوقًا، وتجبي منهم الضرائب والعشور، وتفرض عليهم أداءها عدة مرات كل ما شاء حكام المناطق ورجال الأمن الحصول عليها، ثم بعد ذلك كله يُحرم المسلمون من التمتع بحقوقهم كمواطنين، بل تُطبق عليهم قوانين مستوردة تكسر من شوكتهم، وتحيطهم بسياج لا يمكن تخطيه، وتضغط عليهم للبقاء في أوضاعهم بحيث لا يتمكنون من أن تقوم لهم قائمة.

ومن أهم الأساليب التي تدفع الحكام المسيحيين إلى الإمعان في الضغط والظلم وتضييق الخناق على المسلمين في هذا الفترة معرفتهم التامة بالحقيقة الخافية عن العالم، وهي أن المسلمين أصبحوا غالبية بين أهل البلاد، ويتمّيزون بصفات لا تتوفر لدى المسيحيين، ولقد أجمع جميع الكتاب والمؤرخين والرحالة الأجانب على أن المسلمين يتميزون بالنشاط والذكاء، والدأب على العمل، ويُعرفون بنظافتهم وتفوقهم في مجال المدنية، وتفتح الذهن والاستعداد الطبيعي لسرعة التقدم إذا أُتيحت لهم سبل العلم والمعرفة، لذلك اتفقت كلمة حكام الأحباش على الإمعان والإصرار والعناد على ما يفرضونه على المسلمين من حرمان وإهمال، ويعلم الحكام أيضًا من حوادث تاريخهم القريب إلى الأذهان أن المسلمين إذا تجمعت كلمتهم أصبحوا خطرًا لا قبل لهم بمواجهته؛ لذلك يعتمد الحكام في استمرار الوضع الراهن بتقطيع أوصال المسلمين، والمقاطعات الإسلامية، ومواجهة ومحاربة كل بادرة من بوادر الاتصال بينهم في الداخل، وفيما بينهم وبين إخوانهم في العقيدة بالخارج، بل يعمد المسؤولون على إثارة الخلافات والنعرات القبلية والطائفية والعنصرية بين المسلمين، ويعملون على توسيع أسباب الشقاق والخلاف بينهم، والحكام في هذا السبيل لا يعدمون الوسائل المتعددة، فهم يضربون فريقًا بفريق، ويشترون ذمم بعض ضعاف النفوس، ويخصون بوظائف الأئمة وقضاة الشريعة من يدين لهم بالطاعة والولاء، وإذا لمسوا من أي مسلم نزعة إلى التحرر أو الاحتجاج نزلت به أقسى أنواع المعاملة من تشريد وحرمان وسجن، ثم اغتيال إذا استدعى الأمر ذلك، وهذا هو الواجب الأول المناط على الحكام الذين يعيّنهم الإمبراطور على مختلف مقاطعات الدولة.

فقد ظل الإمبراطور يعمل جاهدًا للاستمرار في استخدام هذه الأساليب طوال خمسين سنة، وتحت شعار هام كان ينادي به وبمباركة الكنيسة (إثيوبيا جزيرة مسيحية) ، وخلاصة القول في هذه المرحلة إنّ ما سُمح للمسلمين من المهن المُناطة بهم هي: الزراعة والرعي والتجارة فقط، ولكل منهم القيام بتسديد الضرائب والأتاوات، والعلاوات والعشورات للحكام وللكنيسة؛ فكما سبق أن قلنا: إنه تم توظيف ثلث أرض البلاد للكنيسة، وما تبقى من الأراضي للحكام وأتباعهم، وعليه فإن على المزارع والراعي المسلم (المحروم أصلًا تملّكه لآلية ووسائل الإنتاج) أن يعمل جاهدًا على تسديد هذه الضرائب والأتاوات والعلاوات للحكام والكنيسة، ويتمثل ذلك ماديًا وعينيًا، فمثلًا لو قلنا: إن مزارعًا مسلمًا قام بمزاولة مهنة الزراعة فعند حصد محصولاته الزراعية في نهاية السنة، وقبل أن يأخذ شيئًا لبيته لإعالة أبنائه أو أسرته يقوم بشحن جزء من هذا المحصول على دابته قاطعًا المسافات الطويلة ماشيًا على الأقدام للحكام أو للكنيسة التي تملك هذه الأرض، أو لمن يتم تفويضه من قبلهم؛ لتسليمها لهم عينة من هذا الإنتاج الزراعي موضحًا الكمية التي حصل عليها، ويأتي بعد ذلك تسديد الضرائب ماديًا، أي أن الفلاح المسلم يضطر لدفع الضرائب والأتاوات مرتين في السنة على الأقل عينيًا وماديًا، وإذا لم يقم أو يتأخر بتنفيذ ذلك يتم سحب الأرض منه وطرده، ناهيك عما يدفعه من الرشاوي والعلاوات لرجال الأمن ومنسوبي الحكام المعتمدين في هذه الأقاليم والمحيطين بموقعه وموقع سكنه ومزارعه، والغريب في الأمر أن من يرتد عن عقيدته الإسلامية بإمكانه الحصول والتملك على قطعة أرض إن كان فلاحًا، أو الانضمام إلى الوظائف في الدولة وبالذات في الميادين العسكرية والشرطة والأمن، وبالتالي التمتع بميزة الترقية والحصول على المنح والعلاوة المختلفة.

المسلمون في عهد الحكومة الشيوعية العسكرية (1967-1984م) :

كان لهذا النظام جانب إيجابي وجانب سلبي بالنسبة للمسلمين والإسلام في هذه البلاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت