فهرس الكتاب

الصفحة 1451 من 3028

بعد ذلك تحدث المحاضر عن المراسلات بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، ثم القتال والتحكيم والخوارج وما واكب ذلك من أحداث حتى وفاة علي رضي الله عنه، معتمدًا في ذلك على الروايات الضعيفة التي أوردها الطبري في تاريخه، من وجه خاص من طريق الأخباري أبي مخنف يقول فيما يتعلق بقضية المراسلات بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وما فيها من مبالغات وإثارة، يقول ابن كثير: ثم ذكر أهل السير كلامًا طويلًا جرى بينهم وبين علي، وفي صحة ذلك عنهم وعنه نظر. كذلك قضية رفع أهل الشام للمصاحف وما فيها من مبالغات، واتهام علي رضي الله عنه برد التحاكم إلى كتاب الله، وحقيقة هذا الأمر ما أخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن، قال: حدثنا يعلى بن عبيد، عن عبد العزيز بن قال: حدثني ابن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي في النهروان، وهي الوقعة التي قتل بها الخوارج: فيم استجابوا له؟ وفيم فارقوه؟ وفيم استحل قتلهم؟ قال: كنا في صفين، فلما استحر القتل بأهل الشام اعتصموا بتل، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى علي بمصحف وادعه إلى كتاب الله، فإنه لم يأل عليه، فجاءه رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله: (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) ) [آل عمران:23] فقال علي: نعم أنا أولى بذلك، بيني وبينكم كتاب الله، قال: فجاءته الخوارج ونحن ندعوهم يومئذٍ وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين! ما ننتظر بهؤلاء القوم الذين على التل، ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فتكلم سهل بن حنيف فقال: يا أيها الناس! اتهموا أنفسكم -يعني: لا تعصوا عليًا رضي الله عنه وأطيعوه في قضية التحاكم إلى كتاب الله مع أهل الشام- فلقد رأتينا يوم الحديبية ولو مضى قتال لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟! أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: (يا ابن الخطاب! إني رسول الله ولن يضيعني أبدًا، قال: فرجع وهو متغيض فلم يصبر حتى أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر! ألسنا على الحق وهم على الباطل، أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب! إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يضيعه الله أبدًا، قال: فنزلت سورة الفتح، قال: فأرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر فأقرأها إياه، قال: يا رسول الله! وفتح مبين؟ قال: نعم) .

• اتهام أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:

وأيضًا: مما ذكره الدكتور طارق السويدان اتهام أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وعمرو بن العاص رضي الله عنه بخلع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أثناء التحكيم، وهذا الأمر غير صحيح، وذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم مجمعون على أحقية علي رضي الله عنه بالخلافة، يعني: أصل لجنة التحكيم لم يكن عندهم نزاع على الخلافة، لأنه حتى معاوية ومن معه كلهم مقرون بأن عليًا أحق بالخلافة بلا شك، ولم ينازعه أحد، فكانت هذه نقطة إجماع، فمن أين أتى بأن أبا موسى وعمرو بن العاص خلعا أمير المؤمنين أثناء التحكيم؟! فالصحابة كانوا مجمعين على أحقية علي رضي الله عنه بالخلافة، وليس هذا محل شك أو خلاف بينهم حتى يثيروا هذه القضية أثناء التحكيم، بل إن معاوية رضي الله عنه وأهل الشام كانوا مقرين بأحقية علي رضي الله عنه بالخلافة وبأفضليته، يعني: قضية أن علي أولى بالخلافة هذه مفروغ منها، لكن اختلفوا مع علي في مطالبتهم في إقامة الحدود على قتلة عثمان رضي الله عنه، والتي من أجلها انعقد التحكيم.

يقول الحافظ ابن حجر: وذكر يحيى بن سليمان الجعفي أحد شيوخ البخاري في كتاب صفين من تأليفه بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية: أنت تنازع عليًا في الخلافة، أوَ أنت مثله؟ قال: لا، فإني أعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا، وأنا ابن عمه ووليه أطالب بدمه، فائتوا عليًا وقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان. فكان هذا هو محور الخلاف أن معاوية رضي الله تعالى عنه كان هو الولي الشرعي لعثمان بن عمه، فكان يطالب بدمه لأنه قتل مظلومًا، فطلب منهم أن يكلموا عليًا أن يسلمه قتلة عثمان رضي الله تعالى عنه، فأتوه وتكلموا، فقال علي: يدخل في البيعة ويحاكمهم إلي، أولًا: يدخل في البيعة ثم بعد ذلك يطالب بالقصاص، فامتنع معاوية، فسار علي بالجيوش من العراق حتى نزل بصفين، وسار معاوية حتى نزل هناك، وذلك في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ، فلم يتم لهم أمر فوقع القتال.

• اتهام معاوية بتنصيب نفسه خليفة للمسلمين:

أيضًا: من هذه الوقفات اتهام معاوية بتنصيب نفسه خليفة للمسلمين ومبايعة أهل الشام له على ذلك بعد التحكيم، وهذا من أباطيل الأخباريين، لأن معاوية رضي الله عنه لم يتطلع لخلافة المسلمين إلا بعد استشهاد علي رضي الله عنه، يقول الخطيب البغدادي رحمه الله: كانت بيعة أهل الشام لمعاوية عند مقتل علي، وذلك في سنة أربعين، لكن أهل الشام ما بايعوه في حياة علي، علق ابن كثير على ذلك بقوله: لما مات علي قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المسلمين؛ لأنه لم يبق له عندهم منازع، أما في حياة علي فما فيه شك أنهم كانوا يعرفون أن عليًا أفضل وأحق بالخلافة من معاوية رضي الله عن الجميع.

• تخصيص السويدان عليًا والحسين ببعض عبارات التكريم:

من المؤاخذات العابرة ولكن لا بأس من الاستفادة بها تخصيص الدكتور طارق السويدان عليًا والحسين رضي الله تعالى عنهما ببعض عبارات التكريم، مثل قوله: كرم الله وجهه، أو قوله: عليه السلام، دون سائر الصحابة رضوان الله عليهم، نقول في هذه المسألة -مسألة التخصيص- قد أجاب عنها ابن تيمية رحمه الله تعالى حين سئل عمن يقول إذا ذكر علي: صلى الله عليه، هل يجوز له أن يخصه بالصلاة دون غيره؟ فأجاب: ليس لأحد أن يخص أحدًا بالصلاة عليه دون النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: مكن تصلي عليه فتقول: وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين يعني: تأتي بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم ثم من عداه تبع، لكن أن يخص شخص معين بقوله: صلى الله عليه أو عليه السلام فيقول: ليس لأحد أن يخص أحدًا بالصلاة عليه دون النبي صلى الله عليه وسلم لا أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، ومن فعل ذلك فهو مبتدع، بل إما أن يصلي عليهم كلهم أو يدع الصلاة عليهم كلهم، بل المشروع أن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على على آل إبراهيم إنك حميد مجيد،وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

وقال الإمام ابن كثير في هذه المسألة أيضًا: قد غلب هذا في عبارة كثير من المؤلفين للكتب أن يفرد عليًا بأن يقال: عليه السلام من دون سائر الصحابة، أو كرم الله وجهه، وهذا وإن كان معناه صحيحًا، ولكن ينبغي أن يسوى بين الصحابة في ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه رضي الله عنهم أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت