فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 3028

وليس العطاء محصورًا في المال ، بل هو أوسع من ذلك إذ يشمل كل عون يقدمه الداعية للمدعوين ، وكل معروف يسديه لهم ، فقد يعطيهم من وقته أو جهده أو فكره بل حتى من بشاشة وجهه وحسن استقباله ، وميدان العطاء بالنسبة للداعية فسيح ، وأثره كبير ، فينبغي أن يكون فيه مسابقًا ومنافسًا ، ومحققًا لما أوصى به الشيخ البنا الداعية بقوله: (( أن تكون عظيم النشاط ، مدربًا على الخدمات العامة ، تشعر بالسعادة والسرور إذا استطعت أن تقدم خدمة لغيرك من الناس ، فتعود المريض وتساعد المحتاج ، وتحمل الضعيف ، وتواسي المنكوب ولو بالكلمة الطيبة وتبادر دائمًا إلى الخيرات ) )مجموعة رسائل البنا (ص:21) .

والدعاة ينبغي أن يحرصوا على الخدمات العامة ويخصصوا لها من أفرادهم وجهودهم ما يلائمها ، فلا بد أن يكونوا هم العاملين في الهيئات الإغاثية ، ومشاركة في اللجان الخيرية ، والمشاريع الصحية ونحو ذلك ، ليكونوا أكثر صلة بالناس وأشد قربًا منهم ، وليحوزوا من خلال الخدمة والعطاء استجابة المدعوين وتأثرهم ، إضافة إلى أنهم بذلك يبرزون صورة عملية لشمولية وتكامل الإسلام ، ولصدق وخيرية الدعاة .

ولقد أشارت خديجة رضي الله عنها إلى أثر الخدمة العامة والعطاء الدائم عندما نزل الوحي وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: لقد خشيت على نفسي ، فقالت له: (( والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ) )فيا سبحان الله تأمَّل هذه الصور المتنوعة من العطاء وقد تحلى بها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعثته فكيف إذن كان بعدها ؟ .

المبحث الرابع: الاستمرار والابتكار

إن العمل المنقطع يتبدد أثره ، والعمل المتكرر يورث الملل ، ويفقد الحماس ، ثم إن توقف الداعية وعدم استمراريته في دعوته دليل خلل في فهمه ، أو ضعف في عزمه ، وتكراره وعدم ابتكاره يشير إلى قلة حيلته وضعف بصيرته ، وما هكذا يكون الداعية ، بل الداعية نشاط متدفق ، وتجديد متألق ، عمل لا يكل ، وتفكير لا يمل .

والدعاة لهم في هذا الباب مثل عظيم جدًا في قصة نوح عليه السلام حيث لبث في قومه داعيًا ]ألف سنة إلا خمسين عامًا [ العنكبوت [29] ، وكانت هذه الأعوام الطويلة عملًا دائبًا ، وتنويعًا متكررًا ]قال رب إني دعوت قومي ليلًا ونهارًا ، فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا ، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا ، ثم إني دعوتهم جهارًا ، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا [ نوح [5-9] ، رغم امتداد الزمن الطويل ، ما توقف عن الدعوة ولا ضعفت همته في تبليغها ، ولا ضعفت بصيرته وحيلته في تنويع أوقاتها وأساليبها ، قال الألوسي في تفسيره: ]رب إني دعوت قومي [ أي إلى الإيمان والطاعة ، ] ليلًا ونهارًا [ أي دائمًا من غير فتور ولا توان ، ثم وصف إعراضهم الشديد، وإصرارهم العنيد ، ثم علق على قوله تعالى: ] ثم إني دعوتهم جهارًا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا [ فقال:أي دعوتهم مرة بعد مرة ، وكرة غبَّ كرة، على وجوه مختلفة وأساليب متفاوتة، وهو تعميم لوجوه الدعوة، بعد تعميم الأوقات، وقوله ] ثم إني دعوتهم جهارًا[ يشعر بمسبوقية الجهر بالسر، وهو الأليق بمن همه الإجابة لأنه أقرب إليها لما فيه من اللطف بالمدعو (تفسير الألوسي(10/89) .

فانظر إلى استمراريته في الدعوة رغم شدة الإعراض والعناد، لم يدفعه ذلك الإعراض إلى التوقف، ولا لممارسة الدعوة بصورة عادية لا روح فيها بل على العكس دفعه الإعراض ليواصل المحاولة مع تنويع الأساليب وابتكار طرق جديدة لتبليغ الدعوة، وتزيده حماسة على (( جعل دعوته مظروفة في زمني الليل والنهار للدلالة على عدم الهوادة في حرصه على إرشادهم وأنه يترصد الوقت الذي يتوسم أنهم فيه أقرب إلى فهم دعوته منهم في غيره من أوقات النشاط وهي أوقات النهار، ومن أوقات الهدوء وراحة البال وهي أوقات الليل ) )التحرير والتنوير (29/194) ، (( وتوخي ما يظنه أو غل إلى قلوبهم من صفات الدعوة، فجهر حيث يكون الجهر أجدى مثل مجامع العامة، وأسرَّ للذين يظنهم متجنبين لوم قومهم عليهم في التصدي لسماع دعوته ) )التحرير والتنوير (29/197) .

ولنا مثل في قصة يوسف عليه السلام لما دخل السجن مظلومًا، حيث انتهز الفرصة ومارس الدعوة .

والاستمرارية خير كما قال عليه الصلاة والسلام (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ ) )قال المناوي: (( أدومها: أي أكثرها ثوابًا، وأكثرها تتابعًا ومواظبة ) )، وذكر منافع العمل الدائم فقال: (( لأن النفس تألفه فيدوم بسببه الإقبال على الحق، ولأن تارك العمل بعد الشروع كالمعرض بعد الوصل ) )ثم قال: (( وفيه فضيلة الدوام على العمل ) )فيض القدير (1/165-166) ، ولقد خوطب عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى ] واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [ الحجر [99] ، فظل يدعو إلى الله ويبلغ رسالة الله حتى وهو على فراش الموت يوصي أمته كما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه:لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) )أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته (الفتح) (8/140) .

وبالنسبة للتنويع والابتكار فإن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا سرًا وجهرًا ، وسلمًا وحربًا، وجمعًا وفردًا، وسفرًا وحضرًا، كما أنه عليه الصلاة والسلام قصَّ القصص ، وضرب الأمثال ، واستخدم وسائل الإيضاح بالخط على الأرض ، وغيره ، كما رغَّب وبشَّر ، ورهَّب وأنذر ، ودعا في كل آن ، وعلى كل حال وبكل أسلوب مؤثر فعال .

والصحابة الكرام من الخلفاء الراشدين طبقوا قاعدتي الاستمرار والابتكار ونكتفي بالإشارة إلى بعض ذلك في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فأبو بكر رضي الله عنه أعلن في كلمته العظيمة عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إنها استمرارية الدعوة وعدم ارتباطها بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم بل هي دعوة لله مستمرة مدى الحياة ، ثم طبق هذا عمليًا فأنفذ جيش أسامة وقاتل المرتدين بأحد عشر جيشًا ثم بعث الجيوش إلى الفرس والروم ، كما أنه أمر بجمع القرآن وخالفه الصحابة أول الأمر ثم أجمعوا على رأيه لما فيه من مصلحة الأمة .

وعمر رضي الله عنه أتم فتوح الشام والعراق ثم فتح مصر وبيت المقدس . وفي شأن الابتكار والاجتهاد ورعاية مصالح الأمة ومنافع الدعوة كانت له آثار عظيمة فقد دوَّن الدواوين مثل ديوان الجند، وديوان العطاء ، وديوان الأعمال وديوان الإنشاء (أوليات الفاروق السياسية(ص:300-304) ، وفي مجال الاجتهاد في المحافظة على تماسك الأسرة والمجتمع أمضى طلاق الثلاث ردعًا للمتساهلين (أوليات الفاروق السياسية(131-138) ، وفي مجال التشجيع على التعليم قرر الجوائز للمشتغلين بحفظ القرآن الكريم (أوليات الفاروق السياسية(ص:116-119) ، كما قام بجعل أرض السواد وقفًا لجميع المسلمين فكان لذلك أثره في إنهاء نظام الطبقية والإقطاع ، كما أدى إلى دخول أهل تلك البلاد في الإسلام ، وقطع الطريق على عودة جيوش الروم والفرس ، وإضافة إلى إيجاد موارد مالية لتأمين الثغور وتجهيز الجيوش (الدعوة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب(ص:126-137) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت