(1) نشر المسيحية من منطلق عقدي .
(2) نشر المسيحية لتكون عاملا عظيما في توطين الحكم الاستعماري .
(الجزء رقم: 22، الصفحة رقم: 298)
( 3 ) توهين القيم الإسلامية ، وبالتالي تفتيت وحدة الشعوب العربية الإسلامية والشعوب الإسلامية غير العربية وإبعاد المسلمين عن دينهم ، وذلك حتى يسهل القضاء عليهم .
ومن الواضح من خلال تاريخ التنصير في العالم أن نشر الدين المسيحي من الأمور الثانوية جدا عند المنصرين ، وقليل منهم هم الذين يسعون لنشر المسيحية من منطلق عقدي بحت ، بل إن الكثيرين من الذين يمولون حملات التنصير ومن الذين يأتون في بعثاته لا صلة بين أهدافهم الحقيقية وبين الدين الذي يزعمون أنهم قد جاءوا لنشره ، والدليل على ذلك أن الغرب النصراني نفسه أحوج من الشرق الإسلامي للحياة الروحية والمحبة والسلام الديني . فبينما نرى فرنسا دولة علمانية في بلادها نجدها الدولة التي تحمي رجال الدين في الخارج ، ونجد أن اليسوعيين المطرودين من فرنسا هم خصوم فرنسا في الداخل وأصدقاؤها الحميمون في مستعمراتها . وكذلك إيطالية التي ناصبت الكنيسة العداء وحجزت البابا في الفاتيكان ، كانت تبني جميع سياساتها الاستعمارية على جهود المنصرين ، وحتى روسية ، عدوة الأديان رأيناها بعد الحرب العالمية الثانية تتعاطف مع المنصرين ، ودعت إلى مجمع مسكوني في موسكو وحملت إليه المؤتمرين في طائراتها ، وشرف ستالين نفسه أولئك المؤتمرين بمقابلته ،
(الجزء رقم: 22، الصفحة رقم: 299)
كل ذلك عندما أرادت أن تحقق لنفسها توسعا إقليميا وسياسيا تنافسيا مع الدول الغربية ، وكثيرا ما كان العسكريون الإنجليز يحضون حكوماتهم على بث المنصرين في العالم . وجاء كثير من أفراد المنصرين إلى الشرق من منطلقات وطموحات شخصية .
وقد كتب رشيد الخوري في العصبة الأندلسية عام 1947 م ، ع 4 متألما من أمثال هؤلاء المرجع نفسه ، ص 35 . . وأمثال هؤلاء هم الذين عناهم"حسب"عند حديثه عن التنصير في سورية . وفي ذلك يقول:"إن بعض هذه الأديرة كان مقرا للفاحشة".
إذن فالأهداف السياسية هي المحرك الأساسي لحركة التنصير ، وإن هذا الهدف السياسي هو إضعاف المسلمين ليكونوا أداة طيعة في أيدي الشرق والغرب والصهيونية العالمية .
ولعل الإنسان يعجب إذا علم أن لليهود أصابع وبصمات بارزة في هذا المجال إذ أن العامل الأول في تطوير سلاحي الاستشراق والتنصير في القرنين التاسع عشر والعشرين عائد إلى اليهود الذين تظاهروا باعتناق النصرانية لهدمها من الداخل ومن ثم الزحف على أي قوى روحية دينية أخرى عند الإنسان ، أي الدين عموما . ووجهوا الحكومات الغربية ضد الدين أسد: 43 . .
إضافة إلى ذلك نجد - مثلا - أن صمويل زويمر ، الذي عمل في
(الجزء رقم: 22، الصفحة رقم: 300)
التنصير لمدة ستين سنة في البلاد العربية ، لم يكشف عن يهوديته إلا عند احتضاره سنة 1952 م ، وذلك عندما طلب حاخاما يهوديا يلقنه الشهادة . واحتفظت الكنيسة بهذا السر لأسباب تعلمها ، كما يقول التل التل ، عبد الله: جذور البلاء ، ط 3 ، بيروت ، المكتب الإسلامي ، 1405 هـ / 1985 م ص 28 . .
والذي نراه أن هدف اليهود من ذلك هو استغلال المسيحية الغربية لحرب الإسلام بسلاح التنصير ، وفي النهاية إضعاف الدين عند المسلمين كما أضعفوه عند الغربيين . ومن الشخصيات البارزة في هذا المجال إلى جانب زويمر: وليام جيفورد بالكراف ، الذي قال:"متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه"التبشير والاستعمار ، مرجع سابق ، ص 55 . .
وها هو بلفور اليهودي - وزير خارجية بريطانيا سنة 1917 م ، وصاحب الوعد المعروف - وعد بلفور - يعلن عن أهمية مؤسسات التنصير في خدمة أهداف السياسة أفريقية والنصرانية ، مرجع سبق ذكره ، ص 287 . .
لقد بدأ التنصير في البلاد الإسلامية بصفة خاصة والعالم بصفة عامة يدخل مرحلة جديدة بأساليب جديدة بعد أفول شمس الاستعمار العسكري ، منطلقا من فكرة الشاعر في قوله:
ينال بالفكر ما تعيا الجيوش به ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل
ومنطلقا من وصية القديس لويس التاسع ، ملك فرنسة وقائد الحملة الصليبية الثامنة ، الذي اندحرت جيوشه أمام عزيمة وإيمان قوات المسلمين
(الجزء رقم: 22، الصفحة رقم: 301)
في مصر ووقوعه في الأسر بمدينة المنصورة المصرية ، إذ أنه عندما فدى نفسه من الأسر وعاد إلى بلاده ، أدرك عدم جدوى الحرب المكشوفة مع المسلمين ، لأن روح الجهاد والاستشهاد كانت أقوى مما يتصور . ورأى أن من الحكمة اتخاذ سبيل آخر للدخول إلى بلاد المسلمين وكان ذلك السبيل الذي أوصى به النصارى هو الغزو الفكري التنصيري والدخول في بلاد المسلمين تحت أقنعة مختلفة وبأساليب متعددة لإحداث التنصير المطلوب . وقد نفذوا وصيته . ومنذ ذلك الحين كانت البعثات التنصيرية في طليعة عوامل تنصير المسلمين ونشر الثقافة الغربية بينهم خاصة في آسية وأفريقية .
لقد أدت البعثات التنصيرية خدمات كبيرة للاستعمار لتحقيق أهدافه التي عجز عنها بقوة السلاح ، إذ عمد المنصرون إلى وسيلتين في غاية الخطورة لتنصير الآسيويين والأفريقيين بصفة خاصة . الوسيلة الأولى هي إنشاء المدارس النصرانية ، والثانية هي تقديم الخدمات الطبية المختلفة للناس .
ونتيجة للأثر الفعال للتعليم في التغيير الاجتماعي والثقافي والعقدي فقد لوحظ تركيز مؤتمرات التنصير على أهمية التوسع فيه . ففي البحث رقم ( 20 ) من أبحاث مؤتمر المنصرين المنعقد بولاية كلورادو الأمريكية سنة 1978 م ، وصل الأمر بأن يقترح ريتشارد بيلي إنشاء كلية تكنولوجية في بنجلاديش كوسيلة من وسائل التنصير .
وركز جورج بيترز ، مقدم البحث رقم ( 26 ) لذات المؤتمر ، على أهمية إنشاء المدارس لتمكن الإرساليات من القيام بواجبها نحو تنصير المسلمين وخاصة مدارس البنات في الشرق الأوسط ، وذكر المؤتمرين
(الجزء رقم: 22، الصفحة رقم: 302)
بدور الكليات والجامعات التنصيرية في البلاد الإسلامية ، مثل: كلية روبرت باستنبول والجامعة الأمريكية ببيروت والقاهرة والكلية الفرنسية في لاهور بباكستان .
وكان من بين بنود جدول أعمال المؤتمر السنوي للبعثة التنصيرية لشمالي أفريقية المنعقد في عام 1979 م: الاهتمام بالتعليم وفتح المدارس في أكبر عدد من البلدان حيث إن هذه المدارس تكون وسيلة فعالة لنشر تعاليم النصرانية واجتذاب أكبر عدد من سكان بلدان شمالي أفريقية .
ومن الأدلة الواضحة على أهمية التعليم النصراني ، قول لوشاتليه في مقدمته عن إرساليات التنصير البروتستانتية: ( ينبغي لفرنسة أن يكون عملها في الشرق مبنيا قبل كل شيء على قواعد التربية العقلية ) ، وقوله ، بعد أن ركز على أن السبيل الوحيد إلى هذا هو التعليم:". . وأنا أرجو أن يخرج هذا التعليم إلى حيز الفعل ليبث في دين الإسلام التعاليم المستمدة من المدرسة الجامعة الفرنساوية"المرجع نفسه ، ص 14 . .
وقول الكاردينال لافيجري - مؤسس جمعيات التنصير - وهو:". . لا حاجة لنا إلى الدعوة لنفس الدين ، بل الحاجة هي إلى التعليم والتمريض".
وقد سجل دعاة التنصير هذه الحلقة في كثير من تصريحاتهم
(الجزء رقم: 22، الصفحة رقم: 303)