(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 199)
يوجبه الدين الصحيح ، الذي جاء من عند الله ، لأنهم معرضون عنه ، والله يقول: سورة طه الآية 124 وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى سورة طه الآية 125 قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا سورة طه الآية 126 قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى سورة طه الآية 127 وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى .
ذلك أنهم يهتمون بالتركيز على قوام الأجسام ، والاكتفاء بالمظاهر دون المخابر ، ودون مخاطبة العقول بما يريحها ، والقلوب بما يطمئنها: سورة الرعد الآية 28 أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ .
أين العلاج:
عند تلك الأمم ، التي ضاعت في المتاهات ، وعاش شبابها في خواء فكرى ، قادهم إلى ذوبان الشخصية ومن قبل فإن شباب جزيرة العرب ، كغيرهم من التائهين في ظلمات الغواية ، والانفلات من الاطمئنان الروحي ، فهي أمور مسيطرة عند الناس عامة . . اللهم إلا وميض أضاء قلوب بعض الحيارى ، ممن يلتمس مخرجا من هذا الضياع .
ومن هنا بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالشريعة
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 200)
الإسلامية السمحة ، لتعدل اعوجاج النفوس ، وتوفر المسببات لتربية الروح التي يقوى بها الجسد: عزيمة وتضحية . . ومدها بالغذاء الذي يجعلها مستقيمة ونافعة: مستقيمة في نفسها ونافعة لغيرها وصالحة ومصلحة لمجتمعها .
فالنص الشرعي من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: صحيح البخاري في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس (2278) ,صحيح مسلم الإمارة (1829) ,سنن الترمذي الجهاد (1705) ,سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2928) ,مسند أحمد بن حنبل (2/121) . كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته ، يوقد جذوة في الأعماق ، تتحدد معها المسئولية في التوجيه ، والشعور بثقل الأمانة ، والحرص على العلم الذي يعين على أداء هذه المسئولية . نحو الشباب ، والعناية بهم .
إذ هذا النص وأمثاله: قاعدة أساسية ، يضعها المربي والمعلم الأول: صلى الله عليه وسلم ركيزة في الاهتمام بالشباب ، وحسن تعليمهم ؛ لأنهم رعية عند من استرعاهم الله ، واجب الاهتمام بهم ، وحسن توجيههم ، وذلك حسب التسلسل في المسئولية: من الأبوين اللذين تفتحت عيون الشباب ، منذ ولدوا في أحضانهما ، ليأخذوا عنهما الدروس الأولى ، في مبدأ التعليم ، ومن ثم يتأثرون بهما تقليدا وتوجيها ، يقول الشاعر:
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 201)
وينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوده أبوه
وأبلغ من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: صحيح البخاري الجنائز (1319) ,صحيح مسلم القدر (2658) ,سنن الترمذي القدر (2138) ,سنن أبو داود السنة (4714) ,مسند أحمد بن حنبل (2/275) ,موطأ مالك الجنائز (569) . كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .
ثم يمتد الأثر مع الإخوة الأكبر فالأكبر ، من الأقارب ومن يحيطون بهذا الشاب ، الذين يجب عليهم الإحسان في تنمية هذه البذرة ؛ ليستقيم على المنهج السليم ، الذي فطر الله الناس عليه: صحيح البخاري الجنائز (1319) ,صحيح مسلم القدر (2658) ,سنن الترمذي القدر (2138) ,سنن أبو داود السنة (4714) ,مسند أحمد بن حنبل (2/275) ,موطأ مالك الجنائز (569) . كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تلد الشاة بهيمة جمعاء ، هل ترون فيها من جدعاء .
ثم يمتد التسلسل في المسئولية والرعاية للشباب ليأتي دور آخر ، يأخذه الشاب من معلمه في مراحل التعليم العام ، ليصل بعد ذلك وقد كبر جسمه ، ونما عقله إلى المرحلة الجامعية ، حيث يترتب عليه في هذه المرحلة ، مع نمو العقل والجسم ، نمو الاهتمام بما حوله ، واستعداده لأداء الأمانة ، وتحمل المسئولية . . فإن كان التقويم لهذا الشاب ، وحسن التوجيه تدرج معه ، مع نمو عقله ، وبلوغ رشده ، صالحا ومفيدا ، سهل تحصين الشباب ضد الغزو الفكري ، وخاصة في هذا الزمان الذي أجفل فيه الشرق والغرب ،
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 202)
بخيلهم ورجلهم على أمة الإسلام ، بشبهات متعددة المسارات ، إعلاميا بقنواته الثلاث: المسموع والمرئي والمقروء . إلى جانب الفضائيات والإنترنت وغيرها من وسائل ، مع توجيه متعمد ، وغزو سافر .
والمقصود في هذا الغزو الفكري ، الشباب الإسلامي لتعبئة أذهانهم بفكر مختلط ، يمتزج فيه الغث بالسمين ، ويختلط فيه الحابل بالنابل . . بقصد جعل الشاب تائها ، مذبذب النزعات حائرا لا يعرف من أين يتجه ؛ ليجعلوا منه طابورا خامسا ، يخدمهم وإلبا على بني جنسه ، فيأخذوا كلامه بدون علم: حجة ؛ لأن من تكلم بغير علم أتى بالعجائب .
خاصة وأن فكرهم هذا الموجه لشباب الإسلام ، يسيره تربويا: علماء النفس ، ويرعاه علماء الاجتماع ، بحيلهم ونظرياتهم المادية ، البعيدة عن منهج الإسلام ، ومخاطبة العقول بما يسعدها ، يقول سبحانه: سورة البقرة الآية 204 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ .
وماديا: بما يسخرون من أموال في هذا السبيل رصدا وتخطيطا ، ومتابعة وتنفيذا ، يتبع ذلك الدراسة ، واستظهار النتائج . . ثم تغيير المنهج في حيل تستقطب بعض الشباب ، الذين لم يتسلحوا ضد ذلك الغزو ، ويعوزهم إدراك أساليبهم المتشعبة في التأثير
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 203)
على شباب المسلمين . وما يريدون من وراء أعمالهم هذه .
وإذا كانت الوقاية الصحية ، تقتضي التنبه لما وراء تلك المقاصد ، ثم الاهتمام بتنفيذ ما يحصن المجتمع بفئاته ، عن كل خلل يطرأ . . والمبادرة في كل وقت ، قبل بروز الظاهرة ، حتى يتهيأ - بإذن الله - للعقول حصانة ، ضد الأوبئة الفكرية ، التي يخشى منها انتشارا في المجتمع ، حتى تقوى لديها المناعة ، ثم القدرة على المواجهة للشبهات ، بالأعمال والأجوبة المفيدة المقنعة .
فإن هذا العلاج يحتاج إلى تهييء نفسي ، ورصد مادي . . مع المتابعة بالجهود والدراسة والتخطيط . ونحن المسلمين مع التحديات الموجهة ، والجهود المبذولة من أعدائنا في هذا الوقت بالذات ؛ لطمس معالم ديننا ، يجب أن نتسلح برعاية الشباب ، وتهيئتهم للمواجهة ، وإدراك مكامن الخطر . فإذا كان مثل هذا لازما ومحسوسا ، في الوقاية من الآفات المرضية ، سواء للإنسان أو الحيوان أو البيئة . . وبذل الجهود والأموال ، ومتابعة الإرشادات ، والاهتمام بالتوجيهات المتخصصة لكل نوع .
كل هذا من أجل حماية المجتمع ، والمحافظة على سلامة أجسام أبنائه من الأمراض ، والحامي والحافظ هو الله سبحانه . ولكن هذا العمل من الأسباب التي أمر الله بها .
فإن الشباب ، وحماية عقولهم في مراحل حياتهم ، في حاجة
(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 204)
أكبر إلى جهود وأعمال ، تعين على توضيح حسن المآخذ ، وتمييز كل فكر وافد وإدراك أبعاده . حتى تتحصن أفئدتهم ، كما يتحصن الجسم باللقاحات عن الأمراض الضارة .