فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 3028

وإذا نال الداعية حظًا وافيًا من العلم واندرج في سلك طلبة العلم فإنه يكون في مجتمعه نبراسًا يُهتدى به كما قال ابن القيم عن الفقهاء (( إنهم يكون الأرض بمنزلة النجوم في السماء ، بهم يُهتدى في الظلماء ، حاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء ) )إعلام الموقعين (1/9) ، وعندما يتحرك الداعية ناشرًا علمه ساعيًا بين الناس بالإصلاح ناعيًا عليهم الغفلة والفساد فإنه يحظى بشرف الوصف الذي ذكره الإمام أحمد حين قال: (( الحمد لله الذي جعل في كل فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى ، ويبصرون بنور الله أهل العمى ، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضال تائه قد هَدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم ) )إعلام الموقعين (1/9) ، وأهل العلم والبصيرة من الدعاة شهد التاريخ أنهم (( هم من اهتدى بهم الحائر ، وسار بهم الواقف ، وأقبل بهم المعرض ، وكمُل بهم الناقص ، ورجع بهم الناكص ، وتقوى بهم الضعيف ) )مدارج السالكين (3/304) .

ولأهل العلم في بيان شرف العلم وفضيلته مقالات رائعة منها: قول الخطيب في الفقيه والمتفقه: (( قد جعل الله العلم وسائل أوليائه ، وعصم به من اختار من أصفيائه ) )الفقيه والمتفقه (2/71) .

وأسند قبل ذلك عن محمد بن القاسم بن خلاد قال: (( يقال العقل دليل الخير ، والعلم مصباح العقل ، وهو جلاء القلب من صدى الجهل ، وهو أقنع جليس ، وأسرُّ عشيق ، وأفضل صاحب وقرين ، وأزكى عقدة ، وأربح تجارة ، وأنفع مكسب ، وأحسن كهف ، وأفضل ما اقتني لدنيا واستظهر به لآخرة ، واعتصم به من الذنوب ، وسكنت إليه القلوب ، يزيد في شرف الشريف ، ورفعة الرفيع ، وقدر الوضيع ، أنس في الوحشة ، وأمن عند الشدة ، ودال على طاعة الله تعالى وناه عن المعصية ، وقائد إلى رضوانه ، ووسيلة إلى رحمته ) )الفقيه المتفقه (2/71) .

وقال أبو هلال العسكري في (( الحث على طلب العلم ) ): (( فإذا كنت - أيها الأخ الكريم - ترغب في سمو القدر ، ونباهة الذكر ، وارتفاع المنزلة بين الخلق ، وتلتمس عزًا لا تثلمه الليالي والأيام ، ولا تتحيَّفه الدهور والأعوام ، وهيبة بغير سلطان ، وغنى بلا مال ، ومنعة بغير سلاح ، وعلاء من غير عشيرة ، وأعوانًا بغير أجر ، وجنُدًا بلا ديوان وفرض ، فعليك بالعلم فاطلبه في مظانه تأتك المنافع عفوًا وتلق ما يعتمد منه صفوًا ) )الحث على طلب العلم (ص:43) .

وقال ابن إسحاق بن أبي فروة: (( أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم وأهل الجهاد فأما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل ، وأما أهل الجهاد فجاهدوا على ما جاءت به الرسل ) )الفقيه والمتفقه (1/35) .

العلم المطلوب:

ليس بالضرورة أن يكون الداعية عالمًا جامعًا لكل العلوم ، وليس من شرط الدعوة تمام العلم واستيفاء قدر بعينه منه ، وليست الدعوة مختصة بالعلماء وحدهم دون غيرهم بل كل من علم من أحكام الإسلام شيئًا دعا إليه ،وكل من علم منكرًا وعرف دليل حرمته نهى عنه ، وإذا لم يكن الأمر كذلك تعطلت الدعوة ومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وسبق أن أوضحنا أن الدعوة (( مشروط لها العلم ولكن العلم ليس شيئًا واحدًا لا يتجزأ ولا يتبعض ، وإنما هو بطبيعته يتجزأ ويتبعض فمن عَلم مسألة وجهل أخرى فهو عالم بالأولى جاهل بالثانية ، وبالتالي يتوفر فيه شرط وجوب الدعوة إلى ما علم دون ما جهل ، ولا خلاف بين الفقهاء أن من جهل شيئًا أو جهل حكمه أنه لا يدعو إليه لأن العلم بصحة ما يدعو إليه الداعي شرط لصحة الدعوة ، وعلى هذا فكل مسلم يدعو إلى الله بالقدر الذي يعلمه ) )أصول الدعوة (ص:302) ، وفعل الصحابة الكرام يدل على ذلك ، فالطفيل بن عمرو الدَّوسي ، وأبو ذر الغفاري ، وهما من السابقين إلى الإسلام قاما بمهمة الدعوة بما معهما من أصل التوحيد وبعض ما نزل من القرآن ، وهدى الله بهما فئامًا من الناس ، ولم يصل أبو ذر الغفاري إلى المدينة ويلحق بالرسول صلى الله عليه وسلم إلاّ في العام السابع للهجرة وكان معه قبيلة أسلم ، وقبيلة غفار قدم بهما مسلمتين ، ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (( بلغوا عني ولو آية ) )أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (الفتح) (6/572) وقال أيضًا: (( نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلِّغها ، فربِّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) )أخرجه الترمذي في كتاب العلم ، باب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع (2658) (5/34) .

ومع هذا البيان إلاّ أننا ندرك أن الداعية وقد تصدر للوعظ والإرشاد والتربية والتعليم مطالب بقدر من العلم والثقافة يعينه على مهمته ويؤهله لها وتلخيص المهم من ذلك يتركز في جانبين:-

الأول: الجانب الشرعي:

لا بد للداعية أن يعرف (( أن أولى العلوم وأفضلها علم الدين ، لأن الناس بمعرفته يرشدون وبجهله يضلون ) )أدب الدنيا والدين (ص:44) ، وهنا لا بد أن تفرق بين ما يجب تعلُّمه ولا يسع أحدًا أن يجهله ، وبين ما يكون تعلمه فرضًا كفائيًا ، وقد قيل في بيان معنى كون العلم فريضة على كل مسلم أنه (( على كل أحد أن يتعلمه ما لا يسعه جهله من علم حاله ... وقال ابن المبارك: (( إنما طلب العلم فريضة أن يقع الرجل في شيءٍ من أمر دينه يسأل عنه حتى يعلمه ) )الفقيه المتفقه (1/45) ثم أوضح الخطيب البغدادي ذلك فقال: (( فواجب على كل أحد طلب ما تلزمه معرفته مما فرض الله عليه على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه ، كل مسام بالغ عاقل من ذكر وأنثى حر وعبد تلزمه الطهارة والصلاة والصيام فرضًا ، فيجب على كل مسلم تعرف علم ذلك .

وهكذا يجب على كل مسلم أن يعرف ما يحل له وما يحرم عليه من المآكل والمشارب والملابس والفروج والدماء والأموال فجميع هذا لا يسع أحدًا جهله )) الفقيه المتفقه (1/46) .

وأرى للداعية أن يكون عنده الحد الأدنى من العلوم الشرعية الأساسية وأقترح له ما يلي:

علم العقيدة الإسلامية:- أن يتعلم أصول العقيدة من كتاب معتمد مختصر على مذهب أهل السنة والجماعة ككتاب (( لمعة الاعتقاد ) )لابن قدامة ، أو (( العقيدة الواسطية ) )لابن تيمية ونحوها .

علم التفسير:- أن يطلع على تفسير موجز موثوق يشتمل على معاني الكلمات وأسباب النزول والمعنى الإجمالي ، ويفيد في ذلك بعض المصاحف المطبوع على هامشها أسباب النزول ومعاني الكلمات ، ثم يجعل له زادًا في دراسة متأنية لتفسير بعض السور والأجزاء المكية والمدنية من كتاب معتمد متوسط مثل (( تفسير ابن كثير ) ).

علم الحديث:- أن يدرس كتابًا من كتب الحديث الجامعة المختصرة مثل (( مختصر صحيح البخاري ) )أو (( مختصر صحيح مسلم ) )، ويمكن أن يطالع كتابًا من كتب الحديث العامة المصونة في جملتها من الأحاديث الضعيفة والمشتملة على أهم الأبواب التي يحتاج إليها في الإيمان والفضائل والآداب مثل كتاب (( رياض الصالحين ) )، ويحسن أن يطلع على بعض كتب الحديث المختصة بموضوعات معينة ففي أحاديث الأحكام (( بلوغ المرام ) )وفي الأذكار (( أذكار النووي ) )وفي الشمائل (( شمائل الترمذي ) )ونحو ذلك .

علم الفقه:- أن يدرس مختصرًا في فقه العبادات والمعاملات وقد يضيف ما يحتاجه من الأبواب على مذهب من المذاهب الأربعة المشتهرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت