وما ذكرناه منه ، هي مراتب عقيدة هذا الدين ، الذي يبدأ بالإسلام وكل أركانه الخمسة ، ظاهرة وبينة عند التطبيق ، إما
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 242)
بالقول ، وتلفظ اللسان كالشهادتين ، أو عملية بدنية يبرز أثرها على المطبق وهي الأربعة الباقية .
أما الإيمان الذي تؤكده كثيرا آيات من كتاب الله ، ومنها النموذج المذكور ، فهو وجداني محله القلب ، مما يبرهن على أن حقيقته مغالبة النفس ، وقهرها من أجل رضا الله ، وتمكين دلالة هذه الأركان الستة العظيمة ، حتى يصدق العمل والقول .
وتعلو مرتبة العقيدة بعد ذلك ؛ لتزداد تمكينا من قلب العارف بالله ، والمهتم بتطبيق أمره في المرتبتين السابقتين: الإسلام والإيمان ، إلى أن يكون عمل الإنسان الظاهر ، وإحساسه الباطن تحوطه الرقابة الذاتية: ومحاسبة النفس عن سلامة هذا العمل: ظاهرا أو باطنا ، بأن من لا تخفى عليه خافية سبحانه مطلع عليه ، وأنه يعلم الدقيقة والجليلة من عبده ، مما يدعوه إلى الإخلاص والصدق فيه ، وإجادته بقلب حاضر ، وهيئة متكاملة . وهذا أمكن في المراقبة .
وهذا ما يجب أن يؤصل عند الشاب في المرحلة الجامعية ، بالذات ؛ لأن السلم الهرمي في الإدراك ، والقدرة على الاستيعاب متكاملة ، والتهيئة إلى أن تناط به مسئولية رد الشبهات ، بارتباط شرعي ، من المصدرين اللذين أوصى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ، وأخبر أنهم لن يضلوا ما تمسكوا بهما .
فواجب الموجهين للشباب في هذا السن ، تمكين هذا المفهوم ،
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 243)
حتى تتسع مداركهم لإدراك الأسرار الكامنة ، والكنوز النفيسة ، في تشريعات دينهم ، الذي عليهم حمل همه بالدفاع عنه ، وبيانه للآخرين ، وتفنيد شبهات الخصوم برد مقنع ، وحجة دامغة: سورة النساء الآية 87 وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا .
وإن من مرتبة الإحسان ، تقوى الله ، هذه الخصلة إذا تمكنت من عقل المسلم: شابا أو كبيرا ، فإنها تعطيه راحة في القلب ، واطمئنانا في الوجدان ، وفتحا لمغاليق الأمور ، ألم يقل سبحانه: سورة البقرة الآية 282 وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ، ويقول: سورة الطلاق الآية 2 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا سورة الطلاق الآية 3 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ، ويقول جل وعلا: سورة الطلاق الآية 4 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا .
فمن ارتوى من الشباب ، من مناهل القرآن العذبة ، وتشبع من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الصحيحة الصافية هيأ الله له من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ورزقه العلم والفهم ، وقوى عزمه في المقارعة والمجادلة بالتي هي أحسن .
أما المحور الثاني ، أو السلاح الثاني: فهو الحوار الفكري ،
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 244)
لمنازلة أصحاب الغزو الفكري الموجه لشباب المسلمين بوسائل الإعلام المتعددة: من مسموع ومرئي ومقروء .
فإن الإمام سفيان الثوري يروى عنه رحمه الله قوله: هم رجال ونحن رجال ، ولهم عقول وعندنا عقول . . وأمكن من ذلك قول الله سبحانه: سورة النساء الآية 104 إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ . ونحن معاشر المسلمين ديننا لم يترك العقل والفكر ، جانبا بل له جانب كبير في المخاطبة ورد الأباطيل ، وخاصة فيما نلمس في القرآن الكريم ، في رد شبهات الكفار ، وفي محاورة أهل الكتاب في حججهم وشبهاتهم ، حيث نجد تكرار ما يتعلق بالفكر في مثل: لآيات لقوم يعقلون ، لقوم يتفكرون ، لأولي الألباب ، ألهم قلوب لا يعقلون بها . . . إلخ .
وهذا كثير جدا في القرآن الكريم ، مما يبين أهمية مقارعة الحجة ، بدليل أقوى ، ومناقشة الغزو ببرهان أمكن ، واللغة هي السبيل المبين في مخاطبة العقول بما تدركه ، مع الإتيان بما يمكن القول بالشواهد المقربة للأمر .
فالجدال والمناقشة أمر مطلوب في النواحي العقلية ، لكن ينبغي
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 245)
تأديب الشباب بآداب هذا الدين القويم ، لما وراء ذلك من مصالح في مثل:
-عدم الاستفزاز عندما يحاور الشاب غيره ، يقول سبحانه: سورة آل عمران الآية 159 فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ .
-أن يكون الجدال بالتي هي أحسن ؛ لأنه أدعى إلى التقبل والتقارب ، وأن يكون عن علم ومعرفة ؛ لأن ذلك أقوى للحجة ، فمن حفظ حجة على من لم يحفظ .
-عدم الغضب والسب ، حتى لا يحفز الأمر الجانب الثاني ، إلى سب الله عدوا بغير علم ، وسب ديننا .
-التوسع في الثقافة ، بحيث يرد عليهم بأقوال مقبولة لديهم ، كالمنصفين من بني جنسهم .
-الحرص على ضرب الأمثال والاستشهاد بالنظائر المقربة للفهم ، والمزيلة للبس .
-وأقوى شيء يرد غزوهم الفكري ، اقتناص نصوص من مصادرهم ، أو مقتطفات من مفكريهم ، من باب مخاطبة الناس بما يعرفون ، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 246)
ولا يغرب عن البال: أن أعداء الإسلام ، في عالم الشرق والغرب ، قديما وحديثا ، من أصحاب الديانات والنزعات والأهواء المختلفة ، وهم قد حاربوا الإسلام في الظاهر ، وناصبوه العداء في الباطن ، قد أدركوا مع هذا العداء للإسلام وأهله ، دور الشباب في عصور الإسلام الأولى ، ومكانتهم في التصدي لتحدياتهم ؛ لأن نفوسهم قد تشبعت بتعاليم الإسلام ، وشرائعه غرست فيهم بذور الخير منذ نعومة أظفارهم ، فكانوا مسددين في التصدي لخصوم دينهم ، وموفقين بالردود الصائبة ، التي من أثرها انجذاب كثير من الخصوم ، بعدما بانت لهم الحقائق المقنعة ، والحجج الملامسة لأوتار القلوب . إلى دخولهم الإسلام ، فكانوا مدافعين عنه ، بدل أن كانوا مهاجمين له . . ونريد من شباب اليوم السير على ذلك المنهج .
ودور الشباب في تاريخ دولة الإسلام ، يحسن بشباب اليوم معرفته ، ليتشبهوا بهم من حيث:
-التمثيل بالأخلاق الحسنة التي دعا إليها الإسلام .
-عدم الركون إلى الذين ظلموا أو محبتهم ، أو التشبه بهم .
-تأصيل المحبة بين أفراد المجتمع الإسلامي ، والالتحام مع ولاة الأمر بالطاعة والسمع لهم ، بدون معصية لله .
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 247)
المحافظة على كيان دوله الإسلام ، وبناء مجتمعه: سورة آل عمران الآية 103 وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا .
-نسيان الذات من أجل الدفاع عن دين الله ، وتقديم الغالي والنفيس من أجل عزة دين الله ، وعدم علو الباطل عليه .
-نصر مبادئ وتعاليم الإسلام ، مع الثبات والتمسك بأوامره واجتناب نواهيه ، لأن هذا من نصر الله .
الفهم الجيد:
إن الشباب الجامعي في حاجة إلى تركيز الفهم للمهمة التي يجب أن يتهيأ لها ، وإدراك دلالات الغزو الفكري الموجه نحو أمته ، تأسيا بالصحابي الجليل: حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، فقد روي عنه أنه قال:"كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة الوقوع فيه".