ثانيًا: ضعف التيار الفكري الإسلامي الذي التزم المسلمون بميثاق التوحيد أن يكون متجددًا ناميًا متصلًا دائمًا بمنابع القرآن مستمدًا قوته ونصرته من أصول الإسلام الأصيلة من مناهج الحكم والتربية وأنظمة الاحتجاج والاقتصاد ونتيجة لهذا كله علت موجة المد الغربي التي أخذت في تطويق عالم الإسلام وكانت تخشاه من قبل، فلما اقتحمته وجدته هشًا طريًا لأنه كان قد فقد قوته المادية العسكرية وجمد تجديده الدائم المتصل واستنام إلى الدعة، وزايل طموحه وحيويته وتأهبه لمواجهة أعدائه الذين لم يكونوا قد ناموا بل استيقظوا، غير أن العالم الإسلامي القائم على مفهوم الإسلام وفكره المتجدد لم يكن لينتظر أن يوقظه أحد ما من خارج محيطيه، فقد بدأت حركته ذاتية من قلب الجزيرة العربية في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي حيت حمل لواء دعوة التوحيد الإمام محمد بن عبد الوهاب فكان ذلك علامة على فجر جديد اطلع المسلمين لالتماس أصول عقيدتهم، وامتلاك ينابيع فكرهم واتخاذها جميعًا مصدرًا لليقظة.
وقد جاءت هذه الحركة مصدقة ومؤكدة لذلك القانون الذي عرفه المسلمون خلال تاريخهم كله والذي انتظم ماضيهم وحاضرهم بانبعاث حركة اليقظة كلما انحرف الطريق من قلب الإسلام نفسه وبأيدي أولئك الأبرار الذين أذن الله تبارك وتعالى بظهورهم على مدى الأجيال واستدارة الزمان، ومنذ ذلك اليوم وإلى اليوم وحركة الصراع دائرة بين قوى الغزو الأجنبي وبين حركة اليقظة الإسلامية في محاولة للسيطرة عليها وتنحيتها عن مكانها واستبدالها بحركة أخرى من اتباع له جرت المحاولات للتمكين لهم بالسيطرة على مقدرات التعليم والثقافة والصحافة، ثم كشفت أضواء الإسلام زيفهم وأفسدت هدفهم، وحررت منهم المناهج وإن كانت قوى الغزو الأجنبي لا تتوقف ولا تريد أن تبأس. وما أظن المسلمين إلا في جهاد لا يتوقف لمقاومة تيار هذا الغزو.
وقد عملت حركة اليقظة الإسلامية منذ يومها الأول بوعي عميق وجددت منهجها ووسعت أبعاد حركتها لتستوعب مخططات الغزو جميعًا وقد استطاعت بفضل صدق دعاتها وقادتها ونضارة فكرها وأصالته وارتباطه بالفطرة والحق أن تستعيد الروح الأصيل الذي لم يكن للمسلمين نهضة إلا به ذلك هو روح"لا إله إلا الله".
ولقد مضت حركة اليقظة الإسلامية إلى العمل في ميدانين متكاملين.
الأول: تحرير العقيدة من زيف الجمود وما دخلها من أوهام الباطنية والغنوصية وشبهات المجوسية وتلفيقات الوثنية الهلينية.
ثانيًا: استعادة قدرة الإنسان المسلم على المقاومة والدفاع وإعادة فريضة الجهاد مرة أخرى إلى ساحة المجتمع الإسلامي وإحياء مفاهيم النضال والاستشهاد والكشف عن صفحات التاريخ الحافل بالبطولة والمجد ومحاولة استئنافها تطبيقًا واسترخاصًا للأرواح في سبيل إعلاء كلمة الله.
وقد مضت المعركة سجالًا يقتحمها المجاهدون المسلمون ويثبتون فيها، وقد ذهل الاستعمار لهذه المعارضة القوية، وغير أساليبه وخططه مرات ومرات دون أن يتحول عن غايته وحاول إقصاء العناصر القوية والنماذج الرائعة عن مجال النضال وأقام دائرة ضيقة لها نفوذ، قصرها على رجاله الذين 11 كونهم وشكلهم واستأنف بهم سيطرته على مقدرات الأمم والشعوب.
وقد كشفت أحداث السنوات الخمسين الأخيرة في العالم الإسلامي كله عن فشل تجارب الغرب بمنهجيه الليبرالي والماركسي في مجال السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية، وعجزت النظم المختلفة عن أن تقدم للنفس الإسلامية والمجتمع الإسلامي ما يسد حاجته أو يمكنه من أن يجد ذاته وتكلفت النتائج الحاسمة عن عجز التجارب الغربية بشقيها واستعلنت الحقيقة الصادقة العميقة المغزى أمام العالم الإسلامي كله بأنه لا طريق له بعد أن جرب كل الطرق إلا طريقا واحدا: هو طريق التوحيد والقرآن والشريعة الإسلامية وأنه ليس له سبيل سوى الإيمان بالإسلام نظام مجتمع ومنهج حياة.
ويمكن القول أن الطبول تدق في كل مكان اليوم معلنة أنها تلتمس طريقها من خلال الشريعة الإسلامية وأن فريضة الجهاد حين دخلت مرة أخرى إلى حياة المسلمين غيرت باسم الله والله أكبر الكثير وأدالت من العدو وكشفت عن قدرات رائعة في النفس المسلمة بحيث لا يقف أمامها أي خطر وكان ذلك الالتقاء على عقد الخناصر وترابط القوى، مذهلًا لقوى الغزو والاستعمار.
وهناك بوادر كثيرة في تطبيقات الاقتصاد الإسلامي ص 12 والمجتمع الإسلامي والشريعة الإسلامية سوف تحقق الكثير مما يطمع فيه أصحاب دعوة الحق وبناة اليقظة.
ولا ريب أن ذلك كله منطلق لما بعد من خطوات حتى يستطيع الباحث المسلم أن يعلن دون أن يخشى شيئًا أن (عصر التبعية) بهذه الخطوات أنما يتدافع إلى نهايته بعد أن انتهى من قبله عصر الاستعمار وأن عصرًا جديدًا يوشك أن يشرق فجره، من حول الكعبة المباركة ومن الارتباط بالقبلة.
ذلك هو عصر"تأكيد الذاتية"وبناء"الرشد الفكري"ودعم وحدة الفكر الإسلامي على نحو يؤهل المسلمين إلى تقديمن رسالتهم عما قريب إلى البشرية كلها، هذه البشرية التي يجتاحها القلق الصارم والتمزق النفسي الشديد والتي أوفت على مراحل اليأس القاتل بعد أن فشلت تجاربها خلال أكثر من مائتي عام تقريبًا في أن تقيم مجتمعًا كريمًا أو تحرر النفس البشرية من أسرها، فقد فشلت التجارب وعجزت الأيدلوجيات ويئس الفلاسفة إلا من ضوء واحد لا يزال في نفوسهم منه شيء هو ضوء الإسلام.
غير أن هذه المهمة الخطيرة التي هي أمانة في الأعناق للأمة الإسلامية في حاجة إلى جهد مضاعف وعمل مكثف وهذا يتطلب بالتالي إلقاء أضواء كاشفة على تلك الخلفيات البعيدة الخطر التي تبدو من وراء"حركة التبعية والاحتواء"التي تتضافر فيها جهود الاستعمار والمادية والصهيونية وأتباعها جميعًا في مواجهة الإسلام. ص 13
ولقد كان للدور الذي لعبته الأيدلوجية الصهيونية التلمودية في العصر الحديث منذ الثورة الفرنسية إشارة بعيدة في السيطرة على الفكر الغربي نفسه واحتوائها له، وله إشارة بعيدة أيضًا في مناهج الاستشراق والتبشير والتعليم.
وعلى المفكرين المسلمين كشف أبعاد هذا المخطط حتى يسهل القضاء عليه توطئة للدخول في مرحلة الرشد الفكري المبتغاة وبين يدي هذا العمل أقدم هذه الحقائق:
أولًا:
من أخطر ما كشف عنه الوثائق في السنوات الثلاث الأخيرة"بروتوكولات صهيون"، وقد بدأ الحديث عنها بعد حرب 48 حثيثًا ثم ترجمت إلى اللغة العربية بعد ذلك بقليل.