ليس المقصود زواج المسلم بمسلمة لا تحمل جنسيته ؛ لأن هذه في فقه الإسلام لا تعد أجنبية ، وإن وقعت بعض الأنظمة المنتسبة إلى الإسلام في هذا الخطأ . .
ذلك أن جنسية المسلم دينه ، والمسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم
(الجزء رقم: 10، الصفحة رقم: 313)
والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره ، ولئن فرضت أوضاع الفرقة والشتات إقامة الحدود والجنسيات بين بلاد الإسلام المختلفة ، وما يستتبعه من بدع الجوازات والإقامات والتأشيرات ، فنحسب ذلك وضعا مؤقتا سوف يزول بإذن الله باجتماع كلمة المسلمين مرة أخرى ، وإسقاط الحدود المصطنعة فيما بينهم .
إنما المقصود بالأجنبية هنا . . من ليست مسلمة . . ويدخل تحت هذا المدلول . . المشركة أو من سار مسارها . . الكتابية . . أو من سار مسارها .
وداخل الأخيرة يختلف الحكم بين"الحربية"وبين"الذمية"أو"المستأمنة"ويرد بعد ذلك حكم الإماء . . من تلك الأصناف . . هل يصح الزواج منها أم أن نكاحها يكون فقط بملك اليمين . . ؟
ذلك هو المقصود بحثه تحت هذا العنوان . ."زواج الأجنبيات"والله المستعان . .
بادرة:
11 -ونبادر إلى تقرير أن زواج المسلم بالمسلمة هو الأولى وهو الأوفق . .
أما أنه الأولى . . فلأنها بلا شك تفضل الكتابية حربية كانت أم ذمية ، كما تفضل المشركة أو الكافرة بغير حدود .
وهو ما نبه عليه رب العالمين حين قال: سورة البقرة الآية 221 وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ، وسواء أخذنا الأمة بالنسبة إلى الله والعبد بالنسبة إلى الله . . فالكل عبيد الله وإماء الله ، أو أخذنا بمعنى ملك اليمين ، فعلى كلا المعنيين . . المؤمنة أولى من المشركة ، سواء كانت المشركة بالمعنى الأصلي أو دخل تحتها الكتابية على رأي البعض - تقول المؤمنة أولى من المشركة . . ؛ لأن الأولى عون للرجل على طاعة الله ، والثانية عون على معصية الله ؛ ولأن الأولى إن صار منها ولد فأمه المؤمنة ترعاه وتقدمه لبنة صالحة للمجتمع الإسلامي ، أما الثانية إن صار منها ولد . . فقد توجهه إلى دينها . . بقصد أو بغير قصد لما يراه منها وهو متعلق بها . . .
(الجزء رقم: 10، الصفحة رقم: 314)
وصدق الله: سورة البقرة الآية 221 أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وأما أنها أوفق .
فلأن المؤمنة تتفق طباعا وسلوكا مع المؤمن . .
ونستبعد من البحث زواج الأجانب يعني زواج المسلمة بغير المسلم فهو محرم نصا وإجماعا . .
أما غير المسلمة . . . فقد تختلف طباعها عن طباع زوجها وبالتأكيد يقع الاختلاف في أكثر الأحوال ، لا بل إنها في مثل هذا الزمن متعالية على المسلم تنظر من القمة التي يعيش فيها قومها - حضارة ومادة - إلى السفح الذي تعيشه الأمة المسلمة هوانا وتفككا ، وفقرا ، وجهلا ، ومرضا . .
وعلى ذلك . . . فإذا كان مجال الاختيار مفتوحا . . . فاختيار المسلمة أولى . . . وأوفق . . لكن الأمر يكون صعبا . . . إن عزت المسلمة . . إما لأنها غير موجودة ، أو لأن الموجود غير ملائم . .
أو إذا وقع المسلم - تحت أي ظرف - تحت وطأة الرغبة إلى غير المسلمة . . فكيف يصير الحكم . . ؟
هذا ما سنبذل الجهد في الإجابة عليه بإذن الله . .
زواج المشركة:
12 -لا يجوز أصلا للمسلم أن يعقد على مشركة وهو موضع اتفاق بين
(الجزء رقم: 10، الصفحة رقم: 315)
العلماء .
لقوله تعالى: سورة البقرة الآية 221 وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ .
والنص واضح في النهي عن نكاح المشركة ، والأصل في النهي التحريم - والنكاح - لغة - يشمل العقد كما يشمل الوطء ، والمشركة في النص غير الكتابية - على الراجح .
لأن القرآن فرق بين الاثنين في أكثر من موضع:
سورة البقرة الآية 105 مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ .
سورة البينة الآية 1 لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ .
سورة المائدة الآية 82 لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ففرق بينهم في اللفظ ، وظاهر العطف يقتضي مغايرة المعطوف والمعطوف عليه .
13 -ولا يحتج بأن كتابية هذا العصر مشركة لأنها تقول:"عزير ابن الله ، والمسيح ابن الله"فقد كانوا كذلك منذ نزول القرآن ، ومع ذلك سماهم"أهل الكتاب"وميزهم في اللفظ والأحكام عن المشركين فضلا عن أن الاختلاف واضح وبين في الواقع كذلك . . وهو ما سنشير إليه عند الحديث عن الكتايبة . . وعلى ذلك فلا يجوز للمسلم"العقد"على مشركة وقد قلنا ذلك لما سنشير إليه عند الحديث عن الإماء من وجود رأي يجيز الوطء بملك اليمين للمشركات دون الزواج بهن . .
زواج حرائر الكتابيات:
(الجزء رقم: 10، الصفحة رقم: 316)
الأصل حل زواج حرائر الكتابيات . .
ولنا في ذلك قوله تعالى: سورة المائدة الآية 5 وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ .
والإحصان بمعنى العفة والحرية - شرط لحل هذا اللون من الزواج ؛ لوروده في النص الذي جاء على خلاف الأصل سورة البقرة الآية 221 وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ والكتابية ، وإن لم تكن مشركة اصطلاحا- فهي عقيدة وواقعا في الإشراك هي واقعة ؛ إذ تجعل مع الله عزيرا أو المسيح ابن مريم .
سورة التوبة الآية 31 اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ لئن اختلفت عن المشركة في إقرارها بوجود الله ، وفي وجود كتاب سماوي تدين به ، فإن هذا الإقرار من ناحية أخرى مشوب بالتحريف . . ومع ذلك فنحن نسلم مع جلة علماء السلف بحل زواج الكتابية ، لكننا نؤكد معهم شرط الإحصان . . شرط العفة ، فيبتعد المسلم قدر ما يستطيع عن خضراء الدمن . . وهي المرأة الجميلة في المنبت السوء .
ولنا كذلك في حل نكاح الكتابيات ما روي عن الصحابة إجماعا وما عليه أكثر التابعين وما وقع من الصحابة أنفسهم .
وذهب الجعفرية إلى عدم حل نكاح الكتابية إلا نكاح متعة .
ويبقى السؤال: من هي الكتابية في مفهوم الآية الكريمة . . ؟
المقصود بالكتابية في حل الزواج:
15 -المقصود بها أصلا . . اليهودية والنصرانية . . فأهل الكتاب يقصد بهم أصلا
(الجزء رقم: 10، الصفحة رقم: 317)
أصحاب الإنجيل والتوراة . . ؛ لأنهم وحدهم الذين ينتسبون إلى كتاب سماوي ، ولأنهم كذلك يعترفون بالله ربا .
16 -ويلحق بأهل الكتاب في الحكم الصابئات . لأنهن - على رأي من ألحقهن بأهل الكتاب يدن بدين ، ويؤمن بنبي ، ويقررن بكتاب .