وتمر القرون وتمضي السنون ويتخلّى كثير من المسلمين عن دينهم وينتشر بينهم المنكر والضلال والفساد والانحراف والباطل والإلحاد وتتفرق الكلمة وتتشعّب السبل وتعم الذلة والمهانة فتسبى الأموال وتُحتل الديار ويُِشرد الأبرياء وتنتهك المقدسات وتعم المحن، وتتعاقب المصائب والفتن، ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه، السؤال الذي يراود كل مسلمٍ غيورٍ على دينه، ما السبب في كل ما أصاب المسلمين ما طريق الخلاص من الفتن التي يعيشها المسلمون؟ ما سلَّم النجاة من المحن التي تعيشها الأمة الإسلاميةً؟ كيف الخروج من ذلك كله؟ وكيف الطريق لاستعادة أمجاد المسلمين؟ والجواب الذي نرجو أن يتحقق واقعًا عمليًا شاهدًا ملموسًا في كل نواحي الحياة، في كل صغير وكبير هو اتباع كتاب الله وسنة رسوله ، هو تحكيم الإسلام ولا شيء غير الإسلام، لا سيما بعد أن أفلست النظم الأرضية والشعارات الجاهلية في تحقيق الصلاح للبشرية، فوالله الذي لا إله غيره، وورب الكعبة سبحانه لن تتحقق آمال الأمة ولن تخرج من آلامها إلا باتباع الكتاب والسنة فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى [طه:123، 124] ، وقف المصطفى هذه المواقف وأعلن للبشرية أنها لن تضل ما دامت متمسكة بكتاب الله (( تركتم فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله ) ) (7) [7] ومن هنا يأتي دور القادة والولاة والعلماء والدعاة والمفكرين ورجال التربية والتعليم والإعلام وحملة الأقلام ليؤدوا رسالتهم العظيمة في نشر الإسلام الحق، وتربية الأجيال عليه، ويقفوا سدًا منيعًا في وجه كل من أراد النيل منه والإساءة إليه.
فيا قادة المسلمين، يا أيها الولاة والحكام، إن مسؤوليتكم عظيمة فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، سوسوا شعوبكم بكتاب الله واحكموهم بسنة رسل الله ، أقيموا الدين في عباد الله، أدوا الأمانة التي تحملتموها، واحكموا الناس بالعدل والإنصاف، وأداء الحقوق، كونوا سندًا وعضدًا لأهل الخير والدعوة والحسبة والإصلاح، حكموا الشريعة في أرض الله على عباد الله، اتخذوا من العلماء الربانيين بطانة، ومن أهل الصلاح والنصح مستشارين تصلح أحوالكم وأحوال شعوبكم، وتبقى مكانتكم ويعم الأمن والأمان بلادكم.
علماء الإسلام، إن مسؤوليتكم في تبليغ هذا الدين كبيرة وأمانتكم جسيمة، انزلوا إلى ميدان التوجيه والإرشاد، واحملوا سلاح الدعوة والبلاغ، واحذروا من التقصير في أداء ما حُمِّلتم وكتمان ما أوتيتم، فإن خطر ذلك كبير، واعلموا أن ضعف كثير من العامة في أمور عقيدتهم ودينهم وانتشار الجهل في كثير من الناس سببه تواريكم عن الساحة وإحجامكم عن النزول إلى الميدان.
دعاة الإسلام، دوركم كبير، جدُّ كبير، لقد حُملتم شرف الدعوة وشرفتم بتولي ميراث النبوة فاسلكوا أثر أفضل الدعاة عليه الصلاة والسلام، ركزوا في الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، واهتموا بالنوع والكيف، لا بالكثرة والكم، اجمعوا قلوبكم ووحدوا صفوفكم، فالدعوة إلى الله ليس تجمعاتٍ حزبية، ولا تنظيمات عقدية، وإنما هي رسالة صلاحٍ وإصلاح لعموم البشرية، حذار أن يوقع الشيطان بينكم، وأن يشتغل بعضكم ببعض والعدو يتفرج من حولكم، ركزوا على العلم في دعوتكم ولا تستعجلوا النتائج، اسلكوا سبيل الحكمة والرفق والعقل وبعد النظر، وتحكيم المصالح الشرعية، وإذا جنحت الدعوة إلى العنف وسلكت مسالك الاندفاع والتهور، فشلت فشلًا ذريعًا، وسببت لأصحابها الضرر العاجل والانفضاض العام، وصدق الله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] .
إنه لا عزة للبشرية ولا صلاح للإنسانية إلا بتطبيق الإسلام، والإسلام الذي نريد هو الإسلام الحق، الاستسلام الكامل لله والانقياد التام لشرعه، الإسلام المبني على قاعدة العقيدة الصحيحة والمتابعة الحقيقية للحبيب المصطفى والسير على ما سار عليه سلف الأمة الصالح رحمهم الله، إن كثيرًا من الناس يدعون الإسلام، ولكن إذا عرضت إسلامهم على الكتاب والسنة وجدته ادعاءً وانتماءً، لا حقيقة واختيارًا، إنه لا بد من تحقيق كلمة التوحيد ولا بد من توحيد الكلمة عليها، إن تضامن المسلمين اليوم ووحدتهم مطلبٌ جِدّ مهم في عزهم وقوتهم وانتصارهم على أعدائهم، وإن الفرقة والخلاف لهما الداء العضال الذي يفتت جسد الأمة ويقطعها إربًا إربًا.
فاحرصوا رحمكم الله على الجماعة واحذروا الشقاق والنزاع والفرقة، وإن مما يدعم ذلك تلاحم الشعوب مع ولاتهم وقادتهم ومعرفة حقوق ولاة أمر المسلمين وعلمائهم، أما الولاة فحقوقهم على رعاياهم السمع والطاعة لهم بالمعروف والدعاء لهم وعدم الخروج عليهم، والتنصل من بيعتهم لأن ذلك من أعظم أسباب الفتن، ودواعي الفساد في البلاد والعباد، بالأئمة تأمَن السبل، ويستتب الأمن، وتصان الحقوق، وتقام الحدود، وتحصّن الثغور، وطاعتهم في المعروف من طاعة الله ورسوله، في الصحيحين عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرةٍ علينا وألا ننازع الأمر أهله) الحديث (8) [8] ، وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات، فميتته جاهلية ) ) (9) [9] قال ابن رجب رحمه الله: وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم، وبهذا يتبين أن الخروج على ولاة الأمور ومنازعتهم، وإظهار أخطائهم أمام الناس والوقيعة في أعراضهم مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وطريق النصح المشروع ليس بالتشهير ولا بالتعيير والتجريح، وهذا لا يسلكه إلا من يترتب عليه من مفاسد في الدين والدنيا، أما العلماء فلهم في هذا الدين المكانة العظمى يجب معرفة قدرهم والقيام بحقهم والدعاء لهم وعدم الوقيعة في أعراضهم، وإنا لنأسف أشد الأسف من أناسٍ جهلوا مكانة العلماء فوقعوا في أعراضهم تجريحًا وتنقيصًا، ورموهم سفهًا بالمداهنة والتزلف، لا لشيء إلا لأنهم سلكوا طريق الحكمة في معالجة الأمور، فليحذر كل من تعرض لأهل العلم من عاقبة أمره، فإن لحومهم مسمومة، وسنة الله في الانتقام ممن وقع في أعراضهم معلومة، ومن ابتلي بالوقيعة بهم والسلب بلاه الله قبل موته بموت القلب كما قال ذلك ابن عساكر رحمه الله.
أيها المسلمون، كبروا ربكم في هذا اليوم المبارك، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
ومما يبين مكانة أهل العلم أنهم قائمون بدين الله باذلون للعلم الشرعي بين عباد الله فتجريحهم سم قاتل وبلاء ظاهر وداءٌ عضال وإثم واضح، وما أجمل ما قال الأول:
أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم …أو سدوا المكان الذي سدوا
أليس في غيبة العلماء والولاة إيذاء للمؤمنين وغيبة للمسلمين ووقوعًا في أعراضهم وكفى بذلك إثمًا وخطرًا، مع أن هذا الملك المشين لا يخدم مصلحة ولا يحقق منفعة ولا يزول به منكر، فمن علب عليه الجهل والهوى وأعجب برأيه فلا حيلة فيه، ويخشى أن يوقع نفسه ويوقع غيره في أمور لا يعلم عواقبها إلا الله فيحصل الندم حيث لات ساعة مندم.