كذلك فهم يعيشون في إطار مفهوم الوثنية اليونانية القائمة على عبادة البطولة ورفع الفرد إلى مصاف الآلهة وأنصاف الآلهة. بينما يقصر المسلمون العظمة كلها والعبودية كلها لله سبحانه وتعالى.
كذلك فهم يجسدون البطولة في تماثيل، بينما لا يؤمن الإسلام بتجسيد البطولة ويركز مفهوم تقديرها في توجيه العمل البطولي نفسه خالصًا لله.
وقد رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قبل من أن الشمس كسفت لموت ابنه، واتخذ عمر من الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامي ولم يجعله شبيهًا بالأديان الأخرى حين اتخذوا مولد أنبيائهم.
10-أن أخطر ما استُدرج إليه الكتاب المسلمون والعرب من التبعية للمناهج الغربية في تقدير البطولة أو تفسيرها ذلك الاتجاه نحو الوراثة والطبائع الفردية، بينما يقوم منهج تفسير البطولة الإسلامي على تقدير الأثر الخطير الذي تُحدثه التربية والعقيدة في توجيه الإنسان وتحويله من حال إلى حال، ومن هنا يبدو خطأ الاعتماد على رأي لونبروزوا ومدرسته في تكوين البطل أو العبقري، ومن التعسف البالغ رد عظمة أبي بكر وعمر إلى ملكاتهم دون تقدير أثر الإسلام في تغيير النفوس وإعادة تشكيلها مرة أخرى.
لا ريب أن العقيدة الإسلامية هي التي حولت هذه الشخصيات وأعادت صياغتها من جديد في ضوء التوحيد وأخرجتها من شخصيتها القديمة وأن أي مقارنة بين حياة عمر قبل الإسلام وبعده تكشف عن ذلك بوضوح، كذلك يبدو هذا في نماذج أقل بطولة: يظهر ذلك في تحول الخنساء مثلًا.
ومن الحق أن يقال أن هذا الزيف في فرض منهج أو مذهب في تفسير النبوة على أنها بطولة أو عبقرية أو دعوة إلى حرية؛ إنما هو من أعمال الأيدلوجية التلمودية التي تهدف إلى تدمير قيم الوحي ورسالات السماء.
أنور الجندي
في مواجهة الفراغ الفكري والنفسي في الشباب
إن من أكبر المهام التي يفرضها علينا"التحدي الذي تواجهه الأمة الإسلامية": تحدي الصهيونية والاستعمار والماركسية: ممثلًا في التغريب والغزو الثقافي والشعوبية: هو بناء ذاتية المثقف المسلم العربي.
إن أي ثقافة أو قراءة أو إطلاع دون هوية ومعرفة للهدف ودون إيمان برسالة الإيمان والحب لهذه الأمة والذود عنها وافتداء عقائدها ووجودها، لا قيمة لها، بل إنها سوف تكون مصدرًا من مصادر الشقاء لأنها سوف تدفع صاحبها ليجري مع كل ريح، وسوف يعجز عن تحديد موقفه من أهواء المذاهب وتيارات النظريات وزخارف التعابير المنمقة الكاذبة نحن مطالبون أولًا بأن نعرف ركائز فكرنا وعقيدتنا، فإذا عرفناها آمنا بها واعتنقناها وملأنا بها كياننا الروحي والنفسي والعقلي، واستطعنا في ضوئها أن نواجه كل ما يقدم إلينا من هذا الشتات الكثير المختلط، إن الخطر الذي اجتاح بعض من غلبوا على أمرهم فانحازوا إلى هذا الفكر أو ذاك إنما كان مصدره"منطقة الفراغ"التي دفعت الرياح الهوج لتملأها ولو أنهم كانوا قد عملوا على ملأها بالحق والخير والإيمان والنور المستمد من العقيدة الصافية والفكر الأصيل لما استطاعت الأهواء أن تجتاحهم، لقد برقت يف عيونهم كلمات خادعة لفرويد ونيتشه وماركس وسارتر، ولو تعمقوها لوجدوها سمًا زعافًا. إن المثقف المسلم الأصيل، المؤمن بأمته وعقيدته لا تخدعه الأسماء اللامعة ولا المطبوعات الفاخرة ولا الكلمات البراقة وإنما يعرف الرجال بالحق فمن عرف الحق عرف أهله ومن ثم فإن هذه الركائز قد تكون قادرة على إلقاء الضوء الكاشف أمام النفوس المستشرفة للضوء والعقول المتطلعة إلى النور.
إن أمتنا ليست في حاجة إلى أن تعتنق مذهبًا ما من هذه المذاهب المطروحة أمام الفكر، أو نظام مجلوب من خارج دائرة ثقافتها. وهل يجوز لأمة لها هذا التاريخ العريق والدور الأصيل في بناء حضارة الإنسانية أن تحتوي، أو تصهر في أتون فكر الأمم، أو أن تستبعد لنظريات الفكر البشري وعندها الفكر الرباني الخالص الأصيل المستمد من وحي السماء. إن أبرز طوابع أمتنا هي الأصالة والاحتفاظ بالكيان الخالص والذاتية التي لا تنصهر ولا تذوب في فكر الأمم، ولأمتنا المنهج الأصيل الذي يحقق لها إذا أخذت به أسعد ما تتطلع إليه الأمم من نظم الاجتماع والفكر استمدادًا من التوحيد الخالص والالتقاء بالفطرة والتجاوب مع الطابع الإنساني، إن نظرة فكرنا الإسلامي العربي نظرة رحبة عميقة واسعة الآفاق والأبعاد جامعة بين الروح والمادة والعقل والقلب، والدنيا والآخرة في إطار الالتزام الأخلاقي والمسئولية الفردية والإيمان بالبعث والجزاء. هذا الفهم الجامع الكامل الرحب من شأنه أن يثرى آفاق حياتنا في مواجهة التحدي الاستعماري الخطير الذي يلتمس الآن أصول فكرنا لتزييفه واحتوائه من خلال مؤسسات ظاهرة هي التبشر والاستشراق ومن خلال قوى خفية تتمثل في بروتوكولات صهيون وما تدبره في خفاء عن طريق الفكر والصحافة والثقافة وبواسطة مذاهب فلسفية تدور حول النفس والأخلاق والاجتماع ومقارنات الأديان وذلك في سبيل تحقيق هدفها الخطير المعلن وهو السيطرة على العالم بعد القضاء على كل قيمه ومثله وأخلاقياته.
ومن هنا فإن هذا التحدي يجب أن يكون قائمًا في نفس كل منا وعقله، لا يغيب عنا لحظة ولا تجدنا ننظر في أمر من هذا الخطر الذي ترمي إليه كل القوى الطامعة في بلادنا والتي ترى أن خير وسيلة لاحتوائنا هو استقطاب فكرنا، حيث أننا أمة لا يمكن أن تخضع إلا إذا أزيلت رواسيها: القرآن والإسلام واللغة العربية. لقد تنبهنا لهذا الخطر منذ وقت طويل وبقى أن نحول هذا الفهم إلى إرادة حية تصد هذا الكيد وتحمي هذا الميراث وتحمل تلك التبعة وتزود عن هذه الأمانة بكل مرتخص وغال، ذلك أن أي إنسان منا ما هو إلا ابن هذه الأمة وهذا الفكر وهي بنوة عريقة ونسب كريم فقد حمل آبائنا أشرف رسالة وأعظم دعوة وكانوا من المجاهدين في سبيل هذا الحق، قادة للهدى والنور والخير في كل أرض وعصر ومن حقهم علينا أن نسير على طريقهم في النضال وأن نحمي هذه الأمانة ونذود عنها وأن نظل قادرين على حمل اللواء، وأن نقدم الإسلام إلى الأمم الحائرة التي تعيش اليوم في قلق وتمزق نتيجة غلبة النزعة المادية عليها.
ومن أجل تحقيق هذا كله أردت أن أضع بين أيديكم هذه المجموعة من الحقائق الفكرية والثقافية كأساس لبناء نظرة صحيحة إلى الحياة.
(أولًا) : إن التدين جزء من الطبيعة البشرية ولا يستطيع الإنسان أن يعيش بغير دين وقد عجزت الأيديولوجيات والمذاهب الحديثة أن تقدم له بديلًا عن الدين يرضي روحه ويسعد حياته.
لقد حررت الأديان الإنسان من عبودية المجتمع وعبودية الفرد ليتجه إلى الله وحده ولكن هذه الأيديولوجيات أعادت الإنسان إلى سجن المجتمع - لقد تضاءل الإنسان ليصبح مجرد نملة اجتماعية في مجتمع النمل.
لقد علمت الأديان أنه ليس حشرة اجتماعية ولكنه إنسان ذو كرامة. فاستطاعت أن تمنح معتنقيها هداية لا تستطيع أن تجاريها فيها الأيديولوجيات التي فصلت الإنسان من عبادة قوى الطبيعة إلى عبادة قوى المال والمادة.
(ثانيًا) : إن الإنسان ليست له أزمة ولا قضية حادة في ظل مفهوم الإسلام ذلك أن الإسلام نظر إلى الإنسان نم خلال طبيعته الجامعة بين الروح والجسم والعقل القلب. نظر إليه بوصفه كيانًا متكاملًا وبذلك أقر رغباته المادية كلها وأباحها له دون أن يقيدها إلا بضوابط معينة قصد بها حماية الإنسان نفسه من الانهيار والتدمير وحتى يكون قادرًا على أداء رسالته في الحياة ومواجهة مختلف التحديات دون أن يضعف أو ينهار.