فهرس الكتاب

الصفحة 1470 من 3028

ولقد كان لهذه الترجمات آثارها البعيدة في هدم طبائع الأمة التي تختلف تمامًا، وفي التمرد على وجودنا وطبيعتنا تحت تأثير الانبهار بهذا الجانب من مدينة الغرب القائم على الزخرف والأضواء والرقص والفنون.

كذلك كان من أسوأ آثار الترجمة ذلك الخلط الشائن بين المذاهب المتعارضة والنظريات المضادة، وهي نظريات متفاوتة، ولكنها حين نقلت إلى فكرنا الإسلامي أريد طرحها جملة باضطرابها واختلافها لتكون عاملًا شديد التأثير في إفساد هذا الفكر والإدالة منه.

ومن العجب أن ننقل ونترجم آثار الفكر الغربي اليوم وهو يمر بمرحلة الأزمة والانهيار والهزيمة، ثوقد أحيط به واحتوته مقررات التلمودية وبروتوكولات صهيون وآوى أهله إلى ذلك الإحساس الرهيب بالغربة والقلق والتمرد والغثيان فنقل مسرح العبث واللا معقول واللا أدب واللا فن ومثل هذه الفنون المهومة المضطربة التي لسنا في حاجة إليها ولا هي تستطيع أن تعطينا شيئًا يعيننا على بناء أنفسنا أو فكرنا أو أمتنا وخاصة ما كتبه سارتر وكامي ومالرو من أحاسيس بالرعب والفزع والاضطراب نتيجة ذلك الانفصال الشائن عن العقيدة والدين والأخلاق وهي في مجموعها الفطرة التي لا تستطيع النفس الإنسانية أن تتجاهلها أو تحتويها.

كذلك فإن هذه الترجمات تصور الفرد الغربي وهو يحتقر الأخلاق ويسخر من الرحمة والصدف والعفة والشرف ويحتقر الوطنية ويضحك من الإخلاص للمجتمع ويستخف بفكرة الأسرة والعائلة.

وتجد مثل هذه الترجمات تحمل ذلك المثل الرديء بأن لا يحب الإنسان أحدًا ولا يخدم أي مثل أو دين أو مبدأ، ويعتبر ذلك تقييدًا لحريته وما يتصل بهذا من إنكار لله تبارك وتعالى وتهجم بالعبارات الرديئة عليه على النحو الذي عرف عن نيتشه وسارتر وبيراندللو وفضلًا عن إحياء الأساطير واتخاذها أساسًا لنظريات في علم النفس والأخلاق والاجتماع أو مصادر لمفاهيم الأنثروبولوجيا وغيرها من المفاهيم.

هذه السموم جميعها تترجم إلى لغتنا العربية إلى أدبنا وفكرنا دون أن يقول لنا مترجموها ما هو الحق فيها وما هو الزيف، وما موقفنا منها كأمة لها عقيدتها وفكرها ومفاهيمها وقيمها.

وبذلك يطرحون في أفق مجتمعنا الإسلامي موجة زائفة من اليأس والتشاؤم والملل وازدراء الحياة مما لا يتفق مع طبيعتنا المتفائلة المؤمنة بالله التي لا تخاف شيئًا والتي تعتصم دائمًا برضوان الله ورحمته.

ولعل هذه السموم التي تطرحها حركة الترجمة من أخطر ما يواجه حركة اليقظة الإسلامية اليوم ويضع أمامها صخورًا تحول بينها وبين إكمال المسيرة إلى الحق وتحجب كثيرًا من حقائق الإسلام وتفسد العقول والقلوب في أعماق شبابنا وأجيالنا الجديدة وحسبما تقول الدكتورة نازك الملائكة: ما من شيء يستطيع أن يفسد علينا جهودنا مثل تبنينا لهذا الفكر الغربي المريض فإذا اتخذ شبابنا نماذجه الأدبية والفكرية من أعلام الغرب المعاصر مثل سارتر ومورافيا وكافكا فالي أين سينتهي؟.

ونحن نقول أننا أشد ما نكون حاجة إلى أن نتنبه ونحذر مثل هذا الفكر الوافد وأن نقف منه موقف التحفظ وأن نكشف حقيقته لأبنائنا ونقدمه في صراحة ووضوح ونقول لهم إن هذه المفاهيم ليست مفاهيم المجتمع الإسلامي العربي ولن تكون للاختلاف العميق في الأسس والمصادر والمقومات والقيم والعقائد بين فكرنا وبين هذا الفكر وبيننا وبين الغرب.

وتقول نازك الملائكة: إن اتجاهات الكتب المترجمة عن الغرب تقلقنا حتى أصبحنا نخشى على نفسية القارئ العربي من رشائش هذه الموجة التي تأتينا رافضة هو صفتها من وجهة نظر الأمة العربية. إن لنا حاجاتنا العربية وهي تملي علينا أحكامنا الاجتماعية وينبغي أن تمليها.

ولقد أعلن كثير من الباحثين الغيورين تخوفهم من موجة الترجمة التي انطلقت خلال تلك السنوات الطويلة بغير ضابط لها وغير مراجع يدفع عن الفكر الإسلامي شرها ويذود عن المجتمع الإسلامي آثارها وسمومها وقد حق اليوم وقد بلغ الفكر الإسلامي مرحلة الرشد والأصالة والقدرة على التحرر من التبعية معاودة هذا الفكر كله بالنظر والدحض وخاصة ما كتبه المستشرقون عن الرسول والإسلام والقرآن واللغة العربية وتاريخ الإسلام مما يحمل بذور الشكوك والتخرصات الضالة المضلة.

وفي يقيني أن مترجمي هذه الكنب لم يكونوا حسنى النية في نقلها ولم يكونوا يحاولون تقديم الجديد الذي يطمعون به في بناء أممهم، ولكنهم كانوا ضالين في محيط دقيق للغرب والغزو الثقافي وإلا لحالوا دون ترجمة السموم ولأردفوا ما ترجموه بوجهة نظر الفكر الإسلامي العربي فيما قدموه.

ولا يمكن أن يكون الكاتب الغيور على أمته المؤمن بحقها في الوجود الحافظ لكيانها هو ذلك الذي يترجم لها ما يذلها وما يستبعدها وما يوردها مورد الهوان والخيبة والعبودية حين يحطم لها قيمها ويدمر لها تقاليدها وأصولها بما يحرضها عليه من إثم وفسوق.

إن اختلاف الذوق واختلاف العقيدة واختلاف القيم والتقاليد يجب أن يكون حاجزًا أصيلًا في مجال الترجمة فما يجوز لنا أن ننقل إلى بناء أمتنا ترجمة لقصة مستهجنة أو مسرحية آثمة أو كتاب فاحش مكشوف فما أعتقد أنه ينفع أمتنا على أي نحو من الأنحاء.

ومهما يكن من تقدير الغربيين له فإنه لا حاجة لنا به مطلقًا، وإنما نحتاج إلى ترجمة ما يهذب الأذواق ويجدد النفس ويخلق صورة طيبة للتعامل الاجتماعي بين الرجل والمرأة، وهو ما يفتقده الأدب الغربي في مراحله الأخيرة هذه بعد أن خضع خضوعًا خطيرًا لنزعات الجنس والإباحيات والفحش والعرى ومذاهب الغربة والقلق والتمزق. ولعله يوجد في الأدب الغربي كثير من الآداب ما يرقى الذوق ويهذب النفس ولكن مترجمينا لا يطلبون هذا ولا يرضون ترجمته وإنما يترجمون تلك الآثام وتلك السموم لأنها تروج في سوق التجارة فيكسبون منها مالًا ويتركون شرورها في عقول المسلمين والعرب وفي قلوبهم ولقد كان واضحًا تمامًا أن حاجتنا إلى الترجمة من الغرب هي في مجال العلوم التجريبية والطبيعية والطب والجغرافيا والفلك والتنولوجيا فهذه هي الميادين التي تقدم لنا ما يدفعنا إلى النهضة والقوة وامتلاك إرادة الحياة، أما ما يتصل بالمفاهيم النفسية والاجتماعية والأخلاقية وما يتصل بالفنون والقصص والآداب فذلك ما لسنا في حاجة إليه لأن لكل أمة آدابها وقيمها.

ولقد كان لنا دائمًا نظرتنا في مجال نقد الأدب وفي مجال الفنون ولنا مفاهيمنا الاجتماعية والأخلاقية في مجا الاقتصاد والسياسة والتربية ولنا مفهوم متكامل جامع هو بمثابة نظام مجتمع ومنهج حياة فلماذا تحاول حركة الترجمة، والقائمون عليها تدمير هذا النظام والتشكيك فيه وذلك بترجمة كل ما يعارضه وما يختلف معه، بل وما رماه به المستشرقون من اتهامات وشبهات. الحق أن خطة الترجمة آثمة أشد الإثم، وعملية وخاطئة.

والواقع أننا يجب أن نعرف الفكر الغربي ونرد عليه، نعرفه على أنه فكر أمة أخرى غير أمتنا وأنه يحمل وجهة نظر أخرى تختلف كثيرًا عن وجهة نظرنا وقد نلتقي في بعض الجزئيات ولكنا يجب أن نكون مؤمنين أشد الإيمان بمنهجنا الرباني المصدر الإنساني الاتجاه الجامع المتكامل الذي يستهدف بناء الحياة من أجل الخير والعدل والحق واستخلاف الإنسان في الأرض من أجل إسعاد البشرية كلها، وأن نقف موقف المعارضة لكل ما يحاول أن يفسد هذا المفهوم أو يزيفه أو ينقلنا إلى طوابع تغلب عليها الأنانية أو الإباحية أو الاستعلاء العنصري أو الظلم أو الاستبداد او تملك مفاتيح العلوم والتكنولوجيا وقصرها على أمة لعبثها وحرمان البشرية كلها منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت