فهرس الكتاب

الصفحة 1251 من 3028

قال ابن تيمية:"إن نفس المخالفة لهم في الهدي الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور قلبه حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالون من المرض الذي ضرره أشدُّ من ضرر أمراض الأبدان" [2] .

3-أن التشابه يوقع شيئًا من المشاكلة:

قال ابن تيمية:"إن الله تعالى جَبَل بني آدم, بل سائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط."

ولما كان بين الإنسان وبين الإنسان مشاركة في الجنس الخاص كان التفاعل فيه أشد, ثم بينه وبين سائر الحيوان مشاركة في الجنس المتوسط، فلا بدّ من نوع تفاعل بقدره، ثم بينه وبين النبات مشاركة في الجنس البعيد مثلًا، فلا بد من نوع ما من المفاعلة، ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة...

فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي" [3] ."

وقال أيضًا:"إن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوعَ انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلًا يجد من نفسه نوع تخلّق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيًا لذلك، إلا أن يمنعه مانع" [4] .

4-تحقيق مبدأ الولاء والبراء:

قال ابن تيمية:"إن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقيق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين" [5] .

5-تمييز المسلمين عن غيرهم من الكفرة والملحدين:

قال ابن تيمية:"إن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميّز ظاهرًا بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين" [6] .

[1] اقتضاء الصراط المستقيم (1/198) .

[2] اقتضاء الصراط المستقيم (1/197-198) .

[3] اقتضاء الصراط المستقيم (1/547-548) .

[4] اقتضاء الصراط المستقيم (1/93) .

[5] اقتضاء الصراط المستقيم (1/93) .

[6] اقتضاء الصراط المستقيم (1/94) .

خامسًا: أحكام التشبه بالكفار:

قال ابن عثيمين:"الذي يفعله أعداء الله وأعداؤنا وهم الكفار ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: عبادات، القسم الثاني: عادات، القسم الثالث: صناعات وأعمال."

أما العبادات فمن المعلوم أنه لا يجوز لأي مسلم أن يتشبه بهم في عباداتهم, ومن تشبه بهم في عباداتهم فإنه على خطر عظيم, فقد يكون ذلك مؤديًا إلى كفره وخروجه من الإسلام.

وأما العادات كاللباس وغيره فإنه يحرم أن يتشبه بهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من تشبّه بقوم فهو منهم ) ) [1] .

وأما الصناعات والحرف التي فيها مصالح عامة فلا حرج أن نتعلم مما صنعوه ونستفيد منه، وليس هذا من باب التشبه، ولكنه من باب المشاركة في الأعمال النافعة التي لا يُعدّ من قام بها متشبهًا بهم" [2] ."

"إن أحكام التشبه على جهة التفصيل لا يمكن استقراؤها، لأن كل حالة من أحوال التشبه لها حكم يعرض على النصوص وعلى قواعد الشرع من قِبَل أهل العلم والفقه في الدين, ولكن هناك بعض الأحكام العامة التي تنتظم جميع أنواع التشبه في الجملة، لا على جهة التفصيل، على النحو التالي:"

أولًا: من أنواع التشبه بالكافرين ما هو شرك أو كفر، كالتشبه في العقائد، والتشبه في بعض العبادات، وكالتشبه باليهود والنصارى والمجوس في الأمور المخلة بالتوحيد والعقيدة، كالتعطيل والإلحاد والحلول, وتقديس الأشخاص من الأنبياء والصالحين وعبادتهم ودعائهم من دون الله، وكتحكيم الشرائع والنظم البشرية، كل ذلك إما شرك وإما كفر.

ثانيًا: من التشبه ما هو معصية وفسق، كتقليد الكفار في بعض العادات، كالأكل باليد الشمال، والشرب بها، والتختم بالذهب، والتحلي به للرجال، وحلق اللحى، وتشبه النساء بالرجال، وتشبه الرجال بالنساء، ونحو ذلك.

ثالثًا: ما هو مكروه، وهو ما تردد الحكم فيه بين الإباحة والتحريم، على سبيل عدم الوضوح في الحكم، أعني أنه قد تتردد بعض أنماط السلوك والعادات والأشياء الدنيوية بين الكراهة وبين الإباحة، فهذا دَفْعًا لوقوع المسلمين في التشبه، يبقى حكمه مكروهًا.

رابعًا: ما هو مباح، وهو ما ليس من خصائصهم من أمور الدنيا، أي: ليس فيه سمة تخصهم وتميزهم عن المسلمين الصالحين، وما لا يجر إلى مفسدة كبرى على المسلمين أو إلى منفعة للكفار تؤدي إلى الصغار للمسلمين، ونحو ذلك. ومن المباح: الإنتاج المادي البحت والعلوم الدنيوية البحتة" [3] ."

[1] أخرجه أحمد (2/50) ، وأبو داود في اللباس، باب: في لبس الشهرة (4031) ، وعبد بن حميد (1/267) ، والبيهقي في الشعب (2/75) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (25/331) :"هذا حديث جيد"، وقال العراقي في تخريج الإحياء (1/342) :"سنده صحيح"، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (10/271) ، وصححه الألباني في حجاب المرأة المسلمة (ص104) .

[2] مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (3/40) .

[3] رسالة (من تشبه بقوم فهو منهم) (ص 20-23) .

سادسًا: ضوابط وقواعد:

لكي تكون مسألة التشبه بالكفار واضحة جلية لجميع الناس ذكر العلماء جملة من الضوابط والقواعد الشرعية من خلال استعراض الأدلة من القرآن الكريم ثم من السنة النبوية الصحيحة الواردة في النهي عن تشبه المسلمين بالكفار، وإجماع المسلمين في العصور الفاضلة على ذلك, ومن تلكم الضوابط والقواعد ما يلي:

أولًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر وهو الصادق المصدوق أن هذه الأمة لا بد أن تتبع سنن من كان قبلها من الأمم الأخرى.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ) )، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: (( فمن؟! ) ) [1] .

قال ابن حجر:"والذي يظهر أن التخصيص إنما وقع لجحر الضب لشدة ضيقه ورداءته، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم واتباعهم طرائقَهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لتبعوهم" [2] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع ) )، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: (( ومن الناس إلا أولئك؟! ) ) [3] .

قال ابن تيمية:"فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم وهم الأعاجم" [4] .

قال ابن بطال:"أعلَمَ صلى الله عليه وسلم أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة من الناس" [5] .

قال ابن حجر:"وقد وقع معظم ما أنذر به صلى الله عليه وسلم، وسيقع بقية ذلك" [6] .

ثانيًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن طائفة من أمته ستبقى مستمسكة بالحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت