فهرس الكتاب

الصفحة 1256 من 3028

للتشبه بالكفار آثار وخيمة ومظاهر سيئة تتجلى في عقيدة المسلم وعباداته وسلوكه وأخلاقه وعاداته وتصرفاته وهيئته وحركاته وسكونه وهويته, بل في جميع جزئيات حياته.

يقول ابن تيمية مبيّنًا قاعدة تأثر المتشبِّه بالمتشبَّه به والمقلِّد بالمقلَّد:"إن الله تعالى جبل بني آدم بل سائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط، ولما كان بين الإنسان وبين الإنسان مشاركة في الجنس الخاص، كان التفاعل فيه أشد، ثم بينه وبين سائر الحيوان مشاركة في الجنس المتوسط، فلا بد من نوع تفاعل بقدره، ثم بينه وبين النبات مشاركة في الجنس البعيد مثلًا، فلا بد من نوعٍ ما من المفاعلة."

ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة, فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي, كما أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة" [1] ."

وقال في موضع آخر:"إن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلًا يجد من نفسه نوع تخلّق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيًا لذلك، إلا أن يمنعه مانع" [2] .

فمن أبرز هذه المظاهر والآثار ما يلي [3] :

1-انحسار المفهوم الشامل للدين.

2-ضعف الإيمان بالغيب.

3-قيام حركة التشكيك في مصادر العقيدة وإثارة الشبهات حولها.

4-ضعف الرابطة الدينية بين المسلمين, وإحلال الروابط الجاهلية محلها.

5-الدعوة إلى الارتماء في أحضان الغرب الكافر.

6-الدعوة إلى تطوير المعاهد الإسلامية بما يضعِف التعليم الديني.

7-محاربة اللغة العربية الفصحى.

8-استيراد النظم والمناهج التعليمية الغربية.

9-تسرب مذاهب الأدب والنقد الغربية إلى الأدب العربي.

10-الاستمداد من النظم والقوانين الغربية.

11-فصل الدين عن السياسة.

12-تغريب المرأة المسلمة بدعوى تحرير المرأة, وذلك بمهاجمة تعدد الزوجات، وبمساواة المرأة بالرجل، ثم بإباحة الاختلاط، ونزع جلباب المرأة المسلمة.

[1] اقتضاء الصراط المستقيم (1/547-549) باختصار.

[2] اقتضاء الصراط المستقيم (1/93) .

[3] انظر: التدابير الواقية (1/133-229) باختصار.

عاشرًا: سبل الوقاية من التشبه بالكفار:

إن من أجلّ نعم الله تعالى على المسلمين أن مَنَّ عليهم بالإسلام, وأرسل عليهم أفضل رسله، وأنزل عليهم أفضل كتبه، وهداهم إلى صراطه المستقيم، وبيّن لهم طريقه القويم, وكذلك أرشدهم كيف يصونون دينهم وعقيدتهم من الشرك والشبهات.

ومعلوم أن من أصل دروس دين الله وشرائعه وظهور الكفر والمعاصي التشبه بالكافرين [1] ، لذا لم يقتصر الشارع على تحريم التشبه بالكفار فحسب, بل بادر بسد جميع السبل والمنافذ المؤدية إلى ذلك، وبيان ذلك فيما يلي [2] :

أولًا: بناء شخصية الفرد المسلم:

وذلك من خلال تكوين روح الاعتداد بالنفس وروح الجماعة وروح الاعتزاز بالدين لدى المسلم:

1-تكوين روح الاعتداد بالنفس لدى المسلم:

إن مما يدفع بعض الناس إلى تقليد الآخرين والتشبه بهم ومحاكاتهم ضعف شخصيتهم وشعورهم بالهزيمة النفسية من الداخل، مما يجعلهم يفقدون الثقة بأنفسهم، فيتقاعسون عن القيام بواجباتهم، ويفتقدون الأخذ بزمام المبادرة والمسارعة إلى الأعمال واقتحام العقبات، فيكتفون باتباع النماذج الجاهزة من الكفار الذين يعتقدون فيهم القوة، ويرون أنهم القدوة التي ينبغي أن تحتذى.

ومن هنا فإن الإسلام في سعيه إلى وقاية المسلم من التشبه بالكفار عمل على تقوية شخصيته الاستقلالية، عن طريق تحقيق فرديته أي: اعتداده بنفسه، والحفاظ على ذاتيتها واستقلالها، وذلك بتحقيق كرامته الإسلامية الإنسانية، وضمان حرياته العامة، وتقرير مسؤوليته الشخصية، وربط قلبه بالله وحده.

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (لا يكونن أحدكم إمّعة) ، قالوا: وما الإمعة يا أبا عبد الرحمن؟ قال: (يقول: إنما أنا مع الناس، إن اهتدَوا اهتديت، وإن ضلّوا ضلَلت، ألا ليوطِّن أحدكم نفسه على إن كفر الناس أن لا يكفر) [3] .

قال الزمخشري:"الإمّعة هو الذي يتبع كلَّ ناعق، ويقول لكل أحد: أنا معك، لأنه لا رأي له يرجع إليه" [4] .

وقال القاري:"فيه إشعار بالنهي عن التقليد المجرّد حتى في الأخلاق, فضلًا عن الاعتقادات والعبادات" [5] .

2-تكوين روح الجماعة لدى المسلم:

اعتنى الإسلام بتكوين روح الجماعة لدى المسلم إلى جانب تكوين روح الاعتداد بالنفس لديه، حتى يتكون المجتمع من أفراد أقوياء متعاونين متحابين متساندين صفًا واحدًا كأنهم بنيان مرصوص، تتكاتف جهودهم للعمل لهذا الدين والانتصار له وإقامة الأمة الإسلامية القوية المنيعة التي تتأبى على الذل والهوان، وتترفع عن الخضوع للكفار والتبعية لهم.

ومن الطرق التي سلكها الإسلام لتكوين الروح الجماعية لدى المسلم ما يلي:

أ- تقوية أواصر الأخوة الإسلامية بين المسلمين والتحذير من كلّ ما يزعزعها.

ب- تكوين الوعي الكامل بوحدة الأمة الإسلامية وترابط مصالح الفرد والجماعة.

ج- تقرير المسؤولية الجماعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

د- التأكيد على الجماعة في الشعائر التعبدية المشروعة أداؤها جماعة كالصلاة المفروضة.

هـ- الدعوة الصريحة إلى لزوم جماعة المسلمين وترك التفرق.

وإذْ يَهْتم الإسلام هذا الاهتمام الكبير بأن يكون المسلم متآلفًا مع الجماعة، فإنه لا يترك هذه الروح الجماعية بدون شروط تجب مراعاتها، ولهذا جاءت النصوص الكثيرة تبين هذه الشروط التي يجب توفرها في تنمية الروح الجماعية، ولعل أهم هذه الشروط أن يكون الاجتماع والتآلف والتآخي على أساس الإيمان والتقوى والعمل الصالح، كما قال تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاةَ وَءاتَوُاْ الزكاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ} [التوبة:11] .

ومن هذا الباب جاء الحث على اختيار الرفقة الصالحة حتى تكون وسيلة للتعاون على الخير والمحافظة على شخصية المسلم ووقايتها من الذوبان والانحلال الذي ربما جر ـ والعياذ بالله ـ إلى التشبه بالكفار.

فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة ) ) [6] .

وإن الروح الجماعية وعملية اختيار الرفقة الصالحة إذا تم تكوينهما وترسيخهما في نفس المسلم تكون لهما آثار إيجابية في حياة المسلمين أفرادًا وجماعات ودولًا وشعوبًا، ومن تلكم الآثار ما يلي:

أ- التعلم والتعليم واكتساب الخبرات.

ب- اكتشاف صفات النفس.

ج- التأدب والتأديب.

د- بعث الأمل في النفس وتجديد النشاط.

هـ- التعاون من أجل التمكين لدين الله في الأرض.

و- حفظ الهيبة والكرامة الإسلامية.

ز- بث روح التراحم والتوادد بين المسلمين.

3-تكوين روح الاعتزاز بالدين لدى المسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت