وفي واقعنا المعاصر تزداد الحاجة إلى الاستمرار والابتكار سيما مع كثرة العصاة والجناة من المسلمين إضافة إلى تطور أساليب التبليغ ووسائل الإعلام ، بما فيها من ترغيب وتشويق وتجديد وتنويع استغله أعداء الإسلام لبث الأفكار الشاذة ، وغرس السلوكيات المنحرفة، ولا ينبغي أن تبقى هذه الوسائل حكرًا على المحاربين للإسلام ، يعرضون فيها بضاعتهم ، في قوالب براقة ، ويبقى الدعاة جامدين لا ينشطون ولا يجددون ، بل على الدعاة (( أن يبلغوا الناس ما يجب عليهم في أمور دينهم ودنياهم من كل الطرق كطريق الإذاعة والتلفاز والصحافة وطريق الخطابة في المجتمعات ، وفي الحفلات المناسبة ، ومن طريق التأليف ومن كل طريق يمكن منه تبليغ شرع الله ) )مجموع فتاوى ابن باز (5/18) ، وهناك الكثير من الوسائل الإيضاحية التي يمكن الإفادة منها ، إضافة إلى وجود قنوات تأثير واسعة جاءت ضمن أنماط الحياة المعاصرة كالنقابات المهنية ، والمؤسسات الاجتماعية وغيرها مما لا بد للدعاة أن يحسنوا التعامل معها والاستفادة منها .
وكل وسيلة مؤثرة ليس فيها ما يخالف الشرع أو يعارض مصلحة الدعوة فالأخذ بها استمرارية وتوسيع لنشاط الدعوة مع ما فيه من التنويع الذي يزيد به الإقبال على الدعوة والتأثر بها .
الفصل الخامس: مقومات مفاهيم الداعية:
الفهم والتصور من الأمور المهمة التي تبنى عليها الأعمال ، وبعض ما مضى من المقومات الشخصية في فروعها كثير من المفاهيم ، غير أن إيجاز القول فيها جعلني أفرد هذه المفاهيم بالحديث استقلالًا ، إضافة إلى أن إفرادها والتركيز على المهم منها يفيد الداعية ويعينه على النجاح ، ويجنبه موجبات الفشل والإخفاق ، خاصة وأنها مفاهيم مرتبطة بالواقع المعاصر ، وبالنشاط الدعوي .
المبحث الأول: مفاهيم حول الإسلام
الفهم الصحيح للإسلام أمر في غاية الأهمية بالنسبة للداعية ، وهذه أسس لا بد منها هذا الجانب:
1.ربانية الإسلام:
الإسلام دين الله جل وعلا ]إن الدين عند الله الإسلام [ آل عمران [19] ، وبالتالي مادام الإنسان عبدًا لله فلا خيار له ، بل لا بد أن يدين بدين الله ]وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [ الأحزاب [36] ، ومن ثم تتضح له غايته في الحياة ]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ الذاريات [56] ، ويعرف أن المقصد هو الله ]وأن إلى ربك المنتهى [ النجم [42] ، وأن الطموح والاجتهاد والبذل والتضحية إنما هو النيل رضوان الله ]وعجلت إليك رب لترضى [ طه [84] ]تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا [ الفتح [29] ]الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا [ الحشر [8] .
ويندرج تحت ربانية الإسلام الفهم والإيمان بكمال الإسلام ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا [ المائدة [3] ، فلا بحث إذن عن مناهج أرضية ، ولا مذاهب بشرية ، إذ هذا الكمال يغني عن ذلك ، ويبرز للإسلام مزية لا ولن تكون في غيره إذ النقص مقطوع به في مذاهب البشر ونحل أهل الهوى ، والتحريف في الرسالات السابقة مقطوع به ]يحرفون الكلم من بعد مواضعه [ المائدة [41] ، والمتاجرة بدين الله ثابتة ، والوقائع بها ناطقة ]ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا [ البقرة [79] والكفر بحكم اتباع هذا التحريف والتلاعب لا يمكن الاختلاف عليه ، ولا الاجتهاد فيه ]وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون [ التوبة [30-31] .
2.شمولية الإسلام:
الإسلام (( دين شامل ، يشتمل على مصالح العباد في المعاش والمعاد ، ويشتمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ، ويدعو إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، وينهى عن سفاسف الأخلاق وعن سيء الأعمال .
فهو عبادة وقيادة ، يكون عابدًا ويكون قائدًا للجيش .
عبادة وحكم يكون مصليًا صائمًا ، ويكون حاكمًا بشرع الله، منفذًا لأحكامه .
عبادة وجهاد ، يدعو إلى الله ويجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله .
مصحف وسيف يتأمل القرآن ويتدبره وينفذ أحكامه بالقوة ، ولو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه .
سياسة واجتماع ، فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة ، والأخوة الإيمانية ، والجمع بين المسلمين والتأليف بينهم )) مجموع فتاوى ابن باز (1/147) .
(( إنه دين يربط المخلوق بخالقه برباط متين ، كما يقيم أفضل علاقة بين الإنسان وأهله وأقاربه ، وبين الإنسان وأخيه سواء كان على دينه أو على غير دينه ، قائمة على العدالة والترابط والتسامح والتعاون على البر والتقوى، كما أوضح كيف يعامل الحيوان الأعجم بالرفق والرحمة والإحسان قبل أن تتظاهر أوروبا بالرفق بالحيوان من خلال جمعيات أنشأتها لهذا الغرض وهي لم ترفق بعد الإنسان ، ولم ترع حقوقه ) )مجموع فتاوى ابن باز (2/299) .
وقد انحسر هذا المفهوم الشمولي للإسلام في أواخر القرن الماضي وبدايات هذه القرن مما حدا بكثير من العلماء والدعاة إلى تأكيده والتركيز عليه وتنويع أساليب وعبارات التغبير عنه فهذا الشيخ حسن البنا يقول: (( الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن ، أو حكومة وأمة ، وهو خلق وقوة ، أو رحمة وعدالة ، وهو ثقافة وقانون ، أو علم وقضاء ، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة ، أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء ) )مجموعة الرسائل للبنا (ص:7) ، ويقول عن رسالة الإسلام: إنها الرسالة التي امتدت طولًا حتى شملت آباد الزمن ، وامتدت عرضًا حتى انتظمت آفاق الأمم ، وامتدت عمقًا حتى استوعبت شئون الدنيا والآخرة (انظر الخصائص العامة للإسلام(ص:105) .
والسيد سابق في كتابه إسلامنا (إسلامنا(ص:11) يقول عن الإسلام: (( إنه استهدف تهذيب الفرد ، وتعاون الجماعة ، وإيجاد حكم أساسه الشورى ، وغايته حماية الدين وسياسة الدنيا ) ).
ومع كثرة التذكير إلا أنه توجد أفهام قاصرة - نتيجة لبعض الظروف أو الضغوط - تنحو نحو فهم جزئي للإسلام يقصره على بعض جوانبه دون بعض ،ويركز على بعض أحكامه وتشريعاته دون بعضها الآخر، ولذا كان التحذير لازمًا مع التذكير وليس هناك أعظم من التحذير الإلهي في قوله تعالى ]أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا [ البقرة [85] .