فهرس الكتاب

الصفحة 1472 من 3028

هذا ولقد طرحت عقيدة التثليث التي جاء بها بولس (اليهودي الأصل) في المجامع الكنسية واستقر الأمر عليها بعد مجمع نيقيا الذي عقد في عام 325م ، وكان المسيحيون قبله مختلفون في هذه العقيدة ، فمنهم من كان يؤمن بالتوحيد ويدعو إليه ، وينكر ألوهية المسيح وعقيدة التثليث ، ويشن الحرب على بولس وأتباعه ، ويتهمه بأنه أفسد الديانة المسيحية بعد أن عجز عن القضاء عليها بالسيف والسلطان فدخل في المسيحية وأخرجها من التوحيد إلى الوثنية.

لقد دار نقاش طويل حول الأقانيم الثلاثة ، وقد أصدر سبعة من علماء اللاهوت البريطانيين كتابًا عام 1977 م ، تحت عنوان the myth of god incarenate وترجمته ( أسطورة التجسيد الإلهي ) والمقصود بها أسطورة تجسيد الإله في السيد المسيح ، وهي الدعوة التي تستند إليها مسيحية الغرب في دعوى البنوة والتثليث ، وأجمع هؤلاء العلماء أن دعوى تجسيد الله سبحانه وتعالى في جسد المسيح دعوى غير حقيقية وباطلة ولا يسندها شيء من المنطق ، بل لا تعدو أن تكون أسطورة مقحومة على الفكر المسيحي مأخوذة من الفكر اليهودي والتراث الوثني الإغريقي.

مما تقدم يتضح لنا الخلفية التاريخية والعقدية التي ينطلق منها الغرب لمحاربة الإسلام ، الأمر الذي يبين لنا البعد العقدي في العلاقة بين اليهود والنصارى في الحرب المعلنة ضد الإسلام.

حركة الاستشراق بداية العدوان:

لقد عمدت البابوية إلى إنشاء حركة الاستشراق منذ انعقاد مجمع فينا الكنسي (1311 - 1312م) ؛ وذلك نزولًا على قرار البابا إكليمنص الخامس (16) ، إذ أوصى بتأسيس كراسي الأستاذية للعربية واليونانية والعبرية والسريانية في جامعات باريس وأكسفورد ، وبولونيا وغيرها.

ويرى ايرنست باركرE. Barker أن اجتياز المسيحية اللاتينية ما وراء البحار لمحاربة الإسلام تعد مرحلة تاريخية هامة ذات أبعاد خطيرة سعى الاستشراق البدائي لتصويرها بشكل معاكس يؤكد على انتصار الغرب المنهزم ، وهزيمة الشرق المنتصر. لقد جسد المشروع الصليبي عصبية الغرب تجاه الإسلام إذ يعتبر توماس أرنولد الحروب الصليبية بمثابة ( حركة روحية) ووصفها بأنها عبارة عن حرب مقدسة ، حرب عادلة عند رجال الدين من الوجهة النظرية ، فضلًا عن أنها حرب مباركة عند رجال الدين ، من الوجهة النظرية ، فضلًا عن أنها حرب مباركة يصح أن يعول الناس مصائرهم عليها ، بينما يرى المستشرق الروسي (إليكسي فاسيلينتس جورافسكي) أن التصورات الأوربية عن الإسلام قد تشكلت ما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر للميلاد ، في كثير من جوانبها وخطوطها الكبرى على خلفية التفسير المسيحي الشرقي للعقيدة الإسلامية ، مشيرًا في ذلك إلى مؤلفات (يوحنا الدمشقي) التي ناقش فيها الإسلام كبدعة ، وأن المسلمين لا يعتقدون بألوهية المسيح وصلبه ، وأن يوحنا يرفض أن محمدًا صلى الله عليه وسلم نبي الله وهو خاتم المرسلين ، وأن القرآن كلمة الله المنزلة إلى محمد صلى الله عليه وسلم من السماء: إذ يرى أن سلسلة الرسالات النبوية ختمت بيوحنا المعمدان (20) ولم تكن الكوميديا الإلهية لدانتس الإيطالي وقصائد لوجيت الإنجليزي سوى أمثلة على تلك العصبية الغربية التي وضعت الإسلام أمام محاكمة تاريخية ، ودعت إلى إعدامه ونفيه خارج عقل الغرب وروحه.

ومن الملاحظ أن الدراسات المتعلقة بالإسلام والمسلمين هي فقط التي تتسم بالتحيز والتعصب والغضب ، بينما لا نجد ذلك في الديانات الأخرى كالبوذية مثلا أو المجوسية أو اليهودية .

هذا إحدى الملاحظات التي سجلها إدوارد سعيد ، وكما نعلم فإن الدكتور إدوارد مسيحي الديانة ، ودليل قاطع على أننا لا نبالغ نحن المسلمون بقولنا إن هناك حقدًا دفينا من الغرب المسيحي ضد الإسلام.

وملاحظات كهذه جديرة بالانتباه كما يقول الدكتور أكرم العمري خاصة إذا رجعنا إلى الاستشراق في بداية نشاطه ، لأن بداياته الأولى ترجع إلى فترات مبكرة ، وترتبط بقصة الصراع بين المسلمين والغرب من خلال فتح الأندلس والحروب الصليبية والصراع في صقلية وجنوب أوروبا ، الأمر الذي جعل الإسلام يحتك بصورة مباشرة بالنصرانية التي كانت مؤسساتها الكنسية تسود العالم الغربي ، وكانت هي التي تتوج الأباطرة والملوك مما دفع عددًا من القساوسة لدراسة الإسلام ، في منهج يتسم بالتشنج والعاطفية والانطباعات الشخصية.

ولعل من أهم أسباب تحامل الغرب على الإسلام أن أوروبا كانت تخشى من وعي علمائها وطلبتها لطبيعة الفكر الإسلامي الذي صحح ما في الحضارة اليونانية وأضاف عليها الكثير فخشي الرهبان من احتكاك الطلبة القادمين من أوروبا إلى الأندلس لتلقي العلم بالبيئة الإسلامية ، ومن هنا نشأت مراكز الدراسات الاستشراقية المختلفة في أوروبا بإذن من الباباوات وبتنسيق المجالس الكنسية ، ووضعت في كمبردج واكسفورد ، وفي مراكز أخرى مثل ألمانيا.

وهذا دليل قاطع على أن الاستشراق قام لهدف ديني في المقام الأول ، ولكن هذا لا يمنع من وجود أهداف أخرى دنيوية وفي مقدمتها الأهداف السياسية والاقتصادية ويوضح هذا تقرير المراجع الأكاديمية المسؤولة في جامعة كمبردج بالنسبة إلى إنشاء كرسي اللغة العربية فيها ، فقد قررت هذه المراجع في خطاب مؤرخ في 9 مارس سنة 1636م ، وموجه إلى مؤسس هذا الكرسي جاء فيه: ونحن ندرك أننا لا نهدف من هذا العمل الاقتراب من الأدب الجيد بإلقاء الضوء على المعرفة ، المحتبسة في نطاق هذه اللغة التي نسعى لتعلمها ، ولكننا نهدف أيضًا إلى تقديم خدمة نافعة إلى الملك والدولة عن طريق تجارتنا مع الأقطار الشرقية وإلى تمجيد الله بتوسع حدود الكنيسة والدعوة إلى الديانة النصرانية بين هؤلاء الذين يعيشون في الظلمات.

ومما يؤكد أن الهدف الديني كان في مقدمة أهداف نشأة الاستشراق أن أول جالس على كرسي اللغة العربية في جامعة كمبردك أعد مشروعًا - لم يكتمل تنفيذه- لتفنيد القرآن الكريم.

وهذا الموقف العدائي للإسلام من قبل الغرب المسيحي مستمر حتى الآن: إذ أعلن الباب يوحنا الثاني في المجمع المسكوني الذي عقد في الفترة من 1965 - 1962 أنهم سيعملون من أجل استقبال الألفية الثالثة بلا إسلام ، وأعلن المؤتمرون في مؤتمر التنصير الذي عقد في كلورادو بالولايات المتحدة عام 1978م أن الحضارة الإسلامية شر برمتها ينبغي اقتلاعها من جذورها ، وأن كلمتا مسجد ومسلم تستفزهم ، وأن الحوار الإسلامي المسيحي أحد وسائل تنصير المسلمين ، كما أعلن نائب الرئيس الأمريكي في احتفال الأكاديمية البحرية في ميرلاند عام 1992م أنهم أخيفوا في القرن العشرين بثلاث تيارات هي: النازية والشيوعية والأصولية الإسلامية ، وقد تمكنوا من القضاء على النازية والشيوعية ، وبقيت الأصولية الإسلامية ، إذ ما أعلنه الرئيس جورج بوش بأن حربه على الإرهاب حرب صليبية لم تكن زلة لسان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت