فالإسلام هو الحق المحض فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ قال تعالى: فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [32] } [سورة يونس] . قال القرطبي: 'وقال علماؤنا: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى' [ الجامع لاحكام القرآن ج8/336] . ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله بأنه حق وصدق، فالإسلام هو الحق والله هو الحق، وما سواه باطل يجب الكفر به وإنكاره.
والذي لا يكفّر اليهود والنصارى، والمجوس، وعباد الأوثان والملاحدة وغيرهم، أو يشك في كفرهم، أو يصحح مذاهبهم، أو مذاهب بعضهم؛ فقد شك في القرآن، وشك في صدق الله ورسوله, وذلك أن لله تعالى حكم، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم بأن ما سوى الإسلام باطل محض.
فكفر اليهود والنصارى والمشركين عامة شهد به القرآن، ونطقت به السنة، وأجمعت عليه الأمة، ومع كل ذلك نجد بعض الناس في هذا العصر يزعم أن اليهود والنصارى مؤمنون, ويدعو إلى قيام جبهة عريضة وحزب واسع يضم أتباع كل الأديان على أساس الملة الإبراهيمية يسمى الحزب الإبراهيمي!!
ومن شبهات دعاة توحيد الأديان في هذا العصر!!:
1-قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [6] } [سورة الكافرون] ربما يفهم البعض من هذه الآية إقرار أهل الأديان المخالفة للإسلام على دينهم فهل هذا هو المراد من الآية؟
العلامة ابن القيم رحمه الله يبّين لنا المراد من ذلك, فيقول في تفسير سورة الكافرون: 'قوله [لكم دينكم] مطابق لهذا المعنى: أي لا أشارككم في دينكم ولا أوافقكم عليه بل هو دين تختصون أنتم به لا أشرككم فيه أبدًا فطابق آخر السورة أولها فتأمله.-إلى أن قال-: والآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم، وأن ما هم عليه من الدين لا نوافقهم عليه أبدًا؛ فإنه دين باطل فهو مختص بكم لا نشرككم فيه، ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق، فهذه غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار...؟ أترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال: { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} بل هذه آية قائمة محكمة، ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يُطهِر الله منهم عباده وبلاده, وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل سنته، وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به، الداعين إلى غير سنته إذا قال لهم خلفاء الرسول وورثته لكم دينكم ولنا ديننا، لا يقتضى إقرارهم على بدعتهم بل يقولون لهم هذه براءة منهم، وهم مع هذا منتصبون للرد عليهم، ولجهادهم بحسب الإمكان' [ بدائع الفوائد لابن القيمج1/140-141] .
2-نريد أن نوحدهم على أصول الملة الإبراهيمية!!: هذا هو ما قاله د. الترابي إنه يريد أن يوحد جميع الأديان التي هي على أصول الملة الإبراهيمية.
مع أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا كما أخبرنا الله: { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [67] } [سورة آل عمران] . ومن ثم فانّ اليهود والنصارى الحاليين ليسوا على ملّة إبراهيم، بل هم ممن سفه نفسه؛ لأنهم رغبوا عن ملّة إبراهيم: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ... [130] } [سورة البقرة] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: 'وإذا كان كذلك فاليهود والنصارى ليسوا على ملّة إبراهيم, وإذا لم يكونوا على ملّة إبراهيم فإن من عبد إله إبراهيم كان على ملّته قال تعالى: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [135] } [سورة البقرة] . فقوله:قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}يبين أن ما عليه اليهود والنصارى ينافي ملّة إبراهيم'.
3-قوله تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [113] يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [114] وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [115] } [سورة آل عمران] :
من الآيات التي يستدلون بها على جواز التقارب مع اليهود والنصارى هذه الآية, حيث ينزلونها على أهل الكتاب الحاليين. والآية ليس لها علاقة بأهل الكتاب الحاليين, وإنما هي خاصة بأولئك الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم, كعبد الله بن سلام وغيره من الصحابة الذين كانوا يهودًا فأسلموا وحسن إسلامهم.
و { لَيْسُوا سَوَاءً } معناها ليس أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم سواء, ثمّ تمّ الكلام واستُؤنف بعد ذلك: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} وهم الذين اتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وصدقوه. [انظر:الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج4/175] .
4-قوله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ... [256] } [سورة البقرة] : يقول د. الترابي في محاضرته التي ألقاها في مؤتمر التقارب الديني: 'ولقد جاءت الرسالة المحمدية بالمبادئ الخالدة ألاّ إكراه في الدين: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ... [256] } [سورة البقرة] '. والعصرانيون يستدلون بهذه الآية لإبطال أمرين هامين هما:
[1] جهاد الطلب: وهو أن يجاهد المسلمون الكفار طالبين منهم الدخول في الإسلام.
[2] إقامة حدّ الردة: فهم لا يرون إقامته إلاّ إذا كان المرتد محاربًا شاكًا للسلاح, أما الردة الفكرية البحتة- كما يقول الترابي- فلا حدّ فيها.
وغاية ما تفيده الآية أن أهل الكتاب إذا دفعوا الجزية عن يد وصغار تركوا على دينهم هذا إن لم يكونوا محاربين للإسلام والمسلمين، أما إن كانوا محاربين للإسلام، معاندين لأهله؛ فلا يقبل منهم إلاّ القتال.
5-قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [82] وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [83] وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ [84] فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [85] } [سورة المائدة] :