3.... واللغة الثالثة هي لغة الأنبياء: الذين حَرّموا صناعة الحكم بالقوة المسلحة وبالعنف، من خلال الانقضاض على الحكومات القائمة، حتى لو كان مجيئها إلى السلطة بالسيف وبالعنف، فاللاشرعية لا تزال باللاشرعية، بل بالشرعية، والخطأ لا يزال بالخطأ ، بل يُقَوم بالعمل الصحيح، وهذا ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، الذي غيّر المجتمع بالفكر وسلميًّا، فحين فشل في اختراق مجتمع مكة والطائف، نجح في نشر دعوته في أهل يثرب، التي ستأخذ اسم مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك (المدينة المنورة) ، حتى تفشى الإسلام في مجتمع المدينة، فلم يذهب إليهم على ظهر الدبابات بانقلاب عسكري، بل خرجوا لاستقباله، في مظاهرة ضخمة، ضمت أهل المدينة من الرجال والنساء، في مشاركة رائعة، مع فرقة موسيقية كاملة، (3) والكل ينشد: طلع البدر علينا، (4) معلنين خضوع مجتمع المدينة للفكرة الجديدة ، دون سفك قطرة دم واحدة، وهذا التحول المدهش، في مجتمع المدينة المنورة سابقًا وبهذه الطريقة السلمية، غاب عن أعين المسلمين منذ ذلك الوقت، وعطلوا سنة عظيمة من سُنن الإسلام، في كيفية بناء المجتمع أو معالجته حين الانحراف، وتبخر الحكم الراشدي تحت حرارة العنف ودمويته، وانزلق المجتمع الإسلامي، إلى ليل التاريخ، حيث المغامرون والانقلابيون يتناوبون قنص السلطة الدموي دون رحمة، ولم يخلص العالم الإسلامي من هذا المرض حتى اليوم، وأعيد مذهب الخوارج، بكل عنفوانه وقوته مرة أخرى، في مناطحة الحكومات، واستنفاد الجهود في معارك مدمرة، بحيث توقفت عملية نقل السلطة السلمي، وتحول المجتمع إلى شرائح، لا يثق بعضها ببعض، وتوقف الحوار، وأضمرت النفوس الحقد والتآمر، وسُفِكت الدماء غزيرة.
4.... وأما اللغة الرابعة: فهي بعد قيام الحكم الشرعي، فإذا صار الحكم شرعيًا، استطاع وسُمح له بالجهاد المسلّح، بعد أن بنى مجتمع (اللاإكراه) .
عند ذلك، من لا يريد أن يدخل في السلم، ويريد أن يُكره الناس على أي دين ومبدأ وفكرة، فهذا يتصدى له المجتمع الإسلامي (مجتمع لا إكراه في الدين) ، فهذا هو مجال الجهاد، أي حماية الناس من الفتنة (الإكراه) (5) (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) ، (والفتنةُ أشدُّ منَ القتلِ) ، وهذا يتولد منه مجموعة هامة من المعاني: الجهاد هو لحماية المخالف، والجهاد أداة واحتكار للعنف بيد السلطة، والسلطة أي سلطة، لا يسمى ما تفعله جهادًا، حتى يتم وصولها إلى الحكم برضا الناس، فالجهاد هو ذو جانبين في المجاهِد (بكسر الهاء) والمجاهَد (بفتح الهاء) ضدّه، فلا جهاد إلا بيد سلطة وصلت إلى الحكم برضا الناس، ولا جهاد إلا ضدّ من يمارس الظلم على الآخرين بإخراجهم من ديارهم وأديانهم بالقوة المسلحة (لا يَنهَاكُمُ الله عنِ الذينَ لم يُقاتلُوكُمُ في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسِطُوا إليهِمْ ) ) (6) .
قلت: هذا المقطع الطويل يوجز لنا الفكرة التي يدندن حولها الدكتور في كثير من كتاباته .
فالتغيير (أي تغيير السلطة الظالمة) يكون سلميًا دون (عنف) أو (استخدام سلاح) ، وبعد الوصول إلى السلطة من قبل (السلميين) يجوز استخدام (الجهاد) أو (السلاح) أو (العنف) لا لنشر الإسلام وحماية الدولة الإسلامية !! إنما لحماية المكرهين على تغيير آرائهم ومعتقداتهم فقط !! .
وهذا فيه تلبيس عجيب من الدكتور الذي لو تابع مذهب السلف أهل السنة والجماعة بعد نبذه للعمل السري الحربي المسلح لأراح نفسه وجنبها تحريف الحقائق الشرعية وتزويرها - هداه الله- .
فنصوص السنة تفصل في هذه المسألة التي أرقت الدكتور حتى جعلته يصنف كتابه هذا، وتخبر بأن الحاكم (المسلم) الظالم الجائر لا يجوز الخروج عليه بالسلاح ، وعلى هذا استقر مذهب السلف . أما إذا ارتكب هذا الحاكم كفرًا بواحًا ظاهرًا فإنه يجوز الخروج عليه بالسلاح وتغييره إذا كان المسلمون لديهم القدرة على ذلك، وأقواله صلى الله عليه وسلم كثيرة مشهورة في تقرير هذا؛ من أوضحها ما رواه عوف بن مالك -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ) )، قال: قلت: يا رسول الله ! أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: (( لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ) )أخرجه مسلم .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ستكون بعدي أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ ، ومن أنكر فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع ) )قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: (( لا ، ما صلوا ) )أخرجه مسلم (7) .
فالجهاد أو ما يسميه الدكتور (بالعنف!) يجوز استخدامه من قبل المسلمين قبل الوصول للسلطة -لا كما يزعم الدكتور- وذلك في الحالة السابقة ، وأقواله صلى الله عليه وسلم تشهد بهذا ، وهي لا تخالف سيرته صلى الله عليه وسلم التي حاول الدكتور أن يوهمنا أنها تعارض هذا ، لأنه هو نفسه الآمر بذلك الجهاد أو (الخروج) الشرعي.
انحرافات أخرى للدكتور تفرعت عن انحرافه الأول:
قلت: فترتب على (غلو) الدكتور في هذا المذهب الغريب مذهب السِّلم وعدم العنف انحرافات كثيرة، سأذكرها مع مقولة أو أكثر للدكتور تشهد لكل واحدة منها ، ثم أعقب عليها بإيجاز بما يبين للقارئ بطلانها:
1.... الدكتور يؤمن بأن الحروب ستنتهي !
يقول الدكتور:"كانت الحروب قديمًا تؤدي دورًا من الغنائم والأسلاب والرقيق ، واليوم فات وقتها ، فكما تم إلغاء الرق فالعالم في طريقه لإلغاء مؤسسة الحرب" (سيكولوجية العنف، ص143) .
قلت: هذا مقولة إنسان خيالي يسبح عقله في ما يتخيله مثاليًا، لا أساس لها من الواقع.
وهي -أيضًا- مقولة إنسان لا يؤمن بحكمة مشروعية الجهاد في الإسلام! حيث ارتبطت الحروب عنده فقط بالغنائم والأسلاب والرقيق والأمور (المادية) التي تناسب تفكيره (المادي) ! التي متى ما استغنى الناس عنها -كما يزعم الدكتور- سيتوقف (القتال) !! (8) متغافلًا عن أن الجهاد في الإسلام لا تأتي هذه الأمور (المادية) إلا تبعًا لحِكَمِهِ العالية ومقاصده الشريفة؛ وعلى رأسها (إعلاء كلمة الله في الأرض) ، ونشر دينه، واكتساب المجاهدين الأجر العظيم الوارد فيمن جاهد لأجل ذلك، وغير ذلك من المقاصد الشريفة (9) .
فليست مقاصد الجهاد في الإسلام هي مجرد الغنائم والرقيق كما يزعم جلبي الذي ينظر للأمور بتفكير (مادي) .
وأيضًا: ففي كلامه هذا مصادمة لنصوص الشريعة (الآمرة) بالجهاد والمخبرة عن استمراره إلى يوم القيامة؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم في مسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ) وقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) .
بل هذا من جملة عقائد أهل السنة الثابتة عندهم دون شك، قال الطحاوي -رحمه الله- في عقيدته: (( والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين ، برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما ) ) (10)
ويقول الشيخ علي العلياني في كتابه (أهمية الجهاد، ص 186) :"لا ينتهي جهاد الكفار إلا إذا أسلموا أو خضعوا لحكم الإسلام ودفعوا الجزية".