فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 3028

إن نجاح الداعية وانتشار الدعوة يزيد من انتشار الخير بكثرة ملتزميه والدعاة إليه، والثابتين عليه،وعندما تتزايد هذه الدوائر ويتكاثر أفرادها تكون سببًا من أسباب رضوان الله عز وجل وتنَزّل نصره، وحصول التغيير الصالح في الأمة ضمن السنة الإلهية الماضية: ]إن الله لا يغير ما قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [ الرعد[11] ، ومن جهة أخرى فكلما أقبل على الخير واستجاب للدعوة نفر من الناس بما يحققه الله من نجاح للدعاة فإن ذلك يورث عند الآخرين قناعة عميقة، وحماسة قوية للمتابعة من خلال كسر حاجز التردد أو الرهبة، وخوف التفرد بالالتزام ، ومخالفة التيار العام ، كما أن انتشار الخير يبرز صورة مشرقة للمسلمين الملتزمين من خلال سلوكياتهم في سائر شئون الحياة وهذا له أثر مضاعف في مزيد من الإقبال على الالتزام .

3-مغالبة الباطل:

إن كل نجاح للدعوة في فكر وسلوك إنسان هو هزيمة للباطل الداعي إلى طرق ومناهج الشيطان ، وإن كل وجود فاعل للدعوة في ميدان من ميادين الحياة هو غيظ ونكاية في أعداء الله، فالحرص على نجاح الداعية في غاية الأهمية لحماية الأمة من شرور الباطل، والعمل على تحجيم آثاره ، وتقليل أضراره ، وتوهين أنصاره .

ومن المعلوم أنه (( يجب محاربة المبادئ الهدامة من اشتراكية وبعثية وتعصب للقوميات وغيرها من المبادئ والمذاهب المخالفة للشريعة وبذلك يصلح الله المسلمين ما كان فاسدًا، ويَردُّ لهم ما كان شاردًا ، ويعيد لهم مجدهم السالف وينصرهم على أعدائهم ويمكن لهم في الأرض ) )مجموع فتاوى ابن باز (1/392) ومن هنا يلزم (التأكيد على دعاة الإسلام وحملته للتفرغ لكتابة البحوث والنشرات والمقالات النافعة والدعوة إلى الإسلام والرد على أصناف الغزو الثقافي، وكشف عواره وتبيين زيفه حيث إن الأعداء جنَّدوا كافة إمكاناتهم وقدراتهم وأوجدوا المنظمات المختلفة والوسائل المتنوعة للدس على المسلمين والتلبيس عليهم فلا بد من تفنيد هذه الشبهات وكشفها وعرض الإسلام عقيدة وتشريعًا وأحكامًا وأخلاقًا عرضًا شيقًا ) ) مجموع فتاوى ابن باز (1/392) ، فتوفر أسباب نجاح الداعية يعني غلبة الحق وانتصاره وهزيمة الباطل واندحاره .

4-الحماية من المفاهيم والأعمال الخاطئة:

إن التقصير في الأخذ بمقومات النجاح وأسباب الفلاح قد يؤدي إلى الفشل والإخفاق ويتولد من أثر ذلك بعض المفاهيم والأعمال الخاطئة ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

أ- الحكم العام بفساد الناس وذلك أن بعض الدعاة - لقلة في فهمه أو ضعف في إيمانه أو تقصير في عمله - يتوالى عليه الفشل ويلقى الإعراض والنفور من الناس ،وبدلًا من أن يصبر أو ينقد نفسه ويغير أسلوبه، ويعالج خطأه نراه ينحي باللائمة على الناس ، ويحكم عليهم بالفساد والاستعلاء عن الحق ، وأنهم أعداء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما يحذر منه المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح الذي قال فيه: (( إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم ) )أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: النهي عن قول هلك الناس ، (النووي 16/17) .

ب- حصول الإحباط واليأس في نفوس بعض الدعاة لتكرار الفشل، وانطوائهم بعد ذلك على أنفسهم ،ثم اعتزالهم الناس وتركهم الأمر المعروف والنهي عن المنكر، وربما كان فشلهم في كثير من الأحوال ناشئًا عن جهلهم بأساليب وأسباب النجاح في الدعوة .

الفصل الثاني: عناصر التأثير:

المبحث الأول الميل العاطفي والمحبة القلبية:

إن لمحبة تقود إلى المتابعة للمحبوب، وتقديمه على من سواه ،وتلمس موافقة هواه، ولذا قيل في تعريف المحبة إنها (( إيثار المحبوب على جميع المصحوب ،وقيل:موافقة الحبيب في المشهد والمغيب وقيل:اتحاد مراد المحب ، ومراد المحبوب وقيل: إيثار مراد المحبوب على مراد المحب وقيل: هي بذلك المجهود فيما يرضي الحبيب ) )روضة المحبين (ص:19-21) . (( والحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والفعل الظاهر فيما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (7/541) ولذا فإن صاحب الرسالة يتحبب إلى المدعوين ، ويسعى إلى كسب محبتهم له وميل قلوبهم إليه ، لأن ذلك أعظم عون على قبولهم منه واتباعهم له ، وبدونه لا يحصل التأثير الإيجابي بالمتابعة ولو أقيمت الحجج ونصبت الأدلة لأن البغض للداعي يصد عن قبول دعوته وإن كانت حقًا:]فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لا نفضوا من حولك [ آل عمران[159] فالاستجابة والمتابعة أعظم مقتضيات المحبة ،وهما في الوقت نفسه أعظم آثارها .

وإذا تمكنت المحبة فإنها تورث تعلقًا عجيبًا بالمحبوب يدفع إلى فعل مقتضاها من الموافقة وإن كان في ذلك مضرة ظاهرة أو إعراض عن محبوبات أخرى هي أكثر أهمية، ويتحمل المحب في ذلك ما يلقي من المعارضة والملامة، وهذا ما يعرف من حال المحبين والعشاق وهو الذي يفسر ما ملئت به سيرهم من الأخبار والأحوال، وليس هذا في عشق ومحبة الصور المحسوسة من البشر، بل هو واقع في المعاني أيضًا فكثير من الأجواد يعشق الجود أعظم عشق فلا يصبر عنه مع حاجته إلى ما يجود به، ولا يقبل فيه عذل عاذل، ولا تأخذه فيه لومة لائم ، وأما عشاق العلم فأعظم شغفًا به ، وعشقًا له من كل عاشق بمعشوقه )) روضة المحبين (ص:69) وبالجملة (( فأصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة ،فهو أصل كل فعل ومبدؤه، كما أن البغض والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه ومادته ) )جامع الرسائل والمسائل (2/193) .

ومما يقوي أثر المحبة من الموافقة والاتباع (( حصول اللذة والنعمة والفرح والسرور وقرة العين به على قدر قوة محبته وإرادته والرغبة فيه ) )روضة المحبين (ص/156،155) ويلحق بذلك أن المحبة توقد نار الشوق فيبقى القلب بالمحبوب ومطلوبه مشغولًا، والعقل في أمره مفكرًا (والشوق أثر من آثار المحبة وحكم من أحكامها فإنه سفر القلب إلى المحبوب في كل حال ) ) تهذيب مدارج السالكين (ص:525) .

وهكذا نجد للمحبة أثرها العظيم في الفكر والسلوك، (( والمحبة والإرادة أصل كل دين سواء كان دينًا صالحًا أو دينًا فاسدًا فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة والمحبة والإرادة أصل ذلك كله ) )جامع الرسائل والمسائل (2/218) ، (( وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل وهو أصل الأعمال الدينية وغيرها ) )المصدر السابق (2/235) علمنا أهمية هذا العنصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت