فهرس الكتاب

الصفحة 1614 من 3028

في هذه المرحلة الزمنية نفسها (1830ـ 1881م) خرج من سلطان الدولة العثمانية بعض البلدان؛ مما عمق إحساس الدولة العثمانية بالانكسار والهزيمة، ودفعها إلى إجراء مزيد من (الإصلاحات) في الجيش ونظم الحكم، ولكن الدولة كانت تهوي في الحقيقة إلى هاوية التبعية والتغريب بتشجيع الغرب؛ فقد زود السفير الإنجليزي (ستراتفورد كاننج) بتعليمات من وزير خارجيته اللورد (إبردين) خلال سفارته الثانية لدى الباب العالي عام 1842م (1258 هـ) لتأييد الإصلاحات الحكيمة التي درست دراسة جيدة «مما يوفر لحكومة السلطان الاستقرار والثبات اللازمين لها» (3) ، وهذا السفير نفسه كان يعتقد أن «الإمبراطورية التركية تحث الخطا نحو تفككها بصورة واضحة، والفرصة الوحيدة التي تمكنها من البقاء متماسكة لأي فترة زمنية أطول يتيحها لها تقربها من حضارة العالم المسيحي» (4) .

وفي هذا الإطار وبذريعة (الإصلاح) صدرت (التنظيمات) ، «وقد استندت حركة (التنظيمات) إلى مرسومين سلطانيين صدرا خلال عهد السلطان عبد المجيد.. أولهما في عام 1839م (خط شريف همايوني) ، المشهور بـ (منشور كُلْخانة) الذي وضعه [الصدر الأعظم ] مصطفى رشيد باشا تلميذ المستشرق [الفرنسي] سلفستر دي ساس، ووزير الخارجية [محمد أمين عالي باشا ] في مطلع عهد عبد المجيد.

وقد كفلت [هذه] (التنظيمات) مساواة المسلمين والذميين من الرعايا العثمانيين أمام القانون، مقابل الحفاظ على كيان الدولة العثمانية بعد أن هددها محمد علي [في الفترة] (1839 ـ 1841م) بموجب معاهدة لندن.

وثانيهما في عام 1856م (خط شريف همايوني) الذي عرف بـ (منشور التنظيمات الخيرية) ، وقد صدر عقب حرب القرم (1854-1856م) .. فكان ثمن هذه الهزيمة أيضًا منشور التنظيمات الخيرية الذي أكد ـ كسابقه ـ المساواة في ذلك بالضرائب (إلغاء الجزية) وتمثيل الطوائف غير الإسلامية بمجالس محلية وفي مجلس القضاء الأعلى» (5) .

وقد كان وراء هذه التنظيمات رشيد باشا الصدر الأعظم للسلطان الشاب عبد المجيد، أكبر شخصية ماسونية في وقته، ومن ثم: احتضن الماسونيين العثمانيين، ووجه أجهزة الدولة نحو التمسك بتمثل أوروبا والبعد عن التوجه الإسلامي.

وفي عام (1282هـ/1865م) وفي ظل الحماية التي وفَّرها مدحت باشا (تلميذ رشيد باشا) للتيار التغريبي قامت مجموعة صغيرة (6 أفراد) من العناصر العثمانية ذوي الميول الليبرالية بعقد اجتماع سري اتفق فيه على تأسيس (جمعية شباب العثمانيين) (6) على غرار جمعية إيطالية أقرب إلى الماسونية العسكرية، هي جمعية الكاربوناري (إيطاليا الفتاة) ، وقد أطلق الأوروبيون على (جمعية شباب العثمانيين) اسم: (تركيا الفتاة) ، وكان من أبرز أعضائها: الشاعر نامق كمال، وضياء باشا، وآية الله بك، وإبراهيم شناسي، وقد اصطبغ نشاطها في البداية بالصبغة الأدبية الثقافية، باعتبارها حركة تهدف إلى الدعوة لإصلاح الدولة العثمانية من منظور غربي علماني، وتجلت أهدافها في أربعة مبادئ: الحرية الفردية، وقيام النظام الدستوري، والقضاء على الإقطاع، والتحرر من السيطرة الأجنبية.

وقد تلاقت أفكار هذه الجمعية مع أفكار دعاة (الإصلاح) المتنفذين في الحكم ـ وعلى رأسهم مدحت باشا ـ فكوَّنوا تيارًا قويًا يرى أن الإصلاح الذي يجب أن يسود الدولة العثمانية هو الحكم الديموقراطي على نمط الحكم في إنجلترا وفرنسا، ومظهر هذا الحكم هو الدستور وإنشاء المجالس النيابية، واستطاع هذا التيار التحكم في السلطان عبد العزيز ودفعه إلى هذا السبيل، فتابع (الإصلاحات) السابقة.

بلاد الشام (1) :

أما في الشام ـ التي كانت خاضعة آنذاك للدولة العثمانية ـ فقد نشطت الإرساليات التنصيرية الأجنبية فيها، ومدت جسورًا من التواصل والتعاون مع نصارى المنطقة منذ حُكم إبراهيم باشا بن محمد علي أثناء احتلاله للشام. وبعد عهد التنظيمات في الدولة العثمانية بدأ التغلغل الصليبي يزداد في الشام مستفيدًا من الامتيازات والتسهيلات الجديدة، ومستغلًا إمكاناته المالية والبشرية الهائلة وغطاء حماية الدول الأوروبية؛ حيث كانت كل من هذه الدول تدَّعي حماية الأقلية النصرانية التابعة لمذهبها (فرنسا للكاثوليك، وروسيا للأرثوذكس، وأمريكا وإنجلترا للبروتستانت) ، وتنفذ من خلال ذلك مخططاتها التغريبية والاستعمارية التي كان هدفها العلمانية والتغريب ووسيلتها الثقافة والتعليم.

ففي عام (1263هـ/1847م) تشكلت تحت رعاية الإرساليات (التبشيرية) الأمريكية (جمعية العلوم والفنون) ، ومن مؤسسيها بطرس البستاني وناصيف اليازجي ـ وكانا ماسونيين على صلة بهذه الإرساليات الأمريكية ـ وضمت أيضًا بعض (المبشرين) الأمريكيين من هذه الإرسالية، مثل: فان دايك، وإيلي سميث، وكان هدفها: نشر العلوم الغربية والدعاية لدول أوروبا! ولكن لم ينضم إلى هذه الجمعية خلال عامين سوى خمسين عضوًا كلهم من نصارى الشام، وتعد هذه الجمعية البذرة الأولى للقومية العربية العلمانية.

وفي عام (1273هـ/1857م) ـ وهي السنة التالية لصدور منشور التنظيمات الخيرية العثماني الذي ساوى بين أصحاب جميع الديانات في الولايات العثمانية ـ حدث تطور مهم على النشاط التغريبي العلماني في الشام؛ فعلى إثر حل الجمعية السابقة ـ مع صنوتها الكاثولكية (الجمعية الشرقية) ـ تكونت بدلًا منهما جمعية أكبر باسم: (الجمعية العلمية السورية) ، كانت غاياتها ووسائلها وقانونها وأنظمتها كلها على غرار جمعية العلوم والفنون أيضًا، ولكنها ضمت لأول مرة بين أعضائها الخمسين والمئة: دروزًا، ومسلمين، إضافة إلى النصارى من جميع الطوائف، كان يجمعهم اهتمامهم بتقدم البلاد على أساس (الوحدة الوطنية) ، كما أن جميع أعضائها كانوا من العرب، ولذا: أصبح الرباط الذي يؤلف بينهم هو اعتزازهم بالتراث العربي.

ولم تأت سنة (1275هـ/1858م) إلا وكانت الإرسالية الأمريكية قد افتتحت أكثرمن ثلاثين مدرسة ودار طباعة تنشر مبادئها وثقافتها من خلالها.

وفي عام (1276هـ/1860م) حدثت فتنة كبرى بين الموارنة والدروز أَوقَفت ـ إلى حين ـ تصاعد المد القومي وحفزت في الوقت نفسه جهود الداعين إليه، وبعد هذه الفتنة أصدر بطرس البستاني صحيفة سياسية أسبوعية باسم (نفير سوريا) ، « ودعا فيها إلى الاتحاد والتعاون بين أبناء الطوائف المختلفة، وإلى ضرورة فصل الدين عن الدولة، وإحلال الشعور القومي العربي مكان التعصب الطائفي» (2) .

وفي عام (1281هـ/1862م) حدث تطور آخر مهم؛ إذ افتتحت (الكلية السورية الإنجيلية) في بيروت، التي عرفت فيما بعد باسم: (الجامعة الأمريكية) لتكون بديلًا محليًا عن البعثات الخارجية التي كانت لا تؤتي الثمار المطلوبة، ولتلعب دورًا كبيرًا في مجريات الأحداث فيما بعد، حيث كانت معقلًا من معاقل الحركة القومية العلمانية وموئلًا ضم الداعين إلى العلمانية والتغريب في الشام.

وفي سنة 1863م (1282 هـ) أنشأ بطرس البستاني (المدرسة الوطنية) على أساس وطني لا ديني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت