فكيف نسوي بين من لم يسو بينهم الله ورسوله ؟ راجع في الرد على ما نسب إلى ابن عمر في المحلى لابن حزم 6 / 544 وما بعدها .
أما القول الأخير . . فقد سبق الرد على الجزء الأخير منه . . إن الكتابية لا تدخل في مدلول المشركة ، ومن ثم لا تأخذ حكمها في هذا المجال كما لم تأخذ - كذلك- في مجال الذبائح ، أما الجزء الأول منه وهو القائل بنسخ آية المائدة بآية البقرة فمردود بأن الآية الأخيرة سابقة على الأولى فكيف يصير النسخ ؟
نكاح الإماء الكتابيات:
24 -أما النكاح بمعنى الزواج فالأصل المنع ، حتى لا يجتمع على الولد الرق والكفر معا . . ولأنه إن صار من الحرة إلى الأمة ، فيقيده قوله سبحانه وتعالى: سورة النساء الآية 25 وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ .
(الجزء رقم: 10، الصفحة رقم: 322)
وأما النكاح بمعنى الوطء .
فالأصل فيه الإباحة لدخوله تحت عموم قوله تعالى: سورة المؤمنون الآية 6 إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ .
ولأن الأصل في الإماء أنهن غير مسلمات .
ولأن الصحابة والتابعين فعلوا ذلك . .
ويلحق البعض بحل الوطء لإماء أهل الكتاب حل الإماء المجوسيات بل والكافرات ويستندون إلى فعل الصحابة .
ثم إن الافتراش امتهان . . فلا بأس من ذلك ؛ ولأن أكثر الإماء يكن كافرات أو مجوسيات .
25 -ولنا على ذلك:
أن فعل الصحابة غير ذلك ؛ فقد روي أنهم كانوا يعرضون عليهن الإسلام ولا يقربوهن حتى يسلمن ، ويتطهرن ، ويستبرئن أرحامهن ، فإن كن أولات حمل انتظروا وضع الحمل ، وإن كن غير ذلك انتظروا أن تحيض حيضة ، أما القول بأن الافتراش امتهان . . فمعارض بقوله تعالى: سورة البقرة الآية 187 هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ والأمر متبادل والأمر بعيد عن معنى الامتهان . . وعلى أي فقد رأينا الاختصار في هذه النقطة رغم التوسع الكبير فيها في كتب الفقه ؛ إذ فقدت أهميتها ؛ لعدم وجود الرقيق من ناحية عملية وواقعية ؛ لتوقف الجهاد الإسلامي منذ مئات السنين . . وإن بقي البعض يستعمله باسمه أو بأسماء أخرى . . ، لكن النادر لا حكم له .
(الجزء رقم: 10، الصفحة رقم: 323)
آثار الزواج بالكتابية:
26 -إذا انعقد زواج الكتابية بالمسلم انعقد صحيحا تماما كزواج المسلم بالمسلمة . . وهو بهذا يرث نفس الحقوق إلا أمرين:
أولهما: أن شهادة غير المسلم تصح في زواج الكتابية بالمسلم بينما لا تصح في العقد الآخر .
ثانيهما: أنه لا إرث بينهما ، فإن توفي أحدهما لم يرثه الآخر ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: صحيح البخاري المغازي (4032) ,صحيح مسلم الفرائض (1614) ,سنن الترمذي الفرائض (2107) ,سنن أبو داود الفرائض (2909) ,سنن ابن ماجه الفرائض (2730) ,مسند أحمد بن حنبل (5/203) ,سنن الدارمي الفرائض (2998) . لا يرث الكافر مؤمنا .
أما الولد: فإنه يلحق بالأب باتفاق .
تلك هي الآثار القريبة والشرعية .
27 -أما الآثار البعيدة فإنها تتفاوت . . . تبعا لشخصية الزوج أولا . . . وتبعا لحالة الأمة الإسلامية ثانيا . . وتبعا لشخصية الزوجة ثالثا .
ونستطيع بعون الله أن نلخص بإجمال هذه الآثار . .
أ- داخل الأسرة:
28 -أما داخل الأسرة الصغيرة . . فإن الأمر يكون تبعا للعوامل الثلاثة السابقة ، فإن كان الزوج قوي الشخصية . . كان ذلك له تأثير على الزوجة وأكبر الظن أنها تقتنع بالإسلام .
وفي حالات متعددة أقبلت الزوجات على الإسلام فأصبحن أكبر شغفا وأكثر اقتناعا ، وأشد تمسكا من المسلمات ؛ لأنهن أحسسن النقلة الكبيرة من الظلمة إلى النور ، من الرجس إلى الطهر ، من الضلال إلى الهدى ، وفي حالات أخرى استمسكت الزوجة بدينها القديم ومارست ما يبيحه دينها أو ما يظنون أنه يبيحه . . من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير ، والمخادنة ، فكان عاقبة أمرها خسرا ، تفككت الأسرة المسلمة وتحللت ، ونشأ أبناؤها على المنكر الذي صار معروفا ، وانتقلت عاداتهم إلى غيرهم .
وقد يزيد الأمر سوءا إذا تعمدت الزوجة المتعصبة أو العنيدة إلى اصطحاب أولادها
(الجزء رقم: 10، الصفحة رقم: 324)
إلى الكنيسة ، ورؤيتهم صلوات القسيس ، واعتيادهم ذلك أو ربما استحسانهم ذلك . . . ومن شب على شيء شاب عليه ، وإن لم يكن له فاقها أو فاهما . .
بل أكثر من ذلك قد تعمد إلى"تعميد"الأطفال طبقا للعادات النصرانية ، وتصر على ارتدائهم الصليب وغير ذلك من العادات"النصرانية". كل ذلك في نطاق الأسرة . . وقد يمتد إلى أوسع من ذلك . .
ب- الآثار في المجتمع:
29 -تكاثر"الكتابيات"داخل المجتمع المسلم أمر خطير . .
وأخطر منه أن يتم ذلك بناء على تخطيط .
أما خطورته داخل المجتمع ، فهو في حالة انحطاط الأمة الإسلامية - وهو الواقع القائم - وارتفاع المستوى"المادي"للأمم النصرانية . . إنهن في هذه الحالة رسل الغزو الفكري الخطير داخل الأمة الإسلامية بما يحملنه من أفكار"العلمانية"وما يتلوها من تحلل وانحلال ، وبما يمارسن من عادات نصرانية تنتقل من الأسرة إلى الأسر ، ومن الجار إلى الجيران . . حتى تعتبر علما على تفرنج الأسرة وتمدنها وتقدمها . .
وفي مقدمتها عادات الاختلاط بين الرجال والنساء ، مع عري الملابس كشفا أو شفا أو تحديدا .
وقد تصل هذه العادات إلى الرقص الغربي الذي تتلاصق فيه أجساد الرجال مع النساء . . مع الأضواء الخافتة والموسيقى الحالمة أو الصاخبة . . فترتفع الدماء وترقص الشياطين ويكون معها ومن بعدها الشر الخطير .
ومعها عادات الأكل باليد اليسرى ، والتحية باللغة الفرنسية والإنجليزية واستقلال الولد والبنت منذ البلوغ ، والحرية"الكاذبة"لهم أو لهن منذ هذا السن الخطير . .
30 -هذا فضلا عن آثار سياسة تأتي تبعا . . هي الارتباط ببلاد الأم ارتباط تأثير وتأثر ، والأفكار كالماء تنزل من المكان العالي إلى المكان المنخفض ، أو من القمة إلى السفح ، هذا إلى ما تمارسه بعض الكتابيات من تأثير على الشخصيات الكبيرة إذا قدر لهن الزواج بها مع البقاء على دينهن ظاهرا وباطنا ، أو باطنا وإسلامهن ظاهرا . .
(الجزء رقم: 10، الصفحة رقم: 325)
والقصة التي يحكيها سفر"أستير"لليهودية التي تزوجت سلطان فارس ، وساعدت على توسيع نفوذ اليهود في فارس حتى إذا أراد الوزير الفارسي هامان أن يبطش باليهود صورت الأمر للسلطان أنه تآمر عليه هو ، حتى إذا جاء يوم التنفيذ سيق الوزير إلى المشنقة التي أعدها لليهودي مردخاي ، وليساق معه خمسة وسبعون ألفا في السادس عشر من شهر آذار حتى صار اليوم التالي الرابع عشر من آذار أحد أعياد اليهود الرسمية .
وفي العصر الحديث لعبت زوجات يهوديات أو نصرانيات أدوارا في جر أزواجهن وأوطانهم إلى مواقف وأوضاع ما كان يمكن أن تتم بغير تأثيرهن .
هذا فضلا عن الأدوار الدنيئة التي تمارسها"بائعات الهوى"في المجتمعات الإسلامية لحساب اليهود والنصارى تجسسا وتنفيذا لمؤامرات ، وهن في وضع أشد من أوضاع الزوجات التصاقا وتأثيرا . .
الرأي في الزواج من الأجنبيات:
31 -رأينا أن الحكم الفقهي واضح في زواج المشركات . . . أنه التحريم المطلق .
ورأينا كذلك الحكم الفقهي واضح في زواج الكتابيات . .
1 -أنه يرى أن الزواج بالمسلمة أولى وأوفق .
2 -أنه يرى المنع من زواج الحربية .