فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 3028

والاستغفار من أعظم الأذكار وكان المصطفى عليه الصلاة السلام يستغفر في اليوم والليلة سبعين مرة .أخرجه البخاري في كتاب الدعوات ، باب استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة (الفتح11/101) وأخبر أمته أن (( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا ، ومن كل هم فرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب ) )أخرجه أبو دواد في كتاب الصلاة ، باب الاستغفار (1518) (2/178) ولذا فلا بد للداعية من الأذكار ليحيي الله قلبه ، ولا بد له من الاستغفار ليمحو الله ذنبه .

وأعظم الذكر تلاوة القرآن التي هي من أقوى الصلات بالله التي يحتاجها الدعاة ، ولها أثرها في الواقع الدعوة والحياة (( ومن الصلة بالله إعزاز كتابه وإدمان تلاوته وتدبر معانيه ، وعقد مقارنة مستمرة بين المثل التي يحدو العالم إليها ، والواقع الذي ثوى الناس فيه لتكون هذه المقارنة حافزًا على تذكير الناس بالحق ، وقيادتهم إلى الله، وتأهيلهم . وقرب الداعية من كتاب الله يجب أن يكون متعة لروحه وسكنًا لفؤاده وشعاعًا لعقله، ووقودًا لحركته ومرقاة لدرجته ) )مع الله (ص:191) والصلة بالقرآن موجبة للتميز كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: (( ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون ،وبنهاره إذا الناس مفطرون ،وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وببكائه إذا الناس يضحكون ، وبصمته إذا الناس يخوضون ، وبخشوعه إذا الناس يختالون ، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا سكينًا ، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا ولا غافلًا ولا سخابًا ولا صياحًا ولا حديدًا ) )الفوائد (ص:192) .

والخلاصة أن التميز الإيماني من أعظم أسباب نجاح الداعية ، إذ ليس النجاح بفصاحة اللسان ولا قوة البرهان ولا كثرة الأعوان ، بل هو مع ذلك وقبل ذلك بتوفيق الله الذي يخص به أولياءه ولا شك (( أن الدعاة الذين يكرسون أوقاتهم لله لدفع الناس إلى سبيله ، لا بد أن يكون شعورهم بالله أعمق ، وارتباطهم به أوثق ، وشغلهم به أدوم ، ورقابتهم له أوضح ) )مع الله (ص:190) ونحن نريد روحانية إيجابية ، لا انعزالية ترتكز على العبادات والأوراد بعيدًا عن التفاعل مع الحياة وما فيها من هموم ومعاناة ، نريد (( روحانية إيجابية تحفزه للتضحية وتستهدف الشهادة وتعمق الحاجة إلى رضا الله لتغدو هاجسًا يوميًا يلاحق كل مواطن رضاه في عملية تدقيق ومعاناة تجعله يعيش مع عقيدته في أفكاره ومشاعره وفي علاقاته ومطامحه ، فتتحول في داخل ذاته إلى هم يومي متحرك يراقب الأشياء من خلاله ، ويحدد موفقه منها على أساسه ) )الحركة الإسلامية هموم وقضايا (ص: 14) .

وهناك تقصير ظاهر لدى بعض الدعاة والجماعات الإسلامية في العناية بهذا الجانب المهم وكثيرًا ما يكون ذلك بسبب تضخم العناية بالجوانب الفكرية والسياسية وغيرها ، ولذا صار يرى بعض من ينتسبون إلى الدعوة وهم مقصرون في معرفتهم وصلتهم بالله .

المبحث الثاني: الرصيد العلمي والزاد الثقافي:

وهذا أساس لا بد منه حتى يجد الناس عند الداعية إجابة التساؤلات ، وحلول المشكلات إضافة إلى ذلك هو العدَّة التي بها يعلِّم الداعيةُ الناس أحكام الشرع ، ويبصرهم بحقائق الواقع ، وبه أيضًا يكون الداعية قادرًا على الإقناع وتفنيد الشبهات ، ومتقنًا في العرض ، ومبدعًا في التوعية والتوجيه .

(( وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها فهي لا تحصل إلاَّ بالعلم الذي يدعو به وإليه ،ولا بد من كمال الدعوة من البلوغ في العلم على حد يصل إليه السعي ) )مفتاح دار السعادة (1/154) .

والخوض في غمار الدعوة وميادينها فيما لا علم للداعي به ، تترتب عليه آثار وخيمة لأن (( العامل على غير علم كالسالك على غير طريق ، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح ) )مفتاح دار السعادة (1/130) (( ولا يكون عمله صالحًا إن لم يكن بعلم وفقه ، وكما قال عمر بن عبد العزيز: (( من عبَد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ) )، وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه (( العلم إمام العمل والعمل تابعه ) )، وهذا ظاهر فإن القصد العمل ، والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلًا وضلالًا واتباعًا للهوى )) مجموع فتاوى ابن تيمية (28/136،135) .

وطبيعة مهمة الداعي خطيرة ونظرة الناس إليه ، واعتدادهم به ، وأخذهم عنه يجعل أمر العلم (( أشد ضرورة للداعي إلى الله لأن ما يقوم به من الدين ، ومنسوب إلى رب العالمين ، فيجب أن يكون الداعي على بصيرة وعلم بما يدعو إليه ، وبشرعية ما يقوله ويفعله ويتركه ، فإذا فقد العلم المطلوب اللازم له كان جاهلًا بما يريده ووقع في الخبط والخلط ، والقول على الله ورسوله بغير علم ، فيكون ضرره أكثر من نفعه ، وإفساده أكثر من إصلاحه وقد يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف لجهله بما أحلّه الشرع وأوجبه وبما منعه وحرَّمه ) )أصول الدعوة (ص:135) ومن أكثر الأمور التي يفتن بها عوام الناس التصرف الخاطئ الذي يصدر من بعض الجهلاء من أهل العبادة والصلاح لأن (( الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه فيقتدون به على جهله ) )مفتاح دار السعادة (2/12) ، فهذا يقتدون به من أثر حاله ، فكيف بالداعية الذي يوجههم بحاله ومقاله ، إن افتتانهم به أكبر وأشد.

فضل العلم وثمرته:

لابد للداعية أن يوقن أن (( العلم أشرف ما رغب فيه الراغب ، وأفضل ما طلب وجد فيه الطالب ، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب ) )أدب الدنيا والدين (ص:40) والآخذ بالعم آخذ بالبداية الصحيحة إذ العلم مقدم على القول والعمل كما قال تعالى ]فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك [ محمد [19] .

وبالعلم يحوز الداعية الرفعة في الميزان الرباني وفق قوله تعالى ]يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [ المجادلة[11] ، والسعي في طلب العلم تحقيق للغاية التي أرادها الله ووجه إليها في قوله ]فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون [ التوبة [122] ،فقد جعل الله الأمة فرقتين (( أوجب على إحداهما الجهاد في سبيله وعلى الأخرى التفقه في دينه ، لئلا ينقطع جميعهم عن الجهاد فتندرس الشريعة ، ولا يتوفرا على طلب العلم فتغلب الكفار على الملة ،فحرس بيضة الإسلام بالمجاهدين ، وحفظ شريعة الإيمان بالمتعلمين ، وأمر بالرجوع إليهم في النوازل ومسألتهم عن الحوادث فقال عز وجل ]فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [ النحل [43] وقال تعالى ]ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم [ النحل [43] .

وإذا سلك الداعية طريق العلم حظي بالخيرية الربانية الثابتة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (( من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله به طريقًا من طرق الجنة ) )سنن أبو داود ، كتاب العلم ، باب الحث على العلم (3641) (4/57) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت