ثم في سنة (1285هـ/1868م) نالت الجمعية العلمية السورية اعتراف الحكومة بها، وفسحت المجال للاشتراك فيها حتى ضمت أعضاءً كثيرين بارزين من الذين كانوا يقطنون خارج البلاد، وخاصة في إستانبول والقاهرة، وتحسنت الصلات بين بعض الساسة من أوروبا وأعضاء فيها، وفي هذه الجمعية ظهر أول صوت يدعو بوضوح وصراحة لحركة القومية العربية، وذلك عندما ألقى إبراهيم بن ناصيف اليازجي على ثمانية من أعضائها قصيدة اتخذت صورة النشيد الوطني، وَرَد فيها تحريض للعرب على الثورة على الترك، وفخر بأمجاد العرب وأدبهم، وقد ذاعت هذه القصيدة ذيوعًا واسعًا.
وفي سنة 1870م (1287هـ) أصدر بطرس البستاني صحيفة (الجنان) ـ وهي صحيفة سياسية أدبية ـ دعا فيها إلى أن ازدهار الشرق يقوم على «الحكم الصالح الذي لا يمكن أن يقوم إلا بفضل اشتراك الجميع فيه، وفصل الدين عن السياسة، وقبل كل شيء: إقامة العدل والاتحاد بين أبناء الأديان المختلفة، وتقوية الشعور الوطني الموحد بين جميع المواطنين العثمانيين» (1) ، وقد جعل شعار صحيفته: (حب الوطن من الإيمان) ، وهو شعار لم يكن يعرفه العالم العربي حتى ذلك الزمن، وهكذا بات الطريق مفتوحًا أمام الجيل الأول من دعاة الوطنية الذين ينادون صراحة بأن الولاء الديني لا يصلح أساسًا للحياة السياسية.
وفي سنة 1875م (1292هـ) أسَّس خمسة شبان تلقوا العلم في الكلية السورية الإنجيلية في بيروت ـ وهم جميعًا نصارى من مريدي اليازجي والبستاني، ومن أبرزهم: إبراهيم اليازجي والدكتور فارس نمر (2) ـ أسَّسوا جمعية سرية قامت على أساس قومي هي (جمعية بيروت) »، وهي تعد أول حزب سياسي في هذه البلاد، فعادت العثمانيين وسمَّت دولتهم باسم تركيا، وكان من أهم مبادئها: فصل الدين عن الدولة واعتبار الجنس العربي هو الأساس، والغريب من تلك الجمعية اتهامها الدولة العثمانية باغتصاب الخلافة الإسلامية من العرب والتفريط في الدين، مع العلم أن أعضاءها المؤسسين ليسوا بمسلمين كما ذكر سابقًا، و أن من انضم إليها لاحقًا كان قوميًا علمانيًا، بل إن كاهنًا كاثوليكيًا كان يدعو في جريدته (النحلة) في الفترة نفسها إلى «الإصلاح الديني [الإسلامي] بلهجة العربي القومي، وهاجم عبد الحميد واصفًا إياه (بمغتصب لقب الخليفة) » (3) .
وإضافة إلى الاهتمام بالتعليم وتكوين الجمعيات السرية والعلنية، نشط نصارى الشام في نشر أفكارهم المتمثلة في العلمانية والقومية العربية عن طريق إصدار الصحف والمجلات التي كانت الوسيلة الإعلامية العامة الوحيدة آنذاك.
ولكن لم يكن النصارى وحدهم الدعاة إلى هذه الأفكار الجديدة في الشام، بل كان هناك بعض (علماء المسلمين) الذين تأثروا بهذه الدعوة، وعلى رأس هؤلاء برز في هذه المرحلة: عبد الرحمن الكواكبي (1265ـ1320هـ/1848 ـ1902م) الذي أخذ على عاتقه الدعوة إلى (الوحدة الوطنية) وفصل الدين عن الدولة، فكان ـ كما يقول حفيده سعد زغلول الكواكبي عنه ـ: «أول رائد لفلسفة العلمانية مجاهرًا بها بين المسلمين» (4) .
الجزائر (5) :
يعد الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة (1246هـ/1830م) ، نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة، وقد كان لهذا الاحتلال عوامل دينية وعمرانية (حضارية) لا تخفى، عبَّر عن هذا بورمون قائد الحملة على الجزائر عندما أقام صلاة الشكر احتفالًا بالنصر، وبعث للملك الفرنسي وصفًا لهذا الاحتفال قال في نهايته: «مولاي! لقد فتحت بهذا العمل بابًا للمسيحية على شاطئ إفريقيا، ورجاؤنا أن يكون هذا العمل بداية لازدهار الحضارة التي اندثرت في تلك البلاد» ، ولم يُخف المؤرخون المحدثون هذه الحقيقة، فوصف إدوارد يور المؤرخ الفرنسي المعروف حادث الاستيلاء على الجزائر بأنه: «كان أول إسفين دُقَّ في ظهر الإسلام» (1) .
وفي هذه الفترة المبكرة وبعد أن استقرت أقدامهم عمل الاحتلال الفرنسي على مصادرة الأوقاف وإغلاق مراكز التعليم بالمساجد والكتاتيب، وإذا ما سمحوا بالتعليم ورخصوا بالكتاتيب ـ على قلة ذلك ـ «فمن شروط الترخيص ألا يُدرَّس تفسير القرآن، أو تاريخ الجزائر... » (2) .
وفي القضاء انتزع الفرنسيون تدريجيًا اختصاصات المحاكم الشرعية وحولوها إلى محاكمهم المدنية.
كما عمل (جنرالات الجيش الفرنسي) وسياسيوه بالتعاون مع (رجال الدين المسيحي) على استنبات بذور تغريبية جزائرية النسب وفرنسية الولاء، فاستمالوا في هذه المرحلة المبكرة بعض مشايخ الطرق الصوفية ورجال الزوايا والأعيان وأشباه الفقهاء ممن أنابهم الاحتلال عنه، فشرع الاحتلال ينظم لهم الرحلات إلى فرنسا، وربما أقدم على تسريب الفتيات الفرنسيات زوجات لبعضهم مؤثِّرات وجاسوسات، فتحولت بعض هذه الزوايا وأصحابها إلى بؤر لترويج التغريب وتشويه الدين ومسالمة الاستعمار معتبرة إياه (قضاءً وقدرًا) ؛ حيث أفتى بعضهم بقبول الاحتلال كقدر.
أما من جهة المقاومة: فقد بايعت بعض القبائل عام 1832م (1248هـ) الأمير عبد القادر على الأساس الديني (للجهاد ضد الكفار) فاتخذ لقب أمير المؤمنين ودعا القبائل لطاعته بدافع الدين، وأطلق على الأراضي المحتلة اسم (دار الكفر) وعلى البلاد التابعة له (دار الإسلام) .
ولكن في الوقت نفسه استعان عبد القادر بالأوروبيين من مختلف الجنسيات لتدريب الجيش ولإقامة مصانع للذخيرة، وقرّب بعضهم، وقد اشتهر من بين هؤلاء المستشرق الفرنسي (!) ليون روش الذي اتخذه الأمير مستشارًا له بعد أن اعتنق الإسلام، فأقام عنده نحو أربع سنوات، وعندما انقطع الصلح بين الأمير وجيش الاحتلال سنة 1839م (1255هـ) رفض روش اتِّباع الأمير في استئناف القتال، واعترف له بأنه تظاهر باعتناق الإسلام، ومع ذلك فقد أخلى سبيله، ثم تبين بعد ذلك أنه كان جاسوسًا.
ويقدم لنا الأمير عبد القادر الجزائري نموذجًا واضحًا لأثر العوامل المساعدة التي ذكرناها سابقًا (كالهزيمة النفسية وانحراف مفهوم القضاء والقدر، إضافة إلى البعثات والرحلات المنظمة والمقصودة) في التحول نحو القبول والميل تجاه التغريب والعلمنة، فهذا الأمير الذي قضى من عمره خمسة عشر عامًا في (جهاد الكفار) حدث له تحول كبير بعد ذلك؛ فبعد هزيمته العسكرية في آخر سنة 1847م (1263هـ) التي أعقبها إيقافه للقتال ثم غدر الفرنسيين به وأسره وترحيله إلى فرنسا.. أطلقه نابليون الثالث من الأسر «وأمر بنقله إلى (بروسة) من أملاك الدولة العثمانية، وأثناء مروره بباريس قدم تعهدًا كتابيًا بألا يفعل شيئًا ضد فرنسا.
ومنذ ذلك الوقت أصبح يسوده شعور بالعرفان بالجميل نحو نابليون ونحو فرنسا بصفة عامة! حتى إنه طلب الاشتراك في الاقتراع على الإمبراطورية في نوفمبر 1852م [1269هـ] (لأن الأخوَّة تجعلنا مواطنين فرنسيين!) .. كذلك ساد الأمير شعور بالتفاوت الحضاري وتفوق قوة فرنسا المادية، وأصبح مقتنعًا (بأن الله هو الذي أراد هزيمة المسلمين لأنهم انحرفوا عن دينهم، وعليهم أن يقبلوا بالمصير الذي انتهوا إليه) .. بل إنه أظهر في مناسبات كثيرة تعاونه مع فرنسا، كما اشتهر بإنقاذه للمسيحيين في أحداث سنة (1276هـ/1860م) بدمشق» (3) ، ولا غرابة في ذلك إذا عرفنا أن الأمير عبد القادر كان راسخ القدم في التصوف (4) ، كما أنه شايع الماسونية بعد انتقاله إلى سورية (5) .
(*) هذه المقالات مقتطفات مختصرة من كتاب يُعِدُّه الأخ الكاتب عن تاريخ العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي، وقد آثر - جزاه الله خيرًا - مجلة البيان بنشر هذه المقالات قبل نشره للكتاب. ـ البيان ـ