ومن منا كان الهوى في غير مرضاة الله خطرًا عظيمًا بل هو شرك محض وألوهية باطلة كما قال تعالى ]أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [ الجاثية [23] ، وبالجملة فعاطفة المحبة من أعظم عناصر التأثير سلبًا وإيجابًا ، ومن ثم كان الحرص على كسب القلوب واستجلاب المحبة في طاعة الله معينًا على الاستجابة للخير، والقبول للدعوة ، وإذا وجهت المحبة لله وطاعته فذلك غاية عظمى ، إذ أن محبة الله (( هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون وإليها شخص العاملون ، وإلى عَلَمها شمر السابقون ، وعليها تفانى المحبون ، وبروح نسيمها ترّوح العابدون ، فهي قوت القلوب ، وغذاء الأرواح ، وقرة العيون ، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات ، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات ، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام ، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام ) )تهذيب مدارج السالكين (ص/509) ، والمقابل على الضد من ذلك (( فهو عن الخير صاد ، وللعقل مضاد ، لأنه يُنتج من الأخلاق قبائحها ، ويظهر من الأفعال فضائحها ، ويجعل ستر المروءة مهتوكًا ، ومدخل الشر مسلوكًا ) )أدب الدنيا والدين (ص: 33) .
المبحث الثاني: الإقناع العقلي والحجة العلمية:
الهوى يهوي بصاحبه والعقل - بإذن الله -يعصمه ، والعقلاء يحكمون عقولهم في أهوائهم ، وهذا تصرف الرجال فقد يُحب القلب فعلًا معينًا وتهوى النفس سلوكًا محددًا ، فيعترض العقل بالنظر في البواعث ، والتأمل في العواقب ، فيكبح جماح الهوى إذ أنه (( لما كان الهوى غالبًا ، إلى سبيل المهالك موردًا ، جعل العقل رقيبًا مجاهدًا، يلاحظ عثرة غفلته ، ويدفع بادرة سطوته ، ويدفع خداع حيلته ، لأن سلطان الهوى قوي ، ومدخل مكره خفي ) )أدب الدنيا والدين (ص:35) (( وإذا كانت الدولة للعقل سالمهُ الهوى ، وكان من خدمه وأتباعه ، كما أن الدولة إذا كانت للهوى ، صار العقل أسيرًا في يديه ، محكومًا عليه ) )روضة المحبين (ص:10) (( وما مثل الهوى إلا كسبع في عنقه سلسلة فإن استوثق منه ضابطه كفه ، وربما لاحت له شهواته الغالبة عليه فلم تقاومها السلسلة فأفلت ، على أن من الناس من يكف هواه بسلسلة ، ومنهم من يكفه بخيط ) )صيد الخاطر (ص:164) .
وربما لا تكون هناك محبة ولا ميل في النفس ابتداء ولكن الحجة والبرهان يحصل بها قناعة العقل التي تزين الفعل أو الرأي للنفس وتحببه إلى القلب ، فالقناعة لها تأثيرها الذي لا ينكر في دفع الإنسان لاتخاذ الموافق والآراء ، وممارسة الأفعال ، أو الامتناع من ذلك ، وتلك مزية العقل الراشد الذي هو من أهم البواعث (( فلا يسمي عاقلًا إلا من عرف الخير فطلبه والشر فتركه ، ومن فعل ما يعلم أنه يضره فمثل هذا ماله عقل ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (7/24) والمحبة والعقل إن اتفقا عظم الأثر وان اختلفا فمالت المحبة لما حكم العقل بفساده فمآل الأمر إلى غلبة أحدهما بقوته ، وتمكنه ، فقد يقرر العقل ضرر الفعل لكنه يضعف ويغلبه الهوى بباعث حب اللذة ، وقوة الشهوة (وهذا من الجهل الذي هو عمل بخلاف العلم حتى يقدم المرء على فعل ما يعلم أنه يضره وترك ما يعلم أنه ينفعه لما في نفسه من البغض والمعاداة لأشخاص وأفعال ، وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية ، لكنه لما في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك الموجب والنتيجة لا توجد عنه وحده ، بل عنه وعما في النفس من حب ما ينفعها وبغض ما يضرها ، فإذا حصل لها مرض ففسدت به أحبت ما يضرها ، وأبغضت ما ينفعها ، فتصير النفس كالمريض الذي يتناول ما يضره لشهوة نفسه له مع علمه أنه يضره ) ) مجموع فتاوى ابن تيمية (7/540) و (( مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في عاقبة ، ويحث على الميل للشهوات عاجلًا ، وإن كانت سببًا للألم والأذى في العاجل ومنع اللذات في الأجل ) )ذم الهوى (ص: 13،12) .
وهذا يوضح أثر العقل وقناعته في توجيه الآراء والسلوكيات ، مع عدم إهمال أثر القلب وعاطفته ، إذ قد توافق فيقوى التأثير ويتمكن ، أو تخالف فتكون هناك المغالبة ثم الغلبة .
المبحث الثالث: القدوة الحية والنموذج المتحرك:
لا يخفى أبدًا أثر القدوة فهي الصورة الحية للفكرة ، والتطبيق العلمي للدعوة ، والتوضيح الجلي للحجة ، ولا شك أنها من أعظم أسباب بذر المحبة في القلوب ، ووجود القناعة في العقول (( وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة ولا سيما العامة وأرباب العلوم القاصرة فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها ) )مجموع فتاوى ابن باز (3/110) .
والعكس صحيح فلو وجدت المحبة ، وأقيمت الحجة ، وبذلت الدعوة كان لتخلف القدوة ووجود ما يعارض مقتضى الدعوة أثره في ضعف التأثير ونقص المحبة ، وزعزعة القناعة ومعلوم (( أن التأسي بالأفعال - بالنسبة لمن يعظّم في الناس - سرٌ مبثوث في طباع البشر ، لا يقدرون عن الانفكاك عنه بوجه ولا بحال ولا سيما عند الاعتياد والتكرار ) )الموافقات (4/248-249) ورحم الله ابن القيم حيث أبدع في بيان عكس هذه الحقيقة عندما قال: (( علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم فكلما قالت أقوالهم للناس هلموا قالت أفعالهم لا تسمعوا منهم ، فلو كان ما دعوا إليه حقًا كانوا أول المستجيبين له فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطريق ) )ولله در هرم بن حيان حيث حذر من العالم الفاسق فكتب إليه عمر رضي الله عنه يسأله عن مراده فقال: (( يكون إمام يتكلم بالعلم ويعمل بالفسق ، ويشبه على الناس فيضلوا ) )نزهة الفضلاء (1/329،328) .
وفي كثير من الأحيان تكون القدوة الحسنة مغنية عن كثير من أساليب الترغيب والتشويق وأسباب تحصيل المحبة ، وكذلك تعفي من الاستكثار من الاستدلال ، وإقامة الحجة والمناظرة والجدال ، إذ يتحقق من خلال القدوة الكثير من ذلك بشكل تلقائي وبصورة أعمق وأثبت حيث أن القدوة (( تساعد على تكوين الحافز في المتربي دونما توجيه خارجي ) )القدوة مبادئ ونماذج (ص:11) لأن (( المثال الحي المرتقي في درجات الكمال يثير في نفس البصير العاقل قدرًا كبيرًا من الاستحسان والإعجاب والتقرير والمحبة ، ومع هذه الأمور تتهيج دوافع الغيرة المحمودة والمنافسة الشريفة ) )القدوة مبادئ ونماذج (ص:8 ) فيحصل التأثر والاقتداء وتكون الاستجابة قوية وهي في الوقت نفسه سهلة وتلقائية ، (( حتى إذا أحببت الاقتداء به من غير سؤال أغناك من السؤال في كثير من الأعمال ) )الموفقات (4/271،270) ولله در ابن القيم حيث قال: (( إن الناس قد أحسنوا القول فمن وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه ومن خالف قوله فعله فذاك إنما يوبِّخ نفسه ) ) (الفوائد(ص:192) .
وبهذا تتكامل عناصر التأثير فإذا اجتمع مع محبة الفعل اقتناع العقل بثمرته وفائدته وأضيف إليهما قدوة يتمثل فيهما الفعل فإن التأثير يكون قد بلغ مبلغه .