والمعروف أن هذه البروتوكولات ظهرت في أواخر القرن الماضي الميلادي، أي أنها ظلت محجوبة عن المسلمين والعرب قرابة خمسين عامًا لم تشر إليها أية صحيفة أو مجلة من الصحف العربية خلال هذه الفترة ويرجع ذلك بالطبع إلى أن الصحف التي كانت قادرة في هذا المجال كلها كانت من أصحاب العمالة الاستعمارية الصهيونية، وكانت ذات ولاء واضح للماسونية وما وراءها من مخططات فلما انكشفت البروتوكولات في منتصف هذا القرن تبين أن كثيرًا مما جاء بها كات قد تم تنفيذه فعلًا وفي مقدمة هذا تمزيق العالم إلى كتلتين، والقضاء على الخلافة الإسلامية والدولة العثمانية الجامعة للعرب والترك. غير أن الباحث يستطيع أن يعرف أن مضامين هذه 14 البروتوكولات التي كانت قد بدأت تنكشف بعد إسقاط السلطان عبد الحميد رحمه الله عام 1908 - 1909 م وعلى التو تكشف مخطط ما يعرف بالماسونية التي دخلها كثير من الأعلام المسلمين بحسن نية وظنًا بأنها تعني ما تعلن عنه مما أطلق عليه (حرية - إخاء - مساواة) ولم تكن أبعاد الأمور قد انكشفت لهم بعد على نحو ما انكشف لنا بعد ذلك. غير أن السلطان عبد الحميد كان على معرفة عميقة بهذا التيار الذي سرعان ما اتضحت آثاره بعد سقوطه مباشرة، وجرت الإشارة إليه وقد أثبته كذلك السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار وحذر المسلمين من مخطط واسع أحد طرفيه الماسونية والطرف الآخر هو الصهيونية.
وقد انكشف موقف السلطان عبد الحميد جليّا في السنوات العشر الأخيرة بعد أن ظل غامضًا مضببًا على نحو من الظلم والاتهام في الباطل وذلك بعد أن ترجمت مذكرات هرتزل إلى اللغة العربية وسجلت - والحق ما شهدت به الأعداء - أن هذا الرجل الكريم أغري أشد إغراء ثم هدد أشد تهديد، ولكنه صمد صمودًا تامًا وكان موقفه من الملايين الخمسة والخمسين من الذهب التي عرضت عليه مشرفًا وكريمًا، وكانت رسالته الحاسمة الأخيرة، وهذه الوثيقة تستطيع أن تصحح الخطأ الذي عاش سنوات وسنوات في معظم كتب التاريخ والأدب في البلاد الإسلامية محاولًا أن يلقي على شخصية السلطان عبد الحميد ظلال التشكيك والاتهام ومجافاة الحرية والعدل. 15
في عام 1902 م بدأت المعركة مع السلطان عبد الحميد لإسقاط الدولة العثمانية والخلافة وكان ذلك مطابقًا للبروتوكولات، وفي عام 1909 م تم إقصاء السلطان عبد الحميد وفيما بعد سقطت الخلافة.
وكانت ثمار مدارس الإرساليات هي القوى ذات الأسلحة الحاسمة في مجال الصحافة والتي حملت لواء هذه الدعوة الضالة فقد كان التبشير قد ركز نفسه وأنشأ جامعاته ومن أوائل خريجيها جاء هذا الفوج الذي قاد الصحافة العربية مع الأسف في هذه المرحلة وأعلن الحملة على السلطان عبد الحميد وعلى الخلافة وعلى الإسلام.
ثانيًا:
أعتقد أن البحث يقتضينا أن نذهب إلى أبعد من ذلك عمقًا في التاريخ فنرجع إلى السنوات التي بدأت فيها فكرة هرتزل عام 1897 م وهو العام الحاسم الذي أعلنت فيه الدعوة الصهيونية بعد أن أعدت خيوطها الأولى ممثلة في ماركس من قبل وفرويد الذي كان صديقًا لهرتزل ومشاركًا له في المؤسسات الصهيونية، وبذلك انتظمت الخيوط كلها في طريق واحد: طريق تهديم البشرية وسحقها توطئة للحلم اليهودي بالسيطرة العالمية.
عن طريق إعلاء العنصرية بالدعوات المتصلة 16 التي أعلنها مارس مولر اليهودي وماكس نوكدو خليفة هرتزل وذلك لخلق الدعوة إلى عنصرية شعب الله المختار.
عن طريق تحويل الفكر البشري كله ناحية الطعام والمادة بما أعلنه ماركس وإنجلز من نظريات للتفسير المادي للتاريخ وما يتصل بالنظرية الربوية العالمية.
عن طريق تدمير النفس الإنسانية بالدعوة إلى تحويل الفكر البشري كله من ناحية الجنس والغرائز وإطلاقها وهو ما أعلنه فرويد.
وقد كشفت الأبحاث من بعد عن الصلات الوطيدة بين الفروع الثلاثة المتصلة بالدعوة الأساسية إلى الصهيونية العالمية من خلال إعلاء نص محرف يفصل بين إبراهيم عليه السلام من جهة وبين ابنه الأكبر إسماعيل جد العرب والمسلمين من جهة أخرى وإسحاق جد اليهود والمسيحيين من جهة أخرى، في محاولة مضللة لشجب الجناح الإسماعيلي العربي المتصل برحلة إبراهيم إلى مكة المكرمة ونشأة فرعه الإسماعيلي فيها.
ولقد كان دهاء الصهيونية بارعًا منذ ذلك الوقت البعيد وذلك بالسيطرة على مصادر العلوم وفي مقدمتها (دوائر المعارف) فقد استولى اليهود على إعادة صياغة دوائر المعارف والموسوعات العالمية وفيها ركز الصهيونيون محاولتهم في توجيه جميع المواد التاريخية على النحو الذي يشك 17 في حقائق الإسلام ووقائع التاريخ وفي علاقة المسلمين والعرب بإبراهيم عليه السلام.
ولقد عمد بعض الكتاب العرب متباعة لهذا المخطط إلى إنكار وجود إبراهيم وإسماعيل والتشكيك في اللغة العربية وصلتها بالقرآن.
وكأنما كان ذلك نذيرًا لمن ألقى السمه وهو شهيد إلى ما بعد ذلك من محاولات تزييف للتاريخ الإسلامي يراد أن تجرى أولًا من خلال دراسات الأدب وثانيًا من أقلام كتاب عرب يتسمون بأسماء إسلامية.
وفيما يتصل بهذا ما كشفته الأخبار عن اجتماع البهائيين في مؤتمر عالمي في القدس المحتلة 1968 م وما أعلنوا من أن دعوتهم مستمدة من الصهيونية أساسًا والتاريخ يثبت كيف كان لهم نشاطًا في يافا إبان الاحتلال الإنجليزي لفلسطين ومنه امتد إلى كثير من البلاد الإسلامية والعربية وأنهم خدعوا كثيرًا من الناس دون أن يتبين الكثيرون مدى صلتهم بالتلمود.
ثالثًا:
ولكي تكتمل أبعاد الصورة أقدم هذه الوثائق المتلاحقة التي يمكن تجميعها في إطار واحد لكي تشكل بعدًا جديدًا لما نريد أن نصل إليه - هذا (غلادستون) بعد احتلال مصر يقول عام 1897، بعد أن يصعد إلى منبر مجلس العموم ومعه نسخة من القرآن الكريم يلوح بها في وجه 18 الأعضاء ويقول:"إنه ما دام هذا الكتاب باقيًا في الأرض فلا أمل لنا في إخضاع المسلمين".
وكان هذا علامة إنطلاقة خطيرة للاستشراق لها آثارها الكبيرة بالنسبة للمخطط الذي طرحته الشبهات في كل مجالات الفكر الإسلامي لتوهين مفهوم الإيمان بالله والصمود والمواجهة للعدو والجهاد والمجابهة للغزاة في كل مكان وكان كرومر قد أعلن منذ عام 1883 م موقفه حين قال:"إنما جئت لأهدم ثلاثة: الكعبة، والأزهر، والقرآن".
وفي عام 1907 م يتقدم"بيترمان"الوزير البريطاني بوثيقته المعروفة التي تقول: إنه لكي يظل الاستعمار قادرًا في السيطرة على المسلمين والعرب والحيلولة دون نهوضهم لابد من"إقامة حاجز بشري"يفصل بين مسلمي أفريقيا وآسيا وكان الجواب حاضرًا وربما كان ذلك تمهيدًا لما يراد أن يقال حيق تقدم اليهود فقالوا: إنما نحن الحاجز البشري المعادي للمسلمين، ثم كان وعد بلفور بعد ذلك خطوة تالية على الطريق، فإذا ربطنا بين تقرير"بيترمان"وبين إسقاط السلطان عبد الحميد عام 1909 م وفتح الطريق أمام اليهود إلى فلسطين عن طريق الدونمة والاتحاديين وصلنا إلى لورنس البريطاني ودوره في تمزيق الرابطة بين العرب والترك التي جمعهما لواء الإسلام، وفي هذه الفترة الحاسمة استطاع أتباع المحافل الماسونية وخريجوها بين 1909-1918 م أن يضيعوا طرابلس الغرب وأن تهزم الدولة العثمانية وأن يصل اليهود إلى الأرض المقدسة حتى جاء اليوم الذي وقف فيه اللورد اللنبي في القدس ليقول: 19"الآن انتهت الحروب الصليبية":
وقف القائد الفرنسي (جيرو) في دمشق أمام بطل حطين صلاح الدين وهو يقول: ها نحن عدنا يا صلاح الدين.