معاشر المسلمين، الغزو الفكري والأخلاقي المركز ضد المسلمين عبر الوسائل المختلفة مما ينبغي أن يحذره المسلمون ويتصدوا له بالتربية الصحيحة، والعناية بتقوية الإيمان في نفوس النشئ، وتنشئة الأجيال على ذلك، وعدم إتاحة الفرصة لوسائل الغزو الفكري والأخلاقي أن تتسلل إلى البيوت والأسر، كما ينبغي الحذر مما تبثه بعض وسائل الإعلام المغرضة عن الإسلام وأهله ووصفهم بأبشع الأوصاف، وإلفاق التهم بهم، وإشاعة مصطلحات موهمة يريدون بذلك تشويه صورة المسلمين، فكونوا على حذر من ذلك ـ إخوة الإسلام ـ درءًا للفساد والجريمة أن تتسلل إلى المجتمعات فتطوح بها بعيدًا عن بر الأمان وشاطئ السلام.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أمة الإسلام، إن تقييم صفحات تاريخنا المعاصر وأوضاعنا الحاضرة يعطي صورة مأساوية لما آل إليه أمر المسلمين في كثير من الأقطار، أول صفحةٍ مأساوية نطرحها بكل حرارة هي القضية الساخنة في هذه الأونة قضية إخواننا المسلمين في إقليم كوسوفا المسلمة، التي وصلت أوج خطورتها وبلغت حدًا لا يسع السكوت عليه، بل لا نكتفي بالشجب والإدانة والتنديد؛ لأن الأمر خطير جدًا خطير، ضد عقيدتهم وحرماتهم وأحوالهم وبلادهم ومقدراتهم لا لشيء إلا لأنهم قالوا: ربنا الله، إننا لنتساءل: أين العالم من هذه المأساة؟ بل أين المسلمون عن الإنتصار لإخوانهم ومعايشتهم لمآسيهم ومشاطرتهم آمالهم وآلامهم؟! أين أدعياء حقوق الإنسان؟! أين المتبجحون بالإنسانية؟! لو قتل علج أو سجن أو أهين واحد من أعداء الإسلام لقامت الدنيا ولم تقعد!، ولاشتغلت وسائل الإعلام بالحديث حوله والمطالبة بالإفراج عنه والانتصار له!، ولكن المسلمين لا بواكي لهم، ودماؤهم أرخص الدماء مع الأسف الشديد، هل قتل علج واحد جريمة لا تغتفر، وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر!!، حسبنا الله ونعم الوكيل، إلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أين الحمية والغيرة؟! أين الإباء والشجاعة؟! أين الشهامة والرجولة؟! وأين الإسلام والإيمان؟! إن واجب المسلمين تجاه إخوانهم المستضعفين في شتى بقاع العالم الدعاء والضراعة إلى الله أن ينصرهم ويفرج عنهم، ويبذل المسلمون أموالهم لا سيما الأثرياء منهم لدعمهم.
وإذا قلبت صفحة أخرى من مآسي أمتنا الإسلامية وجدت ما يماثل ذلك ويقاربه، ما هي أحوال إخوانكم المسلمين في بورما وكشمير؟! لقد بغى عليهم الوثنيون بطمس هويتهم وتشريدهم من ديارهم وحرمانهم لممتلكاتهم؟ وعملوا فيهم قتلًا وتشريدا وتخويفًا وتنكيدًا، ونحن لا نملك إلا شجبًا وتنديدًا، ما هي أحوال إخوانكم في فلسطين في الأرض المباركة؟ ما هي أحوال الأقصى الجريح والقدس الشريف؟ هذه إسرائيل الحاقدة تعيث في الأرض المباركة فسادا تريد الاستيطان والتوسع لنشر مذهبها الباطل ودينها المحرّف وبناء هيكلها المزعوم، كل ذلك بتحدٍ واستفزاز لمشاعر المسلمين، وعلى حساب المسلمين وبلادهم، إن ذلك امتداد لأحلامهم في الانتشار في العالم الإسلامي، آلا شاهت وجوه الصهاينة، أيعجز المسلمون وهم أكثر من مليار مسلم أن يقفوا أمام هذه الحفنة المجرمة والشرذمة الآثمة؟! غير أننا أصبحنا كما أخبر المصطفى بقوله: (( ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) )، فالله المستعان، لا بد من رفع راية الجهاد في سبيل الله لتحرير المقدسات الإسلامية وإقامة علم الجهاد لدرء الشر وأهل الشقاق والفساد والكفر والعناد، لا بد من رفع راية الجهاد في سبيل الله لتحرير المقدسات الإسلامية من براثن الصهيونية الحاقدة الماكرة، ونرجو أن يكون ذلك اليوم قريبًا بإذن الله، متى ما حققنا كلمة التوحيد ووحدنا كلمتنا عليها وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] .
أمة الإسلام، إنه كلما كبرت مآسي المسلمين فإن البشائر كثيرة، والفأل مطلوب، وأمة الإسلام أمة معطاء أنجبت القادة والعلماء والأبطال والعظماء، والخير فيها إلى قيام الساعة، فاليأس مردود، والتشاؤم مذموم، وبشائر نصرة الإسلام بادية متكاثرة بحمد الله، تعم أرجاء العالم الإسلامي بل العالم بأسره، الكل يريد الإسلام ويبحث عنه لما يمتاز به من تحقيق الأمن والأمان ومن توفر الكمال والشمول مما لا يتحقق في ظل الأنظمة الأرضية والشعارات البشرية الجاهلية التي بان عوارها وثبت إفلاسها، وصدق الله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِينًا [المائدة:3] ، وإن المستقبل بحمد الله لهذا الدين القويم، وإن النصر والعز والتمكين للمؤمنين، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَاكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [المنافقون:8] .
اللهم أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يهيئ لهم من أمرهم رشدا، وأن يتقبل من حجاج بيته الحرام حجهم، وأن يجعل حجهم مبرورًا وسعيهم مشكورا وذنبهم مغفورا، إنه جواد كريم.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرًا طيبًا مباركًا كما يحب ربنا ويرضا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، وحبيبه وخليله، وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه وصفوته من رسله، أرسله الله هاديا، ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وإخوانه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة، ومن شذ شذ في النار.
حجاج بيت الله الحرام، ضيوف الرحمن، اشكروا الله على ما من به عليكم من الإفاضة من مزدلفة إلى منى في كل يسر وسهولة، واستفتحوا أعمالكم بمنى برمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات، ثم بعد الرمي ينحر المتمتع والقارن هديه، ثم يحلق أو يقصر، والحلق أفضل، وإذا فعل الحاج اثنين من ثلاثة هي الرمي والحلق والطواف حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، فإنها لا تحل له إلا بعد التحلل الثاني بفعل هذه الأمور الثلاثة كلها، ومن قدم بعض هذه الأمور على بعض فلا حرج، لأن النبي ما سئل يوم النحر عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: (( أفعل ولا حرج ) ).