حين نعيد كتابة التاريخ الإسلامي ينبغي أن نوجه انتباهنا إلى بضعة أمور.. أن التاريخ ليس مجرد أقاصيص تحكى، ولا هو مجرد تسجيل للوقائع والأحداث إنما يُدَرس التاريخ للعبرة، ويُدَرس لتربية الأجيال، إن من بديهيات التوجه التربوي لدراسة التاريخ الإسلامي أن يُخرّج أجيالًا مسلمة، تعرف حقيقة دينها و تتمسك به وتعمل على إحيائه في نفوسها وفي واقع حياتها (39) .
كذلك التاريخ ليس كما يخيل للبعض، مجرد حروب ومعاهدات أو سلالات حاكمة تسقط وأخرى تقوم إنه قبل هذا وبعده خبرة حضارية، ومشروع للتعامل مع الإنسان، وفرصة لاختبار قدرة العقائد والأديان على التحقق في الزمن والمكان و على تأكيد واقعيتها ومصداقيتها، وتاريخنا بالذات تميز بكونه انعكاس أكثر صدقًا لتأثيرات الإسلام، لقدرة هذا الدين على إعادة صياغة العقل والوجدان (40) .
اثنا عشر: تحقيق التوازن في كتابة التاريخ الإسلامي سياسيا ً وحضاريا ً:
و يضع عماد الدين خليل عددًا من الضوابط و المعايير لأي محاولة جادة لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي ومنها: تحقيق قدر من التوازن بين دراسة الجوانب السياسية (العسكرية) وبين فحص الجوانب الحضارية مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة أن ينظر إلى المعطيات الحضارية بوصفها أجزاء متفرقة تنتمي إلى كل أوسع،يتضمنها جميعًا ويمنحها معنى وهدفًا (41) .
و يرى محمد قطب أن عيب أكثر كتب ومناهج التاريخ بصفة عامة أنها تركز على التاريخ السياسي للمسلمين على حساب بقية مجالات الحياة الإسلامية العقدية، والفكرية، والحضارية،والعلمية، والاجتماعية ..إلخ ومما لا شك فيه أن التاريخ السياسي للمسلمين هو أسوأ ما في تاريخهم كله.. وأن هذه الانحرافات - رغم وقوعها في وقت مبكر من تاريخ الإسلام - والاقتصار عليها في عرض التاريخ يعطي صورة غير حقيقية لذلك التاريخ .. صورة مشوهة ممسوخة (42) .
وحول هذا المعنى يقول عبد الرحمن الحجي: .. حتى ليصور للدارس أحيانًا بأن تاريخ الإسلام في المدينة المنورة - الذي يمثل انتصاره وانطلاقه إلى الوجود الواقعي - ليس هو إلاّ تاريخ معارك و حروب،حتى إننا لو حذفنا هذه المعارك والحروب لما بقي في الكتاب إلا القليل من صفحاته المكتوبة (43) .
وقد أشار يوسف العظم إلى تركيز المؤلفين على الجوانب العسكرية بقوله: أورد كثير من المؤلفين - الجانب العسكري- في مصنفاتهم دون سواها.. ولا بد عند الحديث عن الجانب العسكري من تناول الجهاد هدفًا و وسيلة و آدابًا و أساليب وثمرات ونتائج، وإبراز الجوانب الإيجابية المشرقة فيه، مع البعد عن شبهات المغرضين من المستشرقين ودسّ المزورين (44) .
فالتركيز على التاريخ السياسي للمسلمين وتجريد التاريخ الإسلامي من محتواه الشامل وحصره في النزاعات السياسية، وسعي كل حاكم إلى التوسع على حساب جيرانه، وما صحب ذلك من مؤامرات القتل والاغتيال والفتك بالأعداء السياسيين (45) .
الإحالات:
1 -محمد قطب، كيف نكتب التاريخ الإسلامي، ص 6 .
2 -محمد السلمي، مجلة البيان، العدد 27شعبان 1414 ه- يناير 1994 المجتمع .
3 -د . عماد الدين خليل في التأصيل الإسلامي للتاريخ، ص 26 .
4 -د . أنور الجندي، في سبيل إعادة كتابة تاريخ الإسلام، ص 5 و 6 .
5 -محمد قطب،المرجع السابق، ص 7 .
6 -د . محمد أمحزون، منهج دراسة التاريخ الإسلامي، ص 5 .
7 -د . عبد الرحمن الحجي، نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي، ص 102 و 103 .
8 -محمد قطب، المرجع السابق، ص 9 .
9 -د . محمد أمحزون، مرجع سابق الذكر، ص 12 .
10 -د . أنور الجندي، مرجع سابق الذكر، ص 6 .
11 -محمد قطب، المرجع السابق، ص 14 .
12 -المرجع السابق، ص 16 .
13 -د . عبد الرحمن الحجي، مرجع سابق الذكر،ص 49 .
14 -محمد قطب، مرجع سابق الذكر، ص 14 .
15 -المرجع السابق، ص 110 .
16 -د . فتحي عثمان، أضواء على التاريخ الإسلامي، ص 292 .
17 -محمد قطب، مرجع سابق، ص 24 .
18 -د . محمد رشاد خليل، المنهج الإسلامي لدراسة التاريخ و تفسيره، ص 64 .
19 -محمد قطب، مرجع سابق الذكر، ص 9 و 10 .
20 -مجلة رؤى، العدد 5، محرم 1420 ه - مايو 1999 المجتمع ، ص 66 و 67 .
21 -مجلة البيان،العدد 27، شعبان 1414 ه - يناير 1994 المجتمع .
22 -مجلة الباحث، عدد 5 و 6، ص 32 .
23 -سالم علي البهنساوي، الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار، ص 43 و 45 .
24 -د . عمر بن سليمان الأشقر، التاريخ الإسلامي بين الحقيقة و التزييف، ص 20 و 21 .
25 -د . عماد الدين خليل، مرجع سبق ذكره، ص 20 و 21 .
26 -د . محمد أمحزون، مرجع سابق الذكر، ص 14 و 16 .
27 -د . محمد السلمي، منهج كتابة التاريخ الإسلامي و تدريسه، ص 173 - 240 .
28 -مجلة بيادر، عدد 15،ربيع الثاني 1416 ه - 1995 المجتمع ، ص 78 .
29 -د . محمد أمحزون، مرجع سبق ذكره، ص 86 .
30 -المرجع السابق، ص 95 .
31 -يوسف العظم، تاريخنا بين تزوير الأعداء و غفلة الأبناء، ص 16 .
32 -محمد قطب، مرجع سبق ذكره، ص 26 .
33 -المرجع السابق، ص 27 و 28
34 -المرجع السابق،ص 18 و 19 .
35 -د . محمد أمحزون، مرجع سابق الذكر، ص 19 .
36 -عبد الرحمن التركي، لمحات في التفسير الإسلامي للتاريخ، ص 52 و 53 .
37 -د . عبد العليم خضر، المسلمون وكتابة التاريخ، ص 276 .
38 -سيد قطب، في التاريخ فكر ومنهاج، ص 37 .
39 -محمد قطب، مرجع سابق الذكر، ص 23 .
40 -د . عماد الدين خليل، مرجع سبق ذكره، ص 9 .
41 -المرجع السابق، ص 18 .
42 -محمد قطب،، مرجع سبق ذكره، ص 13 .
43 -د . عبد الرحمن الحجي ، مرجع سبق ذكره، ص 49 و 50 .
44 -يوسف العظم، مرجع سبق ذكره، ص 210 .
45 -محمد قطب، مرجع سبق ذكره، ص 15 .
المراجع:
1 -أنور الجندي، في سبيل إعادة كتابة تاريخ الإسلام، دار الاعتصام للطبع و النشر، سلسلة في دائرة الضوء .
2 -سالم علي البهنساوي، الغزو الفكري للتاريخ و السيرة بين اليمين و اليسار، دار القلم للنشر و التوزيع، الكويت، ط 1، 1406 ه - 1985 المجتمع .
3 -سيد قطب، في التاريخ فكرة ومنهاج، الدار السعودية للنشر، ط 1، جدة، 1387 ه - 1967 المجتمع .
4 -عبد الرحمن بن عبد الله التركي، لمحات في التفسير الإسلامي للتاريخ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1414 ه - 1994 المجتمع .
5 -عبد الرحمن علي الحجي، نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي، دار الاعتصام، ط 2، 1395 ه - 1975 المجتمع .
6 -عبد العليم عبد الرحمن خضر، المسلمون و كتابة التاريخ، الدار العالمية للكتاب الإسلامي و المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هيرندن فيرجينيا - الولايات المتحدة الأمريكية، ط 2، 1415 ه - 1995 المجتمع .
7 -عماد الدين خليل، في التأصيل الإسلامي للتاريخ، دار الفرقان للنشر والتوزيع، ط 1، 1998 المجتمع .
8 -عمر بن سليمان الأشقر، التاريخ الإسلامي بين الحقيقة و التزييف، مكتبة الفلاح للنشر و التوزيع، دار النفائس للنشر والتوزيع، الكويت ط 2، 1410 ه - 1995 المجتمع .
9 -فتحي عثمان، أضواء على التاريخ الإسلامي .
10 -محمد أمحزون، منهج دراسة التاريخ الإسلامي، دار طيبة للنشر و التوزيع، الرياض، ط 1، 1416 ه .
11 -محمد بن صامل السلمي، منهج كتابة التاريخ الإسلامي، دار الرسالة العلمية للنشر و التوزيع، مكة المكرمة، ط 2، 1418 ه - 1988 المجتمع .
12 -محمد رشاد خليل، المنهج الإسلامي لدراسة التاريخ و تفسيره، دار الثقافة للنشر و التوزيع، الدار البيضاء، ط 1، 1406 ه - 1985 المجتمع .