وفي مقدمة المعجزات معجزة القرآن فهي معجزة قائمة أبد الدهر، تمتاز عن معجزات الرسل والأنبياء بأنها باقية، ومعجزة القرآن إنما تمثل في مطابقته الدائمة لحقائق الماضي والحاضر والمستقبل، وصدق تحدياته للبش في عجزهم عن معارضته، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وفي الآيات التي أثبتتها ما تزال قائمة، تعجز الملوك والدول والأمم عن مواجهتها. وما تزال قائمة، تعجز الملوك والدول والأمم عن مواجهتها.
3-من ناحية أخرى فإن النبوة ضرورة أساسية للحياة البشرية وبناء الإنسان الفكرى والاجتماعي؛ فهي التي تحسم عشرات القضايا المصيرية التي تبقي بلا جواب عندما تقوم الريبة والشك في حقيقة الوحي.
إن الوحي هو الذي يضع النقاط على الحروف في تلك الشبهات التي تثير عوامل القلق والتمزق والصراع النفسي الذي يواجه الآن مجموعة الأمم التي ألحدت وفصلت ما بينها وبين نور الله.
4-إن عجز العقل عن فهم الغيبيات وما يتصل بها يكشف عن ضرورة الوحي والنبوة، فالعقل غير كاف وحده وغير قادر وحده.
"والوحي يعاضد العقل ويؤكد حكمه ويجعله موثوقًا فيما يصل العقل إلى معرفته فيكونا دليلين على مدلول واحد يرشد العقل ويهديه فيما لا يستقل بمعرفته مثل المعاد ويكشف عن وجود الأشياء التي لا يدرك العقل كنهها ومنهجها".
وقد التقى الوحي والعقل في القرآن لأول مرة في الفكر الإنساني والإسلام وأهله يؤمنون بأن المعرفة الإنسانية ليست قاصرة على معطيات الحس، وعلى حد تعبير الشيخ محمد عبده وقد نقلناه عنه"قد يعرص الدين شيئًا يتجاوز حدود الفهم، ولكن لا يعرض شيئًا يتجاوز حدود الإدراك مطلقًا".
5-ولقد امتدت النظرية الوافدة في البطولة والوحي والنبوة إلى القول بأن القرآن انطباع في نفس محمد صلى الله عليه وسلم.
وهو ليس كذلك أبدًا؛ فهناك فارق واضح وعميق بين كلام النبي محمد ونظم القرآن الكريم يعرفه أهل البيان واللغة ويعرفون أبعاده ومداه.
وليس صحيحًا أن القرآن فيض من العقل الباطن في محاولة دعوة الإشادة بعبقرية محمد وألمعيته وصفاء نفسه، ولا ريب أن لمحمد كل صفات السمو النفسي، ولكنه وصفه بالنبي نسبة إلى الوحي الإلهي هي أكبر معطياته.
ومثل هذا القول إنما يرمي إلى محاولة خادعة لقطع الصلة بين المسلمين والقرآن؛ فإنه إن كان كلام محمد كان من عمل البشر.
وبذلك يفقد معناه الأسمى وجلاله الأعظم ويفقد"ثباته"الذي يعطيه تلك القدرة الضخمة على أن يكون الأساس الذي يرتبط به كل فكر والقاعدة التي يمتد عليها كل بناء والإطار الذي تجري فيه كل حركة، وهناك أدلة كثيرة تدحض هذه الدعوة، وأبسطها"أن محمدًا كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، فمن الذي أطلعه على أن ما في القرآن مصدق لما في التوراة""وكان علمه بشئون قومه لا يزيد على علم غيره"فمن الذي أطلعه على تاريخ الأمم وقصص الأولين.
(وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطِلون) .
6-ولقد جلى الباحثون المسلمون ظاهرة الوحي: وأكدوا"أنها ليست ظاهرة نفسية داخلية تنبعث من كيانه صلى الله عليه وسلم؛ وإنما هي حقيقة خارجية عن ذاته استقبلها من خارج كيانه، كما ينطق بذلك حديث بدء الوحي ومشاهد أخرى" (1) .
"وإنما رأى محترفو الغزو الفكري في (ظاهرة الوحي) : المنبع الأول للحقائق الدينية والكليات الاعتقادية ورأوا أنهم إذا استطاعوا تكدير صفاء هذا المعين الأول أمكنهم تكدير صفاء كل ما يتفرع منه واقتحام أسباب الدس والتشويش عليه."
"من أجل هذا زعم بعضهم أن الوحي في حياته صلى الله عليه وسلم إنما كان نوعًا من الإلهام الخفي، وزعم آخرون أن ذلك كان إشراقًا روحيًا معينًا وأصرت جماعة أخرى على أنه كان يصاب بالصرع".
"والعجيب الرائع حقًا في حياته صلى الله عليه وسلم أن أمر الوحي له قام على أسس وحقائق تصفع هذه الأوهام صفعات تلقيها في متاهات الحمق والجنون".
7-ولقد تواجه الفلسفات الغربية حقيقة النبوة وظاهرة الوحي فتصفها بأنها وصاية على الإنسان الذي بلغ رشده وأصبح في غير حاجة إلى وصاية ما.
وذلك قوة من الزيف المسرف في إحسان الظن بالبشرية.
فهل استطاعت البشرة حقًا بعد هذا الزمن الطويل الذي قطعته (2) أن تكون راشدة، الواقع الذي تثبته وثائع التاريخ وأحداث الزمن أن البشرية ما زالت عاجزة عن حماية نفسها من المطامع والأهواء والحروب والمذابح والمظالم، بل لعلها قد بلغت بفضل تقدم العلم قدرًا أكبر فهي التي تمضي في تهديد الأمم الضعيفة بقوى الذرة والتكنولوجيا، ولم يستطع تقدمها العلمي أن يرد إليها شيئًا من الإيمان أو العدل أو السماحة أو الارتفاع فوق الأهواء. ولذلك فهي لازالت في حاجة إلى رعاية رسالات السماء وفد أشد الحاجة إلى الوحي والنبوة، لقد تقدم الإنسان في مضمار السباق العلمي، ولكنه عجز عن فهم نفسه وحماية كيانه من المطامع وما تزال أهواؤه تحول بينه وبين توجيه هذه المعطيات لخير الإنسان.
ومن الحق أن يقال أن الإنسان لم يزل بعد عاجزًا عن أن يكون أمينًا على نفسه أو جنسه ولن يستطيع ذلك إلا إذا آمن بالوحي والنبوة.
8-في ضوء هذا كله ننظر إلى تلك المحاولات التي جرت في تزييف سيرة الرسول:
أولًا: بإضافة الأساطير القديمة في (هامش السيرة) .
ثانيًا: بإنكار أن الإسراء كان بالروح والجسد في (حياة محمد) .
ثالثًا: إنكار النبوة والوحي في (محمد رسول الحرية) .
رابعًا: وصف النبي بالعبقرية دون الرسالة في (عبقرية محمد) .
ولا ريب أن أبلغ أخطاء وصف النبوة بالعبقرية إنما هو في تعميم هذه الصفة على شخصيات أخرى لم تنفرد بالنبوة مما تجعلها تبدو كأنها محاولة إلى فرض مفهوم البشرية على الرسول الذي تفرد بالعصمة والوحي وامتاز بهما عن سائر صحابته.
ولا ريب أن العبقريات وقعت تحت سلطان الفكر الغربي الذي تشكل الكاتب في أحضانه ثم نفذ منه إلى دراسة الإسلام دون أن يقدر مدى الفارق الدقيق والعميق بين ذاتية الإسلام في مفاهيمه ومناهجه والعوامل التي شكلت أهله، ولم يلتفت أيضًا إلى تميز النبوة الوافر، فالنبي في (عبقرية محمد) إنسان له مواهب وملكات منفصلة تمامًا عَن وحي السماء. وحين تجري مقارنته بنابليون أو غيره لا يلتفت تمامًا إلى اختلاف النوع وانعدام الصلة حتى ليبدو إغفال الوحي إغفالًا كاملًا في دراسته. ولم يرد إعجاب المسلمين بالرسول وحبهم له دون حدود إلى الإسلام نفسه وإنما رده إلى شخصية الرسول.
(1) راجع كتاب"قصة السيرة"للدكتور محمد سعيد البوطي.
(2) بتصرف من بحث للأستاذ محمد المجذوب.
يقول غازي التوبة في دراسته عن العبقريات:"فلو اقتص دخول المسلمين على إعجابهم بشخص الرسول وحبهم له وافتنانهم به لانتهت الدعوة الإسلامية بوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام أو بعد فاته ريثما يزول سحر الافتتان، ولكن الدعوة الإسلامية استمرت قرونًا طويلة؛ وما ذلك إلا لملاءمة الإسلام للفطرة البشرية التي انجذبت إليه في زمن الرسول ثم استمر الانجذاب في الأزمان التالية".
9-وغاية القول أن اعتماد كتابنا العرب والمسلمين في النظرة إلى النبوة والبطولة في ضوء تفاسير غربية إنما يحجب عنهم شيئًا كثيرًا من الحق.
ذلك أن الغربيين عن طريق مفاهيم عقائدهم وفكرهم لا يفرقون بين الألوهية والنبوة، بينما نحن نفرق بينها تمامًا.
كذلك فهو يرى أن الكتب المقدسة كتبها الرسل، ونحن نؤمن بأن الكتاب المنزل هو وحي من الله وليس من عمل النبي.